قضية الأدب الإسلامي في أدب وليد قصاب رؤية معاصرة (3/1)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Sep 01, 2022   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

الباحث: أحمد حسين أحمد

طالب ماجستير في كلية الآداب بالجامعة العراقية

إشراف الأستاذ الدكتور شاكر محمود عبد السعدي

(نشرت في مجلة العلوم الإسلامية (مجلة علمية فصلية محكمة، العدد الثامن، ذو الحجة 1442هـ/ آب 2021م، ص9-35).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الملخص:

 

تعد قضية الأدب الإسلامي المعاصر من أهم القضايا في العصر الحديث؛ لدورها المهم في الحفاظ على الموروث الإسلامي، والتعبير عن واقع الأمة الإسلامية، وبالتالي أصبحت هذه القضية المهمة ميداناً للأدباء والنقاد الإسلاميين في العصر الحديث، ومنهم الأستاذ د.وليد قصاب الذي سجل حضوراً لافت للنظر في هذه القضية من خلال كثير من الآراء النقدية التي تضمنتها مؤلفاته.

 هذه المؤلفات كانت محط أنظار الباحث الذي عكف على دراستها وبيان ما تضمنته من آراء نقدية تخص قضية الأدب الإسلامي، وتحديداً مسألة الافتراء عليه. وعكف الباحث علی تبیان موافقة أو اختلاف تلك الآراء مع آراء النقاد الإسلامين المحدثين من خلال عدة محاور، ومنها: (أولية الأدب الإسلامي، ونظرية الأدب الإسلامي، والتصور الإسلامي، والعصبية الجاهلية، والأدب الإسلامي غير الأدب الديني... وغيرها)، ثم تناولت هذه الدراسة (الملابسات حول الأدب الإسلامي)، وبينت فيه أن هذا الأدب شأنه شأن الآداب الأخرى قد يتعرض للتغييب والتعتيم بسبب عوامل كثيرة، ومنها: الدور السلبي للإعلام، إضافة إلى الأمور السياسية والاجتماعية.

 


مقدمة:

يعد الأدب الإسلامي -على وجه الخصوص- مرآة للأمة يسجل ما تمر به من أحداث مختلفة، ويعبر عن تطلعات أبنائها؛ باعتباره المحرك الذي يمدها بالقوة اللازمة للانطلاق صوب تحقيق غاياتها وأهدافها، هذا الأدب الذي سجل أول حضور له في عصر صدر الإسلام وتحديداً بداية الدعوة الإسلامية التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم، من حيث مثل هذا الأدب سلاحاً مهما في المعركة الشرسة بين الإسلام والكفر. وأبرز رموز هذا الأدب المجاهد هم حسان بن ثابت، وکعب بن زهير، وعبدالله بن رواحة (رضي الله عنهم) الذين انبروا في جعل الكلمة الهادفة سلاحاً فاعلاً في قتال أعداء الإسلام.

وفي العصر الحديث تعرض الأدب الإسلامي لهجمة شرسة وحملات تضليل استهدفت اجتثاثه والقضاء عليه، لكنه بفضل منبعه الإسلامي أثبت حضوره الفاعل الذي ارتبط مع امتداد الصحوة في أنحاء العالم، وتحديداً إلى أفنية الدول الغربية، التي نظرت إلى الإسلام نظرة فكرية عميقة، حيث أدركت هذه الدول أنه لا مجال لاستئصال هذه الصحوة أو إيقاف امتدادها.


المطلب الأول: الافتراءات على الأدب الإسلامي:

 جاء الأدب الإسلامي لخدمة مصالح الأمة العربية الإسلامية والتعبير عن تطلعات أبنائها باعتباره صوت الحق الذي يدوي بوجه من يريد إلحاق الضرر فيها، وكانت له وقفة مشرفة ضد الافتراءات وحملات التشويه التي قادتها إسرائيل وأعوانها من الدول الغربية، حيث تجلت هذه الهجمة الشرسة والحاقدة من السيطرة على مقدرات الأمة العربية الإسلامية، ومنها المنافذ الإعلامية بهدف تغييب كل ما هو إسلامين وربطه بالتعصب والإرهاب حتى ينفر الناس منه.

 وهنا يطالعنا الأستاذ د.وليد قصاب بقوله: (كثر الهجوم على الأدب الإسلامي، كما كثر الهجوم على كل ما هو إسلامي في هذه الأيام، وأصبح هذا الهجوم مظلة يحتمي تحتها قوم خائفون من تهم التطرف والإرهاب والأصولية والرجعية وغير ذلك؛ مما أصبح أعداء الإسلام يلصقونه بالإسلام والمسلمين جميعاً من غير تمييز ولا تفريق، وصارت الدعوة إلى انتباذ كل ما هو إسلامي تقليعة تضمن انتساب صاحبها إلى عالم الحداثة وما بعد الحداثة وإلى دنيا العولمة المهيمنة اليوم، ولابد من التوقف عند عدد من النقاط التي تتعلق بالأدب الإسلامي، وكانت موطن اتهام وسوء فهم من معارضيه)(1).

لقد بين الأستاذ د.وليد القصاب أن هذه الهجمة الحاقدة على الأدب الإسلامي قد كثرت، وشبهها بالهجوم على الإسلام في عصرنا الحاضر، ويبدو أن لهذا الهجوم هدفاً، هدفه الأول والأخير هو الدين الإسلامي قبل أن يكون الأدب الإسلامي، وهنا يتجلى هدف الغرب في حرف الأجيال عن المسار القويم الذي بين ركائزه الأدباء الإسلاميون المعاصرون.

 ثم أشار الأستاذ د.القصاب إلى قضية مهمة، وهي أن الغرب قد استعملوا من أدواتهم الممثلة بـ(المضللين) أو (المتخفين) تحت مظلة الإسلام؛ إذ طعنوا الأدب الإسلامي بصورة عامة بالصميم ذلك من خلال ربط هذا الأدب بالإرهاب والأفكار المتشددة. ويبدو أن هؤلاء الذين جعلوا من أنفسهم أدوات بيد الغربيين، قد باعوا ذممهم، فأصبحوا حماة ومدافعين عن كل ما هو شاذ يدعو إليه الغرب، إذ أصبح يشار إلى كل ما هو إسلامي أو يحمل صفات إسلامية ممثلاً بالأدب الإسلامي المعاصر منبوذاً؛ بل عدم تقبله أصلاً مفتخرين في انتسابهم للحداثة وتقنياتها.

ويبدو أن هؤلاء الأدباء العرب الذين ساروا على نهج الحداثة -وما أكثرهم!- فهم من درسوا الآداب الغربية وتأثروا بها، محاولین نقل هذه الثقافات إلى الأدب العربي، ليشككوا في الموروث الأصيل الذي يمثل الركيزة الأساسية للأدب الإسلامي، وأن الإسلاميين المعاصرين قد ساروا على نهجهم.

وهنا يبرز الموقف الحاسم للأدباء الإسلاميين المعاصرين -ولا سيما النقاد- هذا الذي تمثل بوقوفهم بوجه تلك التيارات الجارفة والمضللة الأمر الذي دعا إلى تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، لصد تلك الافتراءات على الأدب الإسلامي.

  1. أولية الأدب الإسلامي:

عرف الأدب العربي في العصر الجاهلي، وكانت له أغراضه الفنية المعروفة، وبعد مجيء الإسلام جاء الأدب الإسلامي متأثراً ببعثة النبي له ونزول القرآن الكريم.

وبهذا الصدد يقول الأستاذ د.وليد قصاب: ((كتبنا وكتب أكثر من واحد في بيان تاريخية الأدب الإسلامي، وأنه بدأ بنزول القرآن، وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أدب رباني، ذلك أن القرآن الكريم هو الذي غرس بذرته الأولى عندما قسم الكلمة إلى نوعين: طيبة وهي كلمة الإسلام، وخبيثة وهي كلمة الكفر والضلال، وهو كذلك الذي قسم الشعراء فريقين: الغاوين، والمؤمنين، قال تعالى (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ*  وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: 224-227).

فالأدباء -كما هو واضح في المقاییس القرآنية- ليسوا سواء، والأدب ليس كله سواء؛ فيه الحق والباطل، والإيمان والكفر، ثم وضح النبي صلى الله عليه وسلم، هذا التنظير القرآني في عشرات الأحاديث والمواقف التي أثرت عنه؛ فهو يقول عن شعر الحق والخير: ((إن من الشعر لحكمة)) شعر الضلالة والسفه: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرة))(2)(3).

ويبين الأستاذ د.القصاب أن الأدب الإسلامي له جذور لم تأت من فراغ؛ بل بدأت مع نزول القرآن الكريم إذ جاءت مع كلمة الإسلام كلمة مضادة لها (الكفر والشرك)، وكذلك قضية الشعر في الأدب الإسلامي لم تكن بمنأى عن تلك الهجمات، إذ بين القرآن الكريم أن الشعر نوعين: الشعر (الضال والمضلِّل) والذي وصفهم الباري -عز وجل بالشعراء (الغاوين)، أما الشعراء الذين ساروا على وفق تعاليم الدين الإسلامي فقد وصفهم الله تعالی (بالمؤمنين)، وهذا يعني أن القرآن الكريم لم يحرم الشعر، لكن وضع قواعد يسير عليها الإنسان المسلم التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان الشعر محرماً لما أمر حسان بن ثابت رضي الله عنه، والشعراء الآخرين من الرعيل الأول باستعمال شعرهم للدفاع عن الدعوة. فالشعر الإسلامي الملتزم هو الذي يدعو إليه القرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم الذي يعد البذرة الإيمانية الأولى، التي سار على نهجها الشعراء الإسلاميون المعاصرون، ثم إن العقيدة الإسلامية كانت -ولا تزال- هي الحاضن والمحافظ على الأدب العربي برمته، إذ نشأ بين أحضانها، ثم أشار إلى موقف القرآن الكريم من الشعر، فالشعر الحق الذي يلتزم المنهج الرباني الإيماني، أما الشعر المضلل فهو الشعر الذي يغوي النفوس الذي يكون خارجاً عن القرآن الكريم الذي أمرنا بها الباري -عز وجل- في القرآن الكريم، أما موقف النبي صلى الله عليه وسلم، من الشعر فقد ذكر الأستاذ د.القصاب أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أشار بعشرات الأحاديث المبينة للشعر المؤمن، والشعر غير المؤمن، مثلاً كقوله: (إن من البيان سحراً، وإن من الشعر حكمة)(4)، ومثال الشعر الفاسق من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً)(5).

وبهذا الصدد يطالعنا الأستاذ د.القصاب برأيه قائلاً: ((على الرغم من وضوح هذه الأولية؛ فإن طائفة لا تزال تماري فيها، بحجة أن هذا المصطلح لم يستعمل في تراثنا الأدبي والنقدي، وكأن العبرة باللفظ لا بالمعنى. إن دلالة هذا المصطلح المعنوية واضحة كل الوضوح في التنظير القرآني والنبوي، وفي مئات من اقوال الصحابة والعلماء والنقاد، ولقد نسمع من يقول: إن مصطلح الأدب الإسلامي مبتدع، لا عهد للتراث به، وكأن هذا المصطلح هو الوحيد الذي نستعمله ولا عهد للتراث به، ولكن بعضهم يتجاوز هذا الحد من الخطأ ليربط -في إيحاء غير محمود- بين نشأة الأدب الإسلامي والأحداث السياسية، مما أصبح يصنف عند قوم -في ظل المتغيرات الراهنة- في خانة الإرهاب والتطرف، وكأن قائل هذا الكلام غير المسؤول يربط بين الأدب الإسلامي والإرهاب والتطرف))(6).

ويبين الأستاذ د.القصاب أنه على الرغم من وضوح معالم الأدب الإسلامي قديماً وحديثاً، لكن هناك طائفة تتماری وتتجنى على الأدب الإسلامي المعاصر، على زعمهم بأن هذا المصطلح لم يذكر في الأدب العربي، وأوافق رأي القصاب جملة وتفصيلاً، فإن الأدب الإسلامي لو لم يكن موجوداً؛ فماذا يقولون عن شعراء الدعوة الإسلامية الذين حملوا على عاتقهم الدفاع عن الدعوة الإسلامية!؟ ثم ماذا يقولون عن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم، للشعراء في الدفاع عن الدعوة تارة، وتصويبه لأشعارهم تارة أخرى، ثم بين أن هناك من تجنى على الأدب الإسلامي معتبراً أن هذا الأدب لم يكن معروفاً أو واضعاً إياه في خانة التشدد. والحق أقول: إن الأدب الإسلامي هو الحاضن للأدب العربي برمته، إذ نشأ الأدب العربي وان كان اسبق من الأدب الإسلامي، لكن يجب الإشارة هنا إلى أن العرب كانوا يحفظون مشافهة، وأن التدوين قد بدأ في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني، وهذا يعني أن الإسلاميين القدماء كانوا أمناء على الأدب بصورة عامة، ولذلك دونوا ما قيل من أشعار، وغن سبقت العصر الإسلامي حرصاً منهم على حفظ الموروث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن القصيدة الإسلامية اليوم كانت جذورها الأولی تعود إلى العصر العباسي ممثلاً في المدائح النبوية؛ لذلك فإن شعراء رابطة الأدب الإسلامي أحفاد لأولئك الأجداد العظام؛ إذ حافظوا على أصالة اللغة العربية وبناء القصيدة كما عند القدماء، وحافظوا على عمود الشعر، وسایروا تقنيات الحداثة لكن من غير أن يخرجوا عن التعاليم الدينية ممثلاً عند شعراء المغاربة، وحتى القصيدة الإسلامية المعاصرة كانت إما على شكل القصيدة الموروثة أو العمودية، وهناك من خرج عن الاثنين؛ لذلك إن الأدب الإسلامي كان حاضراً منذ الوهلة الأولى، وكان المحافظ على الأدب العربي وما ظنه المغرضون ناتجاً عن قصر فهمهم وعدم تقبلهم الأدب الإسلامي، ظنا منهم أنه سيجعل نفسه بديلاً عن الأدب العربي، وهو لم يكن كذلك، إنما أراد أن يجعل من الأدب الإسلامي مادة تدرس تعرف الأجيال أمجاد أمتها، ولإيقاظ شعور الأجيال المعاصرة.

۲. نظرية الأدب الإسلامي:

جاءت نظرية الأدب الإسلامي بمرتكز التصور الإسلامي في الأدب عامة، لمواجهة التيارات الفكرية والمذاهب الغربية الوافدة، التي تحاول النيل من المورث الحضاري والثقافي للأمة الإسلامية من خلال الكلمة المكتوبة والمسموعة والمقروءة.

ويطالعنا الأستاذ د.القصاب برأيه قائلاً: (وإذا كان المنشغلون بالأدب الإسلامي لم يتوصلوا بعد إلى وضع نظرية شاملة لهذا الأدب؛ فإن ذلك لا ينطبق على الأدب الإسلامي وحده، بل على الأدب عامة؛ إذ لم يتوصل الباحثون والنقاد العرب المعاصرون إلى الآن إلى وضع نظرية خاصة للنقد العربي الحديث، وما يزالون يخبطون في ذلك خبط عشواء، ويتسكعون على موائد النقد الغربي، يرددون آراءه وأفكاره التي يلعن جديدُها قديمَها، بل ينسفه من الجذور نسفاً. وأما النقاد العرب القدماء فلم يشغلوا أنفسهم كثيراً بفلسفة الأدب وتعريفه، والتنظير له، وإنه لايزال عمر الدعوة إلى الأدب الإسلامي الحديث قصيرة بالقياس إلى الأدب العربي الحديث، ومع ذلك فالمشتغلون بالأدب الإسلامي جادون أكثر من أي فئة أخرى في وضع هذه النظرية، وهي جزء من رسالتهم لمواجهة تغريب الأدب الحديث، وقد صدرت عشرات الكتب والدراسات التي تجتهد في هذه المحاولة، وتسعى إليها بجد وإخلاص. وإن مسألة التنظير أقل أهمية من مسألة الإبداع؛ فالأدب الإسلامي -شأن كل أدب- يتجذر، وتتضح ملامحه بالإبداع الأدبي على وجه الخصوص، ويكون التنظير ثمرة هذا الإبداع)(7).

ويبين -كذلك- أن هؤلاء الذين كرسوا جل وقتهم في بیان عدم وجود نظرية للأدب الإسلامي عليهم أن يوجدوا نظرية للأدب العربي، ولأن الأدب الإسلامي هو جزء من الأدب العربي، وإن علاقته بالأدب العربي علاقة حميمة كعلاقة الأم بمولودها؛ لذلك على ما تبين لي أن هؤلاء المتربصين المتخبطین هم أصلاً متيقنون حق اليقين أن الأدب الإسلامي هو أدب سامٍ رفيع، لكن حسداً من عند أنفسهم حاولوا التشكيك به من كل جانب، والتجني عليه معتبرین إياه فكرة شاذاً متشدداً متعصباً لا وجود له. فكيف تكون لديه نظرية!؟

وإن هؤلاء الأدباء العرب إلى الآن مسارهم كان على وفق مسارات النقد العربي الذي يمثل ثقافات الغرب، ولا يمثل ثقافات الأمة العربية الإسلامية، فكان من الجدير بالذكر أن يضعوا قواعد وأصولاً يسيرون عليها في الأدب العربي. وغن الشعراء الإسلاميين المعاصرين قد تنبهوا إلى تلك المسائل ووضعوها نصب أعينهم، ومن نتاجهم النقدي أنهم وضعوا معالم للأدب الإسلامي المعاصر رؤية وفكرة ومنهجاً، وكل هذا يقوم على الثقافات العربية الإسلامية لا على الثقافات الغربية، ثم وضح أن مسألة الإبداع في الأدب الإسلامي أهم من مسألة التنظير، وهنا يتضح جلياً أن الأدب العربي فيه اتجاهان: اتجاه منحرف، واتجاه منضبط.

٣. التصور الإسلامي:

 إن الأدب الإسلامي أدب شمولي منضبط ومنفتح على الجميع، يأخذ ما يوافق تصوره، ويترك ما يخالفه.

الأمر الذي نلحظه في قول الأستاذ د.القصاب: (الأدب الإسلامي أدب منفتح على كل المذاهب والتيارات، ولا ضابط لديه فيما يأخذ أو يدع إلا التصور الإسلامي، وليس صحيحاً ما ذكره بعضهم من أن تعبير التصور الإسلامي فضفاض غير منضبط؛ ولو صح ذلك –وما هو بصحيح- لما أمكن الكلام على أي ضرب من ضروب الأنشطة الفكرية الإسلامية: لا ثقافية، ولا اقتصادية، ولا فكرية؛ لأن التصورات الإسلامية لها -في وهم الكاتب- فضفاض لا يضبط، وفي الإسلام ثوابت لا يختلف حولها اثنان، من المسلمين، ثم هنالك بعد متغيرات في الفروع والجزئيات، تتعدد فيها الرؤى، في الفقه، وفي التفسير، وفي الحديث، وفي الأدب كذلك، وفي الأدب الإسلامي رؤی متعددة، ولكنه تعدد في إطار التوحد الذي يضبطه التصور الإسلامي النابع من ثوابت العقيدة التي لا شك فيها، ولا خلاف حولها)(8).

وبالتالي نجد أن الأستاذ د.وليد قصاب يرى أن الأدب الإسلامي ليس بالأدب العدائي، ولا بالأدب المنطوي على نفسه، وإنما هو أدب منفتح يأخذ ما يوافقه من الثقافات الأخرى، ويرفض ما هو مخالف للتصور الإسلامي، ثم بين كذلك أن الأدب الإسلامي من صفاته الشمولية، وأنه لم يلتزم نوعاً أدبياً واحداً، وإنما هو ملِمٌّ بجميع الأنواع؛ لكن كان ضابطه في هذه الأنواع أن يكون الأديب فيها موافقاً للتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، وأن محاولة عده أدباً هو تجنٍّ عليه؛ كونه رفيعاً يعالج كل قضايا المجتمع والفرد.

والأدب الإسلامي يهدف إلى تقويم الإنسان المسلم على وفق المنهج الرباني والعقيدة الإسلامية، وأن الرؤی کما تختلف بين أديب وآخر؛ فكذلك الأدب الإسلامي له رؤى قد تختلف عن الآداب الأخرى؛ ولكن هذا الاختلاف يكون في الجزئيات؛ لأن الأدب الإسلامي أساسه العقيدة الإسلامية؛ لذلك فهو يقوم على ما يوافق عقيدته من أجل إصلاح النفوس وتهذيبها، لأن من صفاته أنه أدب أخلاقي؛ ينبذ كل ما هو خارج عن تصوراته إذا كانت تخالف التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة.

الأدب العربي لا انحراف فيه:

لقد جاء الأدب العربي الحديث، وفيه الكثير من الانحرافات، وذلك يعود إلى ما تأثر به الأدباء من الغرب، بينما الأدب الإسلامي جاء ملتزماً وفق ما جاءت به العقيدة الإسلامية.

 في هذا الجانب يقول الأستاذ د.القصاب: (ويقول أحدهم في نفي مسوغ الدعوة إلى أدب إسلامي: "أما الأدب العربي الحديث فلا يوجد فيه أدب مزور أو منحرف، إنها إبداعات تحمل قيم عصرها"، وهذا من أعجب القول: إنما أكثر الانحرافات في الأدب العربي الحديث: عقیدة، وخلق، ولغة. وقد كتب الدارسون حول هذا عشرات الكتب والدراسات التي تبين انحراف أدب الحداثة -ولا سيما عند أصحاب الرمز المشهورين- عن دين الأمة وفكرها وذوقها ولغتها، وأوردوا من النماذج الصارخة الدامغة على هذا الانحراف ما لو رجع الباحث إلى بعض منه لتاب عما قال، ومن هذا الانحراف العقدي والفكري والفني الذي أصاب كثيراً من نماذج الأدب الحديث أحد الأسباب التي حملت على الدعوة إلى أدب أصيل يصحح مسار الأدب العربي، ويعيده إلى دوره الفاعل في البناء والإصلاح))(9).

إن الأستاذ د.القصاب أراد أن يوضح في معرض كلامه عن أن (الأدب العربي الحديث لا انحراف فيه)، فمن هذا العنوان يتضح بجلاء أن الأدب العربي الحديث يحمل في طياته جملة من الانحرافات والتناقضات؛ کون أن بعض هؤلاء الأدباء والشعراء قد درسوا في الدول الغربية، وتأثروا بتلك الآداب، فنقلوا هذه الثقافات إلى الأدب العربي، بل وتمسكوا بها إلى حد الدفاع عنها على أنها آداب ملتزمة، وهذا بحد ذاته نقيصة؛ والسبب يعود إلى أن تلك الثقافات والآداب الغربية لا تعبر عن المجتمع العربي، بل عبرت عن أدبهم القائم على الخرافات والأساطير. وإن الأدب العربي الأصيل نشأ في أحضان العقيدة الإسلامية، فمن باب أولى أن يتناولوا القضايا التي ترتبط بواقع المجتمع العربي، فمثلاً ما شأن الرومانسية الغربية بالأدب العربي!؟ ثم إن الالتزام عند الغرب لا يمثل الالتزام في الأدب العربي، وكذلك الحرية عندهم مطلقة، أي: أن الشاعر والأديب حر فيما يقول في أي موضوع وإن كان مخالفاً، ثم إن الآداب الغربية تدعو إلى الإلحاد، وهذا ما نلمسه في قضايا بعض أدباء العرب، والذي دعا بعضهم إلى ركوب موجة الحداثة والتغني بأفكارها الهدامة المنحرفة؛ لأن الحداثة في أحد معانيها هي (دس السم بالعسل!).. لذلك حمل هؤلاء الشعراء المتأثرين بالغرب في الدفاع عن تلك الثقافات، وكانوا هم أول المعارضين للأدب الإسلامي، كونه يخالف اهواءهم؛ الأمر الذي جعل منهم أدوات لتنفيذ الدسائس والسموم الغربية؛ وبسبب ذلك ظهر جملة من أدباء العرب المخلصين الحمل لواء هذه القضية للدفاع عن الأدب العربي، وتصحيح مساره، وإعطائه الصورة التي كانت عليه سابقاً ليكتسب طابعه الأصيل، ويقوم ما قام عليه قبل الحداثة؛ لذلك قامت بالعصر الحديث مدارس أدبية كمدرسة الإحياء التي حافظت على التراث مما هيَّأ أيضاً للأدباء الإسلاميين أن يزرعوا البذرة الأولى؛ لإنشاء جيل عربي مسلم صحيح، فكانت هذه البذرة بداياتها الأولى منتصف القرن العشرين على يد سيد قطب رحمه الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) من قضايا الأدب الإسلامي، د.وليد ابراهيم قصاب، دار الفكر، دمشق، ط1، ۲۰۰۸م، ص151-152.    

 (2) المحصل لمسند الإمام أحمد بن حمبل، عبدالله بن إبراهيم القرعاوي، دار العاصمة، الرياض، السعودية، ط2، 1427هـ/ 2006م،  ج24، ص257، رقم الحديث (24052).

(3) من قضايا الأدب الإسلامي، ص153.  

 (4) صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة الدليل، الجبيل، السعودية، ط4، ۱۹۹۷م، ص324، رقم الحديث (669). صحيح البخاري، أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن کثیر، دمشق، ط1، ۲۰۰۲م، ص۱۳۱۲، رقم الحدیث (5146).

(5) المحصل لمسند الإمام أحمد بن حنبل، عبدالله بن إبراهیم القرعاوي، ج24، ص257.  

 (6) من قضايا الأدب الإسلامي، ص153-154.

(7) من قضايا الأدب الإسلامي، ص156.

 (8) من قضايا الأدب الإسلامي، ص 157.

 (9) من قضايا الأدب الإسلامي، ص157-158.  

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب