حوار مع الشاعر الإسلامي الأستاذ طاهر العَتَباني (1/9/1962 - 8/2/2018م، رحمه الله) (2/2)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Oct 10, 2021   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول 

 

 

 

* عَودة:

- قبل أن نقرأ مجموعاتكم، نودُّ أن تختصروا لنا أهمَّ المرتكزات الفنية التي اشتغلتم عليها في الإبداع الشعري، وفي تحديث القصيدة؟

هذه المرتكزات تتمثل فيما يأتي:

- تجربة متنامية ملتصقة بقضايا الأُمة وهمومها ووضعها الحضاري في الزمان والمكان.

- قراءة ومتابعة لكل جديد في عالم الشعر والأدب، تتشكل من خلالها عوالم من الرؤى الجمالية المتطورة، التي تأخذ بعين الاعتبار أن الشعرَ لغةٌ وتشكيل باللغة، ووعي بالجذور التراثية والقومية والحضارية لأمة الإسلام، وانفتاح على عوالم الآخرين للتحاور معها، وربما الصراع والسجال الذي يعمِّق الرؤية والتجربة.

- إحساسٌ عميق بروح العصر ومستجداته وتياراته وقواهُ الحية، أخذاً ورفضاً وتحاوراً.

- ضرورة ترجمة كلِّ ذلك في فعل الكتابة، ومحاولة اختراق وعي المتلقي من خلال زخمٍ شعري وفني يتعانق مع المتلقي بحميمية وشوق.

 

- يشكِّل "الجواد" أحد الرموز المهمة في مجموعاتكم، وكثيراً ما يصاحبه رمز "الهجرة"، وقد يلتحمان ليشكِّلا الرمز الكبير المؤسطَر "الجواد المهاجر" الذي يَفيض بالإلهام والاستمرارية. فما خصوصية هذا الرمز لديكم؟ وما أهمية وجود رموز كبرى وصغرى في المجموعات؟

- رمز "الجواد" عندي مرتبطٌ بالفتوح الإسلامية التي غيرت وجهَ التاريخ في القرون الأولى، وظلَّ الحصان/الجواد عندَ العربي المسلم رمزاً لمعاني العزة والنخوة والفتح، وكانوا يميزون الخيلَ العِراب عن غيرها مكانةً واستلهاماً، وكان الشعر العربي كثيراً ما يتحدث عن الجواد، والبيت الشهير:

(أعزُّ مكانٍ في الدُّنَى سَرجُ سابحٍ/ وخيرُ جَليسٍ في الزمانِ كتابُ)

ربطَ بين فعل الكتابة وفعل الفروسية.

كلُّ هذا حدا بي -ومن خلال متابعة أشكال التقنية والترميز- أن ينبثق في نفسي هذا الرمز، وأن يمدَّني بكثير من أشكال الإيحاء والترميز، وأن أستلهم من خلال ارتباطاته الرمزية عدداً من القصائد، وأُفرغ من خلاله تجربتي الفنية.

وفي إطار هذا الرمز الكبير ظهرت الرموزُ الأخرى، فكان الجواد/الشعر، وكانت القصيدة التجليَ الحقيقيَّ لفعل الفروسية، باعتبارها استنقاذاً لوعي الأمة بقضاياها وهجرةً بها من حالة التراجع والضمور إلى حالة التقدم والانبثاق.

 

- إذاً.. مقابل الرموز المستهلكة في الشعر الحديث لدينا رمزٌ شعري إسلامي حَيٌّ، عامٌّ وشخصيٌّ؟

- نعم، ويستطيع كل شاعر ينتمي لمدرسة الشعر الإسلامي أن تكون لديه رموزه الخاصة إن أراد، وتراثنا وعطاؤنا الحضاري قادرٌ على الإمداد بكثير من الرموز.

 

- (الرؤيا، وحدي أنزف وَرداً وأناشيد، ومن يلملم الضباب عن جبينك الحزين، دمي سُلَّم للعروج، من قراءات الجواد)... هل تسعى إلى نشر ثقافة "العنوان الشعري" من خلال عناوين النصوص؟ وهل يعتبر العنوان جزءًا من النص أو من براعة الاستهلال؟

- العنوان حلقةُ الاتصال الأوَّلي، وعلامةٌ أساسية في فهم النص. وقد كتب بعض نقاد الأدب دراسة بعنوان: (العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي) ليؤكد هذا المعنى.

 

- تعددت "المطوَّلات" في شعركم التفعيلي، مع المحافظة على الجودة الفنية فيها، ويتساءل بعض المهتمين عن أسباب كتابة الشعراء للمطولات؟

- عندما أكتب القصيدة في بدايتها لا أدري إلى أين ستأخذني، ولكن عليَّ أن أحكم لجامها حتى يظل عَدْوُها في إطار التجربة، وهي تنتهي عندما أتهيأ أنا وهي للتوقف، فمرة تطول، ومرة لا تطول، والسبب في نظري لطول القصيدة أو عدمه هو طبيعة التجربة، ماذا تريد أن تقول؟

 

- يعبر شعراء هذا الاتجاه عن مهمة الشعر الصعبة، فيقول الأستاذ محمود مفلح: "ويعَلمُ ربِّي أنَّ للشعرِ وطأةً.."، وتقول: "يعذِّبني الشعرُ لا أتقيهْ.. يعذبني الشعرُ لا أنثني عن رؤاهُ ولا أشتهيهْ.. وأُبحر فيهْ.. وأركض فوقَ فيافيهِ معتلياً صهوةً للعذاباتِ والدربُ تِيهْ".. فأين تكمن الصعوبة الإبداعية في القصيدة الإسلامية؟!

- تكمن الصعوبة في القصيدة الإسلامية في أمرين:

الأول: ألَّا تأخذك المضامينُ الفكرية التي تعالجُها القصيدة بعيداً عن شعرية العمل الشعري بالإيغال في تلك المضامين.

الثاني: ألَّا تأخذك حالةُ الشعرية التي تعيشها في أثناء الكتابة بعيداً عن الرؤية الإسلامية التي أنت ملتزمٌ بها.

         

- تميزت نصوصكم بهدوء الصوت، وانخفاض الحدَّة الخطابية، مع التعبير الجميل عمَّا ترون، بينما اختار البعض الأسلوبَ الصريح. سؤالي هو: ما مدى قبول الآخر المغاير في الفكر لكِلا النصين؟

- الأدب لا يكون أدباً إلا بتحقيق الشرط الفني، ولا يكون أدباً مسموعاً ومطلوباً من الآخر إلَّا إذا حقق الجودةَ الفنية التي هي مِيسَم الإبداع.

 jsd

- يقول عنكم الدكتور محمد علي الرباوي: "إنه من جيل السبعينات رغم حضور حساسية جيل الثمانينات".. كيف يقرأ شاعر الثمانينيَّات نفسَه وإبداعه في مطلع الألفية الثالثة؟ وماذا ينوي أن يقدم لها؟

- أشعر أن عليَّ الكثير الذي يجب إنجازه. أما مسألة الأجيال فلي فيها وجهة نظر تتمثل في أنَّ تقسيم الشعراء والأدباء إلى أجيالٍ كلَّ عشر سنوات مسألةٌ فيها كثير من التجوز والاختصار، رغم أن النقد يحاول تأسيس ذلك على مجموعة من الملامح الفنية الشكلية، لكنَّ المؤسف حقًّا محاولة النقد الإعلامي خصوصاً ترويج أسماءٍ بعينها داخلَ هذا التقسيم تفرض سطوتها على الواقع الأدبي، في حين أن النقد الأكاديمي يتناول الظواهر المكتملة. أنا لستُ ضدَّ التناول النقدي الإعلامي، ولكن بشرط عدم التحيز لأسماء بعينها يمثلون كل عقدٍ أدبي أو شعري.

 

- في رأيكم، ما أهم التحديات التي تواجه الأديب الملتزم في هذه المرحلة؟

- هذه التحديات تتمثل في الآتي:

أولاً: استيعاب المنجز الثقافي والأدبي لكلِّ المدارس الأدبية الأخرى والانتقاء منه، ودمجه في العطاء الأدبي الإسلامي، مع وعيٍ كامل بخصوصية الذات إزاء هذا الإنجاز الآخر والقدرة على منافسته فنيًّا.

ثانياً: تطوير أداء الأدب الإسلامي في كل مجالات الإبداع والنقد، والإضافة إلى جيل الرواد من أبناء الأدب الإسلامي وعدم المراوحة مكانهم، وذلك لا يكون إلا بالجرأة الفنية كتلك التي فعلها نجيب الكيلاني في روايته (عمر يظهر في القدس).

ثالثاً: تحرير جزءٍ من الخطاب الإسلامي العامِّ لكي يكون أدبيًّا، فتظهر الفكرة الإسلامية في أدبٍ راقٍ وحكمة بالغة.

 

- وهل تتحمل الجامعات والمؤسسات الثقافية والتجمعات الأدبية جزءًا من الواجب تجاه هذا الأديب؟

- بالطبع..؛ إذ لا بد أن يتحرك الأديب الملتزم في وسطٍ مساعِد ومُعِين.

 

- كثرت المنتديات والمواقع الأدبية على شبكة الإنترنت، وانتشرت صفحات الشعراء في المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، وتميز بعضها وأصبح مهمًّا لدى شريحة واسعة من المتصفحين، وقد وجَد الكثير من الأدباء والكتَّاب فيها ما يُشبعون به تطلعهم إلى الانتشار، أو النشر على الأقل. ولكن من النادر أن نجد من يخصص موقعاً لخدمة الأدب الإسلامي ومنهجه وأجناسه، فهل تسلطون الضوءَ على ذلك؟

- هذا الوضع له علاقة بما ذكرناه من قبل، من أنَّ أضواء الحداثة تسرق الغالبية، وما لم يُتدارك الأمر من طائفةٍ من المهمومين بقضايا الصحوة الإسلامية؛ فستُهدَر كثيرٌ من الطاقات والإمكانيات. ومن هذا المنبر أُنادي رابطة الأدب الإسلامي العالمية أنْ تضطلع بدورٍ يدعم دورَ (الألوكة) في ذلك، وأدعو الأدباءَ الملتزمين أن يُظهروا أصواتهم وإنتاجهم من خلال المنتديات والتجمعات المتاحة ويعملوا على إنشاء منتدى يبرز صوت الأديب الملتزم.

 

- هل تتفقون معي على أن كتابة الشعر المتميز بأسماءٍ مستعارة في شبكة الإنترنت تغيِّب الكثير من المواهب والأسماء المبدعة التي كان عليها أن تظهر لدعم المعرفة والإبداع حقيقةً لا افتراضاً؟

- أظن أن الأديب الذي يعرف قيمة ما يُنتج من أدب لا يخشى أن يبرز اسمه الحقيقي.

 treek

- كيف يقرأ الأستاذ طاهر العَتَباني الشعر؟ وهل يحكم على بعض النصوص من مَطالعها ثم يتركها بلا إكمال؟

- قراءتي للشعر تبدأ بالتعرف على نصٍّ جيد لشاعر لم أقرأ له من قبل، فربما قرأت شعره كله، وربما قرأته مراتٍ، وربما عدت كلَّ فترة لقراءة أعمالٍ له وقصائد بعينها.

وهناك نصوص لا تسمح لك بإكمال قراءتها.. قد أقرأ عملاً إلى منتصفه ولا أكمله، ديواناً كان أو مسرحية أو قصيدة، أما الآن فأقرأ بقصد الاستقصاء.

 

- هل من وصايا تضيئون بها طريق الشباب المبدع الذي يسعى جادًّا لإثبات وجوده وتحقيق تميُّزه؟

- أولاً: يجب أن تؤمنوا أنَّ المنهج الإسلامي قادرٌ على أن يحكم حركة الحياة بكل تجلياتها، ومنها الأدب، بشرط أن تتحمسوا له وتدرسوه، وتدرسوا تاريخه وثقافته وكل ما يتصل به.

ثانياً: زودوا أنفسكم لكي تقدموا النموذج الأمثلَ للأدب الإسلامي بكلِّ وعيٍ تقدرون عليه، وبخاصة الوعي الفني بكل ما حولكم.

ثالثاً: عيشوا قضايا الأُمة، وتعرفوا على مكانها الحالي في خريطة العطاء الحضاري المعاصر، وتأكدوا أنها محتاجة لكم لكي تواصل السير ويكون لها مكان بين الأمم.

رابعاً: حاولوا دائماً تجاوزَ السابقين بعد استيعابهم، واستشرفوا مناطق بِكراً لتكتبوا لأمةٍ تحتاج منكم الكثيرَ وتنتظر منكم الكثير.

 

 بعد شكري لكم على إتاحة المجال للالتقاء بكم، ماذا تستشرفون في أفق الأدب الإسلامي الرحب.. الآتي؟

مما أستشرفه، رغم صعوبة واقع الأدب الإسلامي:

- اتساع قاعدة الأدب الإسلامي كُتَّاباً وقرَّاءً، فالعصر القادم هو عصر الإسلام الذي معه سيرتفع شأن الأدب الإسلامي.

- اتساع الأدب الإسلامي، للاستفادة التي تكلمتُ عنها من كل المعطيات الفنية عند المدارس الأدبية الوافدة، وصهر كل ذلك في بوتقته.

... وأشكر للألوكة دورها المشكور في خدمة قضية الأدب الإسلامي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • ·       (حرر هذا اللقاء بتاريخ 11/4/1432هـ، يوافقه 16/3/2011م).


 

  • ·       سيرة مختصرة:

الأستاذ طاهر بن محمد بن محمد العَتَباني:

أديبٌ إسلامي وَشاعر، من مصر، ولد في 1/9/1962م.

المؤهل العلمي: بكالوريوس علوم وتربية – قسم الرياضيات.

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

يقيم حاليًّا في مصر، ويعمل مدرساً للرياضيات. (توفي يوم الخميس 22/5/1439هـ، الموافق 8/2/2018م، عن عمر ناهز 56 عاماً، رحمه الله تعالى)(رابطة الإدب الإسلامي).

* الكتب المطبوعة:

1- الجواد المهاجر (شعر)، مصر: دار الوفاء.

2- الطريق إلى روما (شعر)، المغرب: مجلة المشكاة.

3- جسد الرؤيا... والروح (شعر)، مصر: دار الوفاء.

4- أقباس (شعر)، المملكة العربية السعودية: دار العبيكان، (رابطة الأدب الإسلامي العالمية).

5- معالم على طريق الأدب الإسلامي (نقد أدبي)، الأردن: مكتبة مجدلاوي.

  

* * * *

* مُعد الحوار: 

صهيب محمد خير يوسف: شاعر سوري. مهتم بتنمية الإبداع الأدبي، وحاصل على جوائز أدبية عربية في مجال الشعر وشعر الأطفال.

للتواصل معه: suhaibmy@hotmail.com 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب