مفهوم الأدب الإسلامي وإسلامية الأدب عبر العصور (2/1)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Feb 10, 2022   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول : د.ثناء الله الأزهري - الهند

د.ثناء الله الأزهري - الهند

 

مفهوم إسلامية الأدب والأدب الإسلامي:


الإسلامية (في الأدب) هي انطلاق الأديب في العملية الإبداعية من رؤية أخلاقية تبرز مصداقيته في الالتزام بتوظيف الأدب لخدمة العقيدة والشريعة والقيم وتعاليم الإسلام ومقاصده، وتبين إيجابيته عند معالجة قضايا العصر والحياة، التي ينفعل هبا الأديب انفعالا مستمرا، فلا يصدر عنه إلا نتاج أدبي متفق مع أخلاق الإسلام وتصوراته ونظرته الشاملة للكون والحياة والإنسان، في إطار من الوضوح الذي يبلور حقيقة علاقة الإنسان بالأديان، وعلاقته بسائر المخلوقات فرادى وجماعات، وبشكل لا يتصادم مع حقائق الإسلام، ولا يخالفها في أي جزئية من جزئياتها ودقائقها(1).

في تصور هذه المبادئ والأصول التي ذكرت في الفقرة آنفاً من الممكن أن نقول: إن الأديب يتناقش قضايا عصره في ضوء الإسلام ومبادئه، ويقدم حلولاً لمشاكل مختلفة في مجال الفكر والأدب التي تتناسب وتتلاءم مع مقتضيات العصر والتحديات والتغييرات السريعة في جميع مجالات الحياة كأنه يحمل مصباح نور الإسلام، ويرشد نفسه والناس الآخرين في ضوئه، ويخرجهم من ضلال الأفكار الوافدة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

ويبين لنا النص التالي مزيداً من توضيح الفكرة لإسلامية الأدب، ويقول: "الإسلامية في الأدب تعني كل أدب ينطلق من التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، أو ـ على الأقل ـ ينسجم مع هذا التصور ولا يعارضه"(2).

عبارة قصيرة ولكنها تحتوي على أركان الفلسفة الإسلامية بكاملها، حيث تجعل التصور الإسلامي في الصف الأول حينما ينطلق الأدب، ويتناول موضوعات المجتمع الإسلامي على المستوى الدولي.

       ويقول د.نجيب الكيلاني في تعريف الأدب الإسلامي: "إن الأدب الإسلامي: "أدب مسؤول، والمسؤولية الإسلامية التزام، نابع من قلب المؤمن وقناعاته، التزام تمتد  أواصره إلى كتاب الله الذي جاء بلسان عربي مبين"(3).

       هذا هو الأدب الإسلامي الذي يتحمل المسؤولية الكاملة. إنه يحتوي على تلك التصورات والأفكار التي نبعت وانبثقت من معين الإسلام ومصادره ويدور حولها أياً كان الموضوع الذي يتطرق إليه، ويعلق عليه، ويوجه كل من يحتاج إلى التوجيهات الرشيدة.

ويرى الأستاذ محمد قطب: "أن الفن والأدب هو الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحق هو ذروة الجمال. ومن هنا، يلتقيان في القصة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود"(4).

خلاصة هذا الكلام: أن الغرض من الأدب الإسلامي هو المعرفة الإلهية، والترفع عن المادية، والتوجه والصعود إلى الروحانية والطهارة والصفاء والتقوى والنقاء.

       ويرى د.حسن الأمراني: أن الإسلامية في الأدب يغير الأديب تغييراً كبيراً، وهو يقول: "الإسلامية، ترفع الإنسان، وتسمو به أخلاقياً وعملياً، عقلاً وروحاً،  وتزرع فيه حب الإنسانية بصفة عامة، مع تكسير قيود الزمان والمكان، والحواجز الوطنية والقومية القائمة على العرقية والتصورات الإقليمية، نحو تحقيق وحدة  إنسانية عالمية قائمة على الروحانية، والعقيدة الصحيحة، والمودة النقية"(5).

هنا توسعت دائرة تفكير الأدب الإسلامي، حيث إنه يهدف قيام الوحدة الإنسانية ذات أساس وكيان المودة والعقيدة التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم،  تلك المودة التي لا تكون لأجل المنافع والمصالح الشخصية وإنما تكون على أساس الإنسانية ولراحة خلق الله تعالى عز وجل.

ويوضح دكتور حسن فكرته قائلاً: " وتبعاً لهذا التصور فالأديب ينطلق بعيداً وراء حدود الزمان والمكان، فإنه يتجاوز الإقليمية الضيقة ليصبح إنسانياً، وبقدر تمثله الإسلامية تزداد إنسانيته، وليس معنى هذا أنه يتخلص من الشعور بالزمن، بل بالعكس من ذلك، إذ الإيمان يفجر في وجدان الفنان المسلم ـ أكثر من غيره ـ شعوراً حاداً بالزمن ويدفعه إلى مزيد من التعبير، باعتباره عملاً  يتقرب به إلى الله، على الطريقة الإسلامية الفذة"(6).

إن الهدف الأساس من الأدب الإسلامي في الأول والآخر هو الإصلاح الفردي والاجتماعي، وذلك للتقرب إلى الله تعالى من جانبين: من جانب الأديب نفسه ومن جانب قرائه، بمعنى أن الأديب عندما يرى حقائق الكون والحياة والإنسان بنور الإسلام الصحيح المعتدل، يحاول عندئذ أن يترفع عن الحياة المادية ويسمو إلى الحياة الروحية من جانب، ويوجه ويرشد كل من حوله بكل ما أوتي من قوة العلم والفكر إلى هذا التقرب إلى الله تعالى، ومحاولةإلى الفرار إليه والاستقرار به والفرح والانبساط بذكره والدعوة إليه.

ويفسر د.طاهر أحمد مكي الأدب الإسلامي قائلاً: "إن الأدب الإسلامي الحق يجيء قمة في بابه و شاهدنا على ذلك أدب الصوفية العظام جاء خيالهم خصباً عميقاً ويصدرون في فلسفتهم عما تطمئن إليه قلوبهم"(7).

       مجمل هذا الكلام: أن الأدب الإسلامي رأس الآداب وأفضلها وأكملها وأرفعها، كما أن هناك بغية أخرى من الأدب الإسلامي التي يرمي إليها الأديب الإسلامي، وذلك اطمئنان القلب وراحته وسكينته، كما أن الأدب الإسلامي الصوفي يتعلق بهذا النوع الذي يعتبر حديث القلب إلى القلب.. حديث الإخلاص والوفاء.. حديث الطهارة والصفاء، وحديث العبد مع معبوده عز وجل.


الفرق بين الأدب العربي والأدب الإسلامي:

لايزال بعض الناس يرفض مصطلح (الأدب الإسلامي)، ولا يستطيع أن يميز بينه وبين الأدب العربي، والحقيقة أن الفارق بين الأدبين هو الفارق بين العام والخاص، فالأدب الإسلامي أدب مستقيم بمعنى أنه أدب يعكس التصور الإسلامي الصحيح للإنسان والحياة والكون، وحدوده ـ إذا كان له حدود ـ هي الركيزة التي يقوم عليها، وليست هوية الكاتب أو اللغة التي يستعملها ، فالأدب الإسلامي أدب عالمي، ومن الممكن أن يكتب بأي لغة مادام يلتزم بالتصور الإسلامي الصحيح.  أما لأدب العربي فهو كل ما يَكتب باللغة العربية سواء كان إسلامياً أو غير إسلامي، ولا يستطيع أحد اليوم في هذا العصر الذي يموج بمختلف المعتقدات والأهواء أن يقول: إن الأدب العربي ـ كله ـ أدب إسلامي، وإن كان الذين يكتبون فيه يعتبرون مسلمين ويحملون أسماء إسلامية؛ ذلك لأنَّنا نجد بينهم من يعكس الرؤية الماركسية في أدبه، وآخر متأثراً بالوجودية، وثالث عبثي (بوهيمي)، لا همًّ له ولا رسالة فيما يكتب، وهكذا نخلص إلى القول: إنه ليس كل من كتب باللغة العربية كتب أدباً إسلامياً.(8)  وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار ما قيل في تعريف كلمة "الأدب" من الناحية التاريخية: "إن الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف".(9)

       وكما يقول د.محمد مندور في تعريف الأدب: "كل ما يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية أو انفعالات عاطفية أو هما معاً".(10)

خلاصة الكلام: أن الأدب يدور حول كل نوع من إحساسات جمالية وانفعالات عاطفية سواء كانت تتصادم مع القيم الإسلامية أو تتلاءم معها، ولكن الأدب الإسلامي يدور حول تلك المثل العليا، والأهداف النبيلة، والقيم الرفيعة فقط؛ التي جاء بها الإسلام، وعلمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله أو فعله أو عمله.

موقف الإسلام من الأدب الإسلامي:


وقد وضح القرآن الكريم مفهوم الأدب الإسلامي خير توضيح،  وفرق بينه وبين غيره بكل صراحة حينما سمى سورة من سوره بكلمة الشعراء، وذكر هذه الآية الكريمة في تلك السورة، وعد صفات الشعراء الذين لا يؤمنون بالله والذين يؤمنون به عز وجل،  هذا يدل دلالة واضحة وبينة على اهتمام القرآن بإبراز الفرق بين الأدب الإسلامي وغيره من أول يوم، فهو القائل:

((وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ))(11) (الشعراء: 224-227)

يوضح العلامة ابن كثير في تفسيره أن المقصود من هذه الآيات, الشعراء الكفار الذين كانوا يهجون الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: الكفار يتبعهم ضُلَّال الإنس والجن.(12)

ويقول الله عز وجل في مقام آخر:

((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ))(13) (إبراهيم: 24-27).

يقول الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآيات البينات: "كيف مثَّل االله مثلاً، وشبه شبهاً، (كلمة طيبة)، ويعني بالطيبة: الإيمان به جل ثناؤه، كشجرة طيبة الثمرة، وترك ذكر "الثمرة" استغناء بمعرفة السامعين عن ذكرها بذكر "الشجرة".

وقوله: ((أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ))، يقول عز ذكره: أصل هذه الشجرة ثابت في الأرض و"فرعها" وهو أعلاها في "السماء"،  يقول: مرتفع علواً نحو السماء. وقوله: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا))، يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها كل حين بأمر ربها، ((وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ))، يقول: ويمثل الله الأمثال للناس، ويشبه لهم الأشباه ((لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ))، يقول: ليتذكروا حجة الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان(14).

       ويقول الإمام الطبري: ((مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ))، يقول: ما لهذه الشجرة من قرار ولا أصل في الأرض تثـبت عليه وتقوم. وإنما ضربت هذه الشجرة التي وصفها الله بهذه الصفة لكفر الكافر وشركه به مثلاً،  يقولُ ليس لكفر الكافر وعمله الذي هو معصية الله في الأرض ثبات ، ولا له في السماء مصعد، لأنه لا يصعد إلى الله منه شيء(15).

كلما كنت أقرأ هذه الآيات البينات كنت أفكر كيف لا يوجد قرار لكلمة خبيثة في الدنيا مع أن الصراع الدائم والنزاع المستمر بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة يوجد من البداية وفي بعض الأحيان الكلمة الخبيثة تبدو في طاهر الأمر أنها غالبة على الكلمة الطيبة؛ إلا أن هذا التفسير يجيب على هذا السؤال بكل وضوح أن معنى هذا الكلام ليس أنّ كلمة خبيثة تقلع بجذورها من الدنيا، بل معنى ذلك أن ليس لها ثقل ولا قيمة عند الله تعالى، بل إن الله تعالى يرد على قائلها بكل أضرارها. أما الكلمة الطيبة فتصعد إلى السماء، ويقبلها الله تعالى بقبول حسن، ويمنح قائلها أجراً كبيراً في الدنيا.

والنقطة الثانية التي فهمت من هذه الآيات البينات أنه مثلما الكلمة الطيبة ثابتة ولها قرار في الدنيا والآخرة هكذا قائلها أيضا ثابت ومنصور من الله عز وجل، ومعروف بين الناس بالإصلاح والرشد والهداية في هذه الدنيا، هكذا قبره وذكره وسيرته تكون ثابتة ومشهورة بين الناس بعد موته، وكل من يعرفه يذكره بكلمة طيبة وأسوة حسنة وقدوة صالحة.

إن خطورة الأدب تكمن في أن الأدب يكون إيجابياً أو سلبياً، وفي ضوء هذه الخطورة الأدب الإيجابي يحدد مفهوم الأدب الإسلامي. وعلى النقيض أي الأدب السلبي يحدد مفهوم الأدب الهابط المنحرف، فإن استخدمت الكلمة استخداماً نافعاً صالحاً وجادا وبناء في الأدب كان أدباً إيجابياً، وإن استخدمت الكلمة استخداماً خبيثاً ومنحرفاً كان الأدب سلبياً مدمراً. ومفهوم النفع والإصلاح والجدة والبناء يختلف من أمة إلى أمة، ومن بيئة إلى بيئة أخرى. فهذا المفهوم في أمتنا الإسلامية له معالم تختلف عن مفهوم الأدب لنشر القيم النبيلة الفاضلة، يبني المجتمع ويسمو به عن الدرك المادي، وإذا كان النقاد القدماء جعلوا الأدب الإسلامي قاصراً على أدب صدر الإسلام والعصر الأموي فإننا لا نفرق بين عصر وعصر حتى العصر الحديث، لأن المهم أن يكون مضمون أدب الأديب شعرا ونثرا حكمة وقيماً إسلامية(16).

ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الأدب الإسلامي قديم بقدم الإسلام، كما أن قائليها وكاتبيها وقارئيها نجدهم في جميع العصور. يبدو ذلك من الصواب إذا نظرنا إلى الكم الهائل من الشعر الذي قيل في معركة الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام وفي العصور التالية، إلى أن دخل العصر الحديث.

       أما الأدب العربي عامة هذا يشمل الأدب الإسلامي وغير الإسلامي لأنه من الضروري ألَّا تختلط الأمور، حيث إنه في بعض الأحيان يفهم من الأدب الإسلامي

الأدب العربي عامة، مع أن الأدب العربي عام، والأدب الإسلامي خاص، ولا نبالغ إذا قلنا: إن طلوع فجر الإسلام بداية حقيقية لحركة إسلامية الأدب العربي، لأن الأدب العربي الراقي كان موجوداً قبل الإسلام، والدليل على ذلك هو المعلقات التي السبع التي تعد لبَّا وصلبا للأدب العربي قبل الإسلام.

وقيل: "إن الشعر العربي في الجاهلية هو الخزان الأساسي للغة العربية، وهو مرآة تنعكس عليها صورة حياة العرب في الحرب والسلم؛ إنه بحق ديوان العرب".(17) إلا أن الضرورة القاسية والحاجة الماسة كانت تدعو وتطالب وجود الأدب الإسلامي لتبدأ إسلامية الأدب العربي.


الأغراض الشعرية في عصر صدر الإسلام:


1 - شعر العقيدة والدعوة:

1- التبرئة من عبادة الأصنام وإعلان الإسلام.

2- محاججة المشركين.

3- مناقشة المرتدين.

4- البراءة من المشركين.

5- العودة إلى الإسلام.


2 - شعر الجهاد والفتوح الإسلامية:


6- الثبات على العقيدة والمبدأ.

7- الهجرة في سبيل الله تعالى.

8- الجهاد في سبيل الله تعالى.

9- وصف المعارك.

10 - وصف طبيعة البلاد المفتوحة(18).

هذه هي الأغراض الهامة التي كان يدور حولها الأدب الإسلامي شعرا و نثرا في العصر الأموي كما أنها تقدم لنا صورة حية لنوعيها من الأدب، ويبين لنا الجوانب والنواحي التي كان يميل إليها الأدب الإسلامي آنذاك، كما أنه كان يحمل طابعا واضحا لهذه الموضوعات التي تتعلق جميعها بنشر الدعوة الإسلامية وتحمل المشقة والمصابرة والكفاح والمقاومة بإيثار كل نفس ونفيس في سبيل الله تعالى داعياً وملتمساً وطالباً وراغباً في تلقي القبول عند الله تعالى لهذه الجهود المضنية.


نموذج من عصر صدر الإسلام:


يقول سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه:

إِنَّ الذَوائِبَ مِن فِهرٍ وَإِخوَتَهُم = قَد بَيَّنوا سُنَّةً لِلناسِ تُتَّبَعُ

يَرضى بِها كُلُّ مَن كانَت سَريرَتُهُ = تَقوى الإِلَهِ وَبِالأَمرِ الَّذي شَرَعوا

قَومٌ إِذا حارَبوا ضَروا عَدُوَّهُمُ = أَو حاوَلوا النَفعَ في أَشياعِهِم نَفَعوا

سَجِيَّةٌ تِلكَ مِنهُم غَيرُ مُحدَثَةٍ = إِنَّ الخَلائِقَ حَقّاً شَرُّها البِدَعُ

إِن كانَ في الناسِ سَبّاقونَ بَعدَهُمُ = فَكُلُّ سَبقٍ لِأَدنى سَبقِهِم تَبَعُ

أَعِفَّةٌ ذُكِرَت في الوَحيِ عِفَّتُهُم = لا يَطمَعونَ وَلا يُرديهِمُ الطَمَعُ

نَسمو إِذا الحَربُ نالَتنا مَخالِبُها = إِذا الزَعانِفُ مِن أَظفارِها خَشَعوا

لا فُرُحٌ إِن أَصابوا مِن عَدُوِّهِمُ = وَإِن أُصيبوا فَلا خورٌ وَلا جُزُعُ

كَأَنَّهُم في الوَغى وَالمَوتُ مُكتَنِعٌ = أُسدٌ بِبيشَةَ في أَرساغِها فَدَعُ(19)

نلاحظ في هذه الأبيات أن الشاعر يأتي بذكر الألفاظ التي عرفت في عصر صدر الإسلام من تقوى الإله والوحي ورسول الله كما يدافع عن الإسلام والمسلمين ويعد محاسنهم ومكارمهم ويمدحهم بما اتصفوا بصفات حسنة وأخلاق عالية ويبين تصورهم الواضح وعقيدتهم الإسلامية الراسخة القوية واستقرارهم وثباتهم في حالة العسر واليسر والحرب والأمن بسبب دخولهم في دائرة الإسلام ومصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي راباهم تربية حسنة وكوّن شخصياهتم تكوينا متينا لا تعرف الضعف والاضمحلال والإحباط والانحطاط، وإذا أرد أن نلاحظ إسلامية الأدب العربي في هذا النص فعلينا أن نرجع إلى شعر حسان الذي قاله قبل الإسلام، فهو يقول:

إِنَّ ابنَ جَفنَةَ مِن بَقِيَّةِ مَعشَرٍ = لَم يَغذُهُم آباؤُهُم بِاللُّومِ

وَأَتَيتُهُ يَوماً فَقَرَّبَ مَجلِسي = وَسَقى بِراحَتِهِ مِنَ الخُرطومِ

لَم يَنسَني بِالشامِ إِذ هُوَ رَبُّها = كَلّا وَلا مُتَنَصِّراً بِالرُّومِ

يُعطي الجَزيلَ وَلا يَراهُ عِندَهُ = إِلّا كَبَعضِ عَطِيَّةِ المَذمومِ

بعد ذكر هذه الأشعار يقول شارح ديوان حسان:

"إذن كان حسان في جاهليته يمدح آل جفنة وكان يسترفدهم فيرفدونه ويجتديهم فيجدونه ويفضلونه لأنه كان شاعرهم وكان يمت إليهم بسبب من القرابة. كان حسان يمدح ويفتخر بقومه وكان يهجو من قاوله وفاخره وكان يشبب بامرأة اسمها شعثاء، وكثيرا ما ذكرها في قوافيه، وكان يشبب ابمرأة أخرى اسمها عمرة... إذن قال حسان في الغزل، كما قال في المدح والفخر والحماسة والهجاء، وكان غزله في الجاهلية. أما في الإسلام فاقتصر على المدح والهجاء والفخر كان يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يرتضيه من الصحابة".(20)

إن الاقتصار على الهجاء والفخر والمدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للدفاع عن الإسلام من حسان, دليل على إقباله على الأدب الإسلامي، كما أن تركه الغزل الحسي دليل قوي على بداية إسلامية الأدب العربي في عصر صدر الإسلام، كما أننا نجد أقوالاً أخرى تؤيد رأينا. ورد في القول الأول: "ويتفق النقاد على أن أساليب حسان بن ثابت بعد إسلامه قد سلمت من الحوشية والأخيلة البدوية، ولكن خالطها لين الحضارة، ولم تخل في بعض الأغراض من جزالة اللفظ وفخامة المعنى والعبارة كما في الفخر والحماسة والدفاع عن النبي ورسالته ومعارضته المشركين وهجومهم".

وجاء في قول آخر: "لقد غلبت على أساليب حسان الشعرية الصبغة الإسلامية كتوليد المعاني من عقائد الدين الجديد وأحداثه، والاستعانة بصيغ القرآن وتشبيهاته ولطيف كناياته، وضرب أمثاله، واقتباس الألفاظ الإسلامية من الكتاب والسنة وشعائر الدين، كما غلبت عليها الرقة واللين والدماثة واللطف وسهولة المأخذ وواقعية الصورة وقرب الخيال، وأكثر ما نرى ذلك في شعر الدعوة إلى توحيد الله وتنزيهه، وتهجين عبادة الأوثان، ووصف الشعائر الإسلامية وذكر مآثرها وبيان ثواب المؤمنين وعقاب المشركين وبعض ما مدح به الرسول أصحابه أو رثاهم به."(21)

كل من الأقوال والآراء التي ذكرناها آنفا تدل على التغيير الجذري والأساسي الملحوظ في الأدب العربي في عصر صدر الإسلام سواء كان التغيير في الألفاظ أو في المعاني أو في الأساليب. على كل حال بدأت "الإسلامية" تظهر في الأدب العربي وموضوعات الشعر, وإن كانت معظمها ظلت باقية إلى حد المسميات مثل المدح والفخر والهجاء إلا أن المعاني كلها تغيرت وتحولت من وصف رئيس القبيلة أو مدح القبيلة أو الفخر عليها؛ إلى مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عن رسالته والثناء على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. هذا كان تحولا كبيرا من الجاهلية إلى الإسلام, من الظلمات إلى النور، من البعد من الله إلى قرب من الله, من حب الدنيا إلى حب الله, وهذا أصعب شيء في حياة الإنسان أنه يفضل الله وأوامره ونواهيه في حياته اليومية دون طمع في مصلحة أو فائدة شخصية.


نموذج من العصر الأموي:


قال الفرزدق يهجو إبليس ويعلن توبته(22):

ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني = لبين رتاجٍ قائماً ومقام(23)

ألم ترني والشعر أصبح بيننا = دروء من الإسلام ذات حوام(24)

أطعتك يا إبليس سبعين حجّةً = فلمّا انتهى شيبي وتمّ تمامي(25)

فزعت إلى ربّي وأيقنت أنّني = ملاقٍ لأيّام المنون حمامي(26)

وكم من قرون قد أطاعوك أصبحوا = أحاديث كانوا في ظلال غمام(27)

إن الشاعر في هذه الأبيات يخاطب إبليس الذي يعتبر رمزا للشر والفساد والخراب والدمار ومعصية الله تعالى والبعد من رحمته عز وجل، ويقول: إنني كنت بين الكعبة ومقام إبراهيم في بيت الله المسجد الحرام تذكرت الله وعذت به عز وجل أنني لا أعود إلى تلك الأعمال والأفكار التي تحرك سخط ربي تعالى. وهذا التغير والتحول لم يتم إلا ببركة الإسلام الذي أصبح حاجزا ومانعا بين الفكر المستقيم والفكر العليل، وكما أنني أطعت إبليس سبعين سنة حتى تم شيبي وقربت منيتي قمت بالرجوع إلى الله تعالى وتيقنت أن الموت لا مفر منه، واتخذت العبرة من الأمراء والأغنياء الذين كانوا أصحاب النفوذ والمناصب العليا وفي نشوة هذه النعم نسوا الله تعالى وأوامره و بالتالي سلب الله تعالى منهم هذه العنايات والعطايا وحرمهم منها وبقي الكلام عنه وزال ملكهم وسلطتهم وسيطرتهم.

عندما نعيد النظر إلى هذا النص من منطلق البيان وتعريف الأدب الإسلامي وإسلامية الأدب نرى أن هذا النص خير دليل على أن هذه الظاهرة مستمرة في الأزمنة والأمكنة المختلفة وخاصة في عصر بني أمية لأن الأدب الإسلامي ينور الطريق المستقيم وذلك لأنه مستمد من مصادر إسلامية، وكلما حدث الانتقال من حياة وفكر بعيد عن القيم الإسلامية إلى القرب منها والتحول من المفاهيم والمعاني السطحية للحياة إلى المعاني السامية الراقية الدقيقة رأينا وجود تجلية الأدب الإسلامي وإسلامية الأدب هناك.


نموذج من العصر العباسي:


يقول أبو العتاهية في بعض المعاني الإسلامية:


سُبحانَ عَلّامِ الغُيوبِ = عَجَباً لِتَصريفِ الخُطوبِ(28)

تَعرو فُروعَ الآمِنيـ = ـنَ وَتَجتَني ثَمَرَ القُلوبِ(29)

حَتّى مَتى يا نَفسُ تَغ = تَرّينَ بِالأَمَلِ الكَذوبِ(30)

يا نَفسُ توبي قَبلَ أَن  = لا تَستَطيعي أَن تَتوبي

وَاستَغفِري لِذُنوبِكِ الرَ = حمَنَ غَفّارَ الذُنوبِ

أَمّا الحَوادِثُ فَالرِيا = حُ بِهِنَّ دائِمَةُ الهُبوبِ

وَالمَوتُ خَلقٌ واحِدٌ = وَالخَلقُ مُختَلِفُ الضُروبِ

وَالسَعيُ في طَلَبِ التُقى = مِن خَيرِ مُكتَسَبِ الكَسوبِ

وَلَقَلَّ ما يَنجو الفَتى الـ = ـمَحمودُ مِن لَطخِ العُيوبِ(31)

إن هذا النص يخاطب قلب الإنسان وضميره بإبراز الطريقين أو المنهجين للحياة, منهج يتمثل في الإبهار والوقوع في معرض الخداع للنفس الإنساني والاعتماد على الآمال الكاذبة وعدم التركيز على فهم هدف الحياة الإنساني عند الله والبعد عن السعي في الحصول على قربه عز وجل ومنهج يركز على معرفة الله عزوجل والقرب إليه والامتثال بأوامره.

ويدعو هذا النص بالقوة البيانية الكاملة إلى التوبة إلى الله في جميع الأحوال كما أنه يذكرنا بشدة وقت الفراق النهائي من الدنيا وما فيها من الملذات والشهوات التي تركب على ذهن الإنسان وتسيطر عليه وبالتالي لا يهمه معصية الله و ينسى من خلقه من عدم و لا يتذكر أنه في يوم من الأيام يذوق طعم الموت و يلاقي ربه يحاسب في كل ما أعطي له من عقل ومال أولاد وأزواج وذهب وثروات.

فالشاعر يذكر الإنسان أنه مهما اشتهر بالاثم ومعصية الله إلا أن باب التوبة مفتوح إلى مفارقة الروح من الجسم، ولكن إذا خرجت هذه الروح من هذا الجسد الإنساني يقفل باب التوبة، لذلك إن الحياة في هذه الدنيا فرصة ذهبية ويجب عليه أن يتسرع في الوصول إلى القرب من الله كما أنه على الإنسان أن يتعقل ويتدبر ويختار طريق الحق وذلك في كل ما أعطي له من المواهب والمنن المادية والمعنوية على حد سواء.

وما لا شك فيه أن الأدب الرفيع الذي يخاطب القلوب هو الأدب الإسلامي الذي يحث على العمل الصالح، هو الأدب الإسلامي الذي يقوي العلاقة بين الخلق والخالق، هو الأدب الإسلامي الذي يحدث الإنقلاب في التفكير الإنساني ويحوله من نجس إلى طهارة، ومن تخريب إلى تعمير ومن الفساد والحروب إلى الأمن والسلام، هو الأدب الإسلامي. وهذا النص يحتمل هذه العناصر كلها، ويترك تأثيره القوي في القلوب والنفوس البشرية.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب