تقرير ندوة بعنوان : الأدب في ظل الجوائح - فيديو الندوة
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Sep 09, 2021   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
مكتب ماليزيا

 

 

فيديو الندوة

 

 

تقرير نشاط الرابطة - شهر سبتمبر  2021م

الندوة الأدبية الدولية الأولى

إعداد اللجنة الإعلامية

رابطة الأدب الإسلامي العالمية الماليزية – مكتب ماليزيا

________________________________________________________

 

نظمت رابطة الأدب الإسلامي العالمية الماليزية  ندوة دولية بعنوان "الأدب في ظل الجوائح"، وذلك عبر الرابط الافتراضي (جوجل ميت)، يوم الجمعة الموافق 10 سبتمبر  2021م، الساعة التاسعة مساء بتوقيت ماليزيا، استضافت فيها ثلاثة من الضالعين في الأدب العربي والإسلامي، وهم الأستاذ الدكتور مجاهد مصطفى بهجت، والأستاذ الدكتور حسن الأمراني، والأستاذ الدكتور مصطفى السواحلي.

وقد أدار االندوة الأستاذ المشارك الدكتور السيد سالم  عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية الماليزية، وتشرفت الندوة بحضور عدد كبير من الأساتذة الكرام من مختلف الجامعات الماليزية والعربية، وعدد من الطلبة محبي الأدب، وكذلك من محبي الرابطة بماليزيا.

استُهلت الندوة بالترحيب بضيوف الندوة وبالحضور من رئيس الندوة، وفي هذا الترحيب بين خطورة جائحة كرونا التي عمّت وطمّت العالم بأثرها، وحصدت كثيرا من الأرواح، وتسببت في خسائر مادية فادحة على المستويين الفردي والجماعي، وخسائر اقتصادية كبيرة، جراء الاحترازات والتدابير الوقائية التي اتخذتها الدول.

بعد هذا الترحيب قام  رئيس الندوة بتقديم موجز للمتحدث الأول الأستاذ الدكتور مجاهد مصطفى بهجت، تناول فيه سيرته ومسيرته العلمية والعملية من كتب ومقالات وتحرير مخطوطات أدبية، وأشار في عجالة أنه من مواليد كركوك عام 1947م، وأتم دراسته الجامعية في جامعة بغداد عام 1968م، وحصل على الماجستير من جامعة الأزهر عام 1972م في الأدب والنقد، وكذلك حصل على الدكتوراه من نفس الجامعة عام 1976م في الأدب والنقد مع مرتبة الشرف الأولى. وعمل أستاذا للأدب في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، منها جامعة أم القرى بمكة المكرمة من عام 1976 إلى عام 1980م، وجامعة بغداد من عام 1980حتى عام 1992م، والجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا من عام 1994م حتى عام 2000م، وفي جامعة الملايا الماليزية من 2006 حتى 2013م، ثم في جامعة ماليزيا الإسلامية من عام 2014 حتى 2019م.

بعد هذا التقديم أعطيت الكلمة للأستاذ الدكتور مجاهد، فتناول فيها محورين:

  • المحور الأول "الأدب في ظل الجوائح" مشيرا إلى أن الجوائح والنكبات أصابت عصورنا الإسلامية المختلفة، ومن تلك الجوائح طاعون عمواس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتوالت النكبات عبر التاريخ حتى وقتنا الحالي. وصاحب ذلك أدب غزير، شعرا ونثرا، منه مراثي أبي ذؤيب الهزلي، والعتبي، ومن المتأخرين في القرن الثامن ابن الوردي وابن نباتة وبعض الشعراء البارزين في ذلك العصر. وأشار إلى أنه من أوائل ما سطره المؤرحون وكتبه الأدباء عن وباء الطاعون ما نسب لابن أبي الدنيا في القرن الثالث (ت:281هـ). ومما ألفه ابن حجلة التلمساني (ت:776هـ) كتاب دفع النقمة في الصلاة على نبي الرحمة، وهو مخطوط غير مطبوع، وقد جمع هذا الكتاب بين أمرين، الأمر الأول: الصلاة على نبي الرحمة، والأمر الثاني أنواع الطاعون. والعلاقة بين الأمرين أن الصلاة على النبي تدفع الطاعون. وأشار في كتابه إلى الطاعون الذي فشا في مصر سنة 764هـ، وهذا كان قبل وفاته بنحو 16 عاما. وذكر في كتابه أنه اجتمع بشمس الدين الخطيب في بيروت وأخبره بأن كثرة الصلاة على النبي تدفع الطاعون، وأن بعض أصحابه أخبروه بأن الصلاة تدفع كل بلاء وليس الطاعون فقط. ثم دار بينه وبين الفقهاء نقاش حول هذا الموضوع وطالبوه بالدليل، فأجابهم بأنه لا يوجد نص صريح، ولكنه استنبط خمسة أدلة قدمها لهم وهي، الأول: حديث أبي بن كعب الذي قال فيه :" كم أجعل لك من صلاتي يا رسول الله؟ إني أجعل لك صلاتي كلها. فقال صلى الله عليه وسلم: إذاً يُكفى همك ويُغفر ذنبك". الدليل الثاني: ما ورد في الدر المنظم في الصلاة على النبي الأعظم،  أن رجلا سرق جملا، وحين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده، صاح الجمل: لا تقطعوا. فقالوا له بمَ نجوت؟ فقال: بالصلاة على محمد مئة مرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نجوت من عذاب الدنيا والآخرة. الدليل الثالث: أن الطاعون في الأصل زجر وعذاب، والصلاة على النبي رحمة، فهما لا يجتمعان. الدليل الرابع: ما روي عن أنس أنه قال: أنجاكم من أهوالها أكثركم علي صلاة. فدفعها للطاعون أهون من النار. الدليل الخامس: عدم دخول الطاعون والدجال المدينة المنورة وذاك لبركة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد اشتمل الكتاب على سبعة أبواب، كلها تتعلق بالطاعون كالتالي:

الباب الأول: فيما أعده الله للمطعون من السعادة والموت على الشهادة،

الباب الثاني: فيمن تمنى الطاعون من الصحابة ومن رأى الفرار منه.

الباب الثالث: في النهي عن القدوم إلى الطاعون والنهي عن الفرار منه.

الباب الرابع: وصف الطاعون والوباء وأن سببهما يكمن في فساد الهواء.

الباب الخامس: سبب حدوثه من المعاصي؛ الزنا والمسكرات والمنكرات.

الباب السادس: ما يعالج به الطاعون شرعا وطبا.

الباب السابع: تاريخ الطاعون في الإسلام، وما هو أشد منه في غزو التتار.

وذكر الأستاذ الدكتور مجاهد أن الخاتمة تضمنت مقطوعتين أدبيتين، إحداهما بعنوان: العين الساهرة فيمن حل بالساهرة للمؤلف أبو حجلة التلمساني، والثانية بعنوان: النبا في الوبا لابن الوردي.

وأشار إلى أن قيمة المخطوط تكمن في تشخيصه الطاعون من الجانبين العلمي والشرعي.

وذكر نشاطين آخرين:

-       أولهما يتعلق بالمؤتمرات التي تناولت الوباء في الأدب العربي، والتي كان آخرها مؤتمر تركيا الذي نظمته جامعة كلّس في عام 2020م، ومن أبرز البحوث التي تضمنها المؤتمر؛ التراث القديم في المشرق والمغرب، وعددها عشرون بحثا بعضها عام، وبعضها خاص بالمشرق، وبعضها خاص بالمغرب والأندلس، وهناك أبحاث جمعت بين القديم والحديث، منها ما يتعلق بالأوبئة في مصر، مثل دائرة الليل للمتنبي، والكوليرا لنازك الملائكة.

-       وثانيهما: يتمثل في كتاب "جُنة الوجيع" الذي أصدرته الرابطة المحمدية للعلماء بالغرب، وهو كتاب في جزأين بلغت صفحاته نحو ألف صفحة عن أنواع الأوبئة والأمراض، وتم فيه عرض المصنفات العربية والمعرّبة في الأوبئة والعدوى والحجر الصحي، وهو مرتب ترتيبا زمنيا حسب تاريخ وفاة مؤلفيها، ومعجميا لمن لم يعرف تاريخ وفاته.

ومن الكتب الأخرى التي ذكرها الأستاذ الدكتور مجاهد؛ كتاب الطاعون في العصر الأموي للدكتور أحمد العدوي وتضمن ثلاثة فصول: الطاعون في العصور الوسطى، وثورات الطواعين في العصر الأموي، ثم الآثار الديموغرافية وآثارها على المجتمع. وكذلك كتاب بعنوان: مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء لمحمد بن أحمد التميمي في القرن الرابع الهجري، تحقيق يحيى شعّار، وتم نشره عام 1999م.

  • المحور الثاني: تناول فيه الشاعر محمد بن عبيد الله العتبي، وهو كما وصفه أديب وشاعر من فحول الشعراء في العصر العباسي، وقد جمع بين الشعر والعلم والأدب، وقد كتب عن وباء الطاعون وأثره في القرن الثالث، وقد غلب على أعماله الشعرية طابع الأخلاق والرثاء والقيم. وأكثر شعره في رثاء أبنائه الستة الذين اخترمتهم المنية.

 

بعد أن أكمل الأستاذ الدكتور مجاهد حديثه، أعطيت الكلمة للمحدث الثاني الأستاذ الدكتور حسن الأمراني، وقبل أن يبدأ، قدم له رئيس الجلسة بتعريف موجز تناول فيه نبذة عن حياته العلمية والعملية، وأشار إلى أنه من مواليد مدينة وجدة بالمغرب عام 1949م، وأنه حصل على الدكتوراه من كلية الآداب بالرباط، بعنوان" المتنبي في دراسات المستشرقين الفرنسيين" عام 1988م، وعمل أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة في الفترة من عام 1979-2005م. كما عمل أستاذا بكلية الآداب بجامعة الشارقة من 2008–2014م. وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية في كثير دول العالم العربي وغير العربي. وله عدد كبيير من البحوث والكتب في الأدب. وأقيمت حول شعره بحوث جامعية كثيرة في البلاد العربية وأوربا، كان آخرها بحث أعدته الباحثة هدى البنا بجامعة الأزهر عام 2017م.

المتحدث الثاني:  

بعد هذا التقديم الموجز، بدأ الأستاذ الدكتور حسن الأمراني  بإلقاء كلمته التي عنون لها "الأدب في ظل النوازل"، واستهلها بقوله: إن الجوائح عبر التاريخ أنتجت أدبا مؤثرا ومتأثرا بها، كقصيدة أبي ذؤيب الهزلي في رثاء أبنائه الذين قضوا في طاعون مصر في صدر الإسلام، والتي مطلعها:

أَمِنَ الـمَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ          وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ من يَجزَعُ

         قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً       مُنذُ ابتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ

أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً          إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ

فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ             أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا

أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غصَّةً           بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ

إلى أن قال:

فَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِداقَها           سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ

وفي معرض حديثة عن الطاعون في العصر الحديث، ذكر نموذجين عربيين وآخر أجنبيا. 

ففي النموذجين العربيين اختار عصر النهضة، وذكر قصيدة علي الجارم بعنوان (رشيد) عام 1941م التي أشاد فيها بجمال مدينة رشيد، وتألم لانتشار داء الفيل، وحث أهلها على استئصاله، كما يظهر في مطلع القصيدة :

جدِّدي يا رشيدُ للحبِّ عَهْدًا                حَسْبُنا حسبُنا مِطالًا وصدَّا

جدِّدي يا مدينةَ السحرِ أحلامًا،            وعيْشًا طَلْقَ الأسارير رَغْدا

جدِّدي لمحةً مضتْ من شبابٍ             مثل زهر الربا يرِفُّ ويندَى

إلى أن قال:

 أصَحِيحٌ أن الخطوبَ أصابتـ                     ـكِ، وأنَّ الأمراضَ هَدَّتْكِ هدَّا؟

وغدا «الفيلُ» فيكِ داءً وبيلًا               نافثًا سُمَّه مُغيرًا مُجِدَّا.

والنموذج الثاني من قصيدة نازك الملائكة بعنوان "الكوليرا" من ديوانها "شظايا ورماد"، وهي من القصائد الحرة، ومطلعها: "سَرَى الليل  أصغ إلى وقع صدى الأنّات..."، صورت فيها مشاعرها وأحاسيسها نحو مصر حين داهمها وباء الكوليرا، وحاولت التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء. وتهيمن على القصيدة كلمة الموت، حيث تكرر ذكر الموت والأموات 27 مرة في القصيدة، دون ذكر لوازم الموت ،كالفقر والظلمة، والأشلاء، والصرخات والنوح، وما إلى ذلك، وتعتمد على التكرار، كتكرارها كلمة موتى والموت: موتى موتى ضاع العدد، موتى موتى لم يبق غد. ... هذا ما فعلت كفّ الموت، الموت الموت الموت.

ويشير الأستاذ الدكتور الأمراني إلى أن الذي يقرأ القصيدة يشعر وكأنها تتحدث عن الوباء في عصرنا الحالي، حيث تقول: الجامع مات مؤذنه، الميت من سيؤبنه.

أما النوذج الأجنبي؛ فقد ركز على رواية الطاعون للروائي الفرنسي "البير كامو"، لا بسبب شهرتها فحسب، ولكن لتقديم قراءة جديدة لها، حيث إن الذين تناولوها ركزوا على ما اشتملت عليه من القيم والوجودية والإنسانية مثل التضامن والتكافل بين الناس زمن الشدائد؛ إلا أن هناك جانبا لم يُعنَ به الدارسون وهو رؤية الكاتب للعرب والمسلمين ما دامت الرواية تجري أحداثها في مدينة عربية مسلمة وهي (وهران)، التي أظهرها في الرواية على أنها مقاطعة فرنسية على الشاطئ الجزائري، ويصفها بالقبح، وأن السكان يقلقهم ظهور الجرزان في المدينة. واللافت للنظر هنا هي النظرة الاستعمارية المتعالية التي يرسخها صاحب الرواية (البير كامو) أن وهران مقاطعة فرنسية وهو ما رسخه كثير من المستشرقين في كتاباتهم. وكان الفرنسيون يرددون أن الجزائر فرنسية، وستبقى كذلك إلى الأبد، وظلت هذه الفكرة سائدة لنحو قرن من الزمان، حتى تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931م بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله. الذي قال في شعره:

              شعب الجزائر مسلم = وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله = أو قال مات فقد كذب

              أو رام إدماجًا له = رامَ المحال من الطلب.

ومن وصف الروائي الفرنسي لوهران قوله: إن وهران مدينة تحتل فيها تجارة الخمر والكحول المقام الأول، وأن الناس كانوا يشربون كثيرا، وأن هناك إعلانات تروج للخمر، عليها عبارات: "إن الخمر الجيدة تقتل المكروب".

ويتساءل الأستاذ الدكتور الأمراني: لو سلمنا بهذا الحكم على مدينة وهران بأنها قبيحة؛ فعلى من تقع المسؤولية؟ على سكانها العرب أم على الاستعمار الفرنسي الذي كان قد قضى –وقت كتابة هذه الرواية- أكثر من قرن من الزمن على احتلال الجزائر؟ لماذا تركها قبيحة؟ لماذا لم يُعن بشوارعها ومبانيها وحدائقها؟ أليس هو من أعدّ ساحة السلاح، أشهر ساحات وهران إلى الآن، فلماذا لم يعتنوا بها؟ وعندما يتحدث في روايته يستخدم صيغة "مواطنينا" ويعني بها الفرنسيين. أما العرب -الذين يصفهم في الرواية بأنهم من ذوي الشعر الأسود- فيظهرون في الرواية عرضا وبصورة مقززة وهيئات متسخة، حتى الأطفال الذين يعتنون بشعرهم يظهرون في الرواية بوجوه قبيحة. ويستخدم عبارة (البلديون) أي العرب، ويقول عنهم: إنه يسهل قتلهم دون أن يحتج أحد، وإن كان هناك احتجاج فهو ضد اعتقال قاتل العرب. ثم يصف الأستاذ الدكتور الأمراني هذا الروائي بأنه ليس فليسوفا ملحدا فقط، بل إنه ضد التدين على الإطلاق، هكذا عرف عنه، ومع ذلك يظهر نفسه بأنه متحمس للمسيحية والمسيحية الأفريقية. ولكن عندما يتحدث عن الإسلام يقول : إن الناس إذا سمعوا المؤذن، يتجهون في اتجاهات أخرى وليس إلى المسجد.

واختتم كلامه بأن القيمية الأدبية لهذه الأعمال لا تنكر، إلا أنه ينبغي أن ننظر إليها بعيوننا نحن –المسلمين- لا بعيون الغرب.

المتحدث الثالث:

الأستاذ الدكتور مصطفى محمد رزق السواحلي "أدب الجوائح في التراث العربي: مقامة ابن الوردي نموذجا"،

الأستاذ السواحلي من مواليد طنطا بمصر عام 1970م، بدأ تعليمه وأكمله في الأزهر، وكان يحتل المراكز الأولى في التعليم الإعدادي والثانوي، والحصول على مرتبة الشرف الأولى في تعليمه الجامعي؛ البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها عام 1992م، ثم الماجستير في الأدب والنقد عام 1998م، والدكتوراه في الأدب والنقد أيضا عام 2002م. حصل على الأستاذية في الأدب والنقد عام 2014م، واختير خبيرا للمراجعة والتحرير المعجمي بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية منذ فبراير 2016م حتى الآن. ويعمل حاليا في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية في سلطنة بروناي. وله مؤلفات عديدة في الأدب العربي، منها على سبيل المثال: اللؤلؤة والغواص: قراءة في الأدب الوسيط (2004م)، ومدح الشيء وذمه: الرؤية والإبداع (2006م)، والمناظرات الخيالية في النثر العربي (2007م)، والمرأة في أدب الرافعي (2018م)، والمتنبي في الأندلس (2019م)، وغيرها من المؤلفات والمقالات والمقامات.

استهل الأستاذ السواحلي حديثة عن جائحة كورنا في الوقت الحالي ، وأن أي باحث يريد أن يتتبع الإنجاز الأدبي لهذه الجائحة يستطيع أن يجمّع فيها عشرات المجلدات، ما بين مقالات وأشعار ومقامات وصور ساخرة وروايات وما إلى ذلك. وذكر أنه كتب ثلاث مقامات من وحي الكرونا -على حد تعبيره- الأولى: المقامة الكرونية، والثانية: المقامة الكوآرية؛ نسبة إلى رمز (QR)  الذي يستخدمه الجميع في الدخول إلى المحال التجارية وغيرها، والثالثة: المقامة التراويحية، حول صلاة التراويح في ظل جائحة كرونا. وأكد على أن موضوع حائجة كرونا جدير بأن تقام حوله ندوات ومؤتمرات؛ لأن آثاره فادحة على المستويات الطبية، والاجتماعية ، والسياسية، والاقتصادية.

بعد هذه المقدمة أشار إلى أنه سيركز على الأدب والواقع، معتبرا أن العروة بين الأدب والواقع عروة وثقى لا انفصام لها، فكل ما قيل من قصائد في الغزل والمدح والهجاء والرثاء والوصف ما هي إلا صور للتفاعل مع الواقع، وتساءل: كيف يسوغ للأديب أن يتفاعل مع حدث جزئي ولا يتفاعل مع جائحة تقتل الملايين؟ وربط هذا بالمقولة (الشعر ديوان العرب) التي تواترت بعبارات مختلفة، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "كان الشعر علم قوم ليس لهم علم أصح منه"، وأيضا قول ابن عباس رضي الله عنه: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه"، وكذلك ما قاله ابن قتيبة: "الشعر معدن علم العرب، وسفر حكمتها، وديوان أخبارها، والشاهد العدل بالنوازل، والحجة القاطعة عند الخصام"، فهو ديوان يرسم الحياة بكل أبعادها: لغة وتاريخا وعادات وتقاليد.

وذكر أن مفهوم الطاعون (الجائحة) عند القدماء هو كل مرض واسع الانتشار بسبب الموت الجماعي، وقد عرفه أبو الوليد الباجي بأنه: مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات بخلاف المعتاد من أمراض الناس. كما تم تعريفه أيضا بأنه: المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد بفساده الأمزجة والأبدان. وفي التراث العربي سجل التاريخ أعدادا كبيرة من الجوائح، منها طاعون عمواس سنة 18 هجرية، والذي مات بسببه الآلاف من الصحابة، تجاوز عددهم الثلاثين ألفا كما ذكر في بعض الروايات.

أما الكتب الخاصة بالطاعون فلم تظهر إلا في القرن الثالث الهجري، منها على سبيل المثال، رسالة الكندي (سنة 260) في الأبخرة المصلحة للجو من الوباء. وفي بحث بعنوان " كتيبة الطاعون" للدكتور محمد عطا في كلية الآداب، بجامعة الإسكندرية، أحصى فيه أكثر من 150 رسالة حول الأوبئة، وكانت أكبر نسبة تصنيف في العصر المملوكي لكثرة الجوائح فيه، فقد أحصى في القرن العاشر (27) كتابا، وفي القرن الثامن (17) كتابا، وفي القرن التاسع (12) كتابا، هذا يدل على أن ذورة التأليف في هذا المجال كانت في العصر المملوكي.

وقد اختار الأستاذ السواحلي نموذجا مما كتب في العصر المملوكي، وحصريا رسالة ابن الوردي:"النبا في الوبا" (649هـ)، وعلل لاختياره ابن الوردي بأنه كان عالما وفقيها وشاعرا إسلاميا، ومن تلامذته شيخ الإسلام ابن تيمية، ولأنه كان شاهد عيان للطاعون الذي عمّ العالم كله سنة 749 هجرية، الموافق 1349م، الوباء الذي أطلقت عليه عدة مسميات في الأدب العربي، منها الوباء العام، الوباء الكبير، الطاعون الأعظم، سنة الفناء، ويمكن أن يكون الطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر (1347- 1352م)، والذي أدى إلى هلاك ثلث سكان قارة أوروبا، فكان طاعونا كاسحا ماسحا.

 وبعد أن أتم ابن الوردي تأليف رسالته "النبا في الوبا" التي وصف فيها الطاعون، الذي مات بسببه بعد إتمامها بثلاثة أسابيع. وهي رسالة بديعة، وضعها ابن حجر العسقلاني في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) ووصفها بقوله: "وهو أجود ما قيل في ذلك وأوسعه عبارة وألطفه إشارة".  وقد تناولها في صورة محاور:

الأول: الدعاء، فإن ابن الوردي صدر رسالته بالدعاء فيقول في مطلعه: " الله لي عدة، في كل شدة، حسبي الله وحده، أليس بكافٍ بعبده، اللهم صل على سيدنا محمد وسلم، ونجنا بجاهه من طغيان الطاعون وسلم".

الثاني: رقعة انتشار الطاعون، حيث رصد فيها انتشار الطاعون حول العالم، وسجل البقاع التي حل بها معتمدا على التجنيس بين الفعل والبقعة التي حل بها.

الثالث: شاهد عيان من بلاد الشام، فقد وصف مارآه عيانا في بلاد الشام، وذكر مناطق غير مشهورة مثل المزة والزبداني والفوعة وغيرها من المناطق الأخرى.

الرابع: وصف أهوال الطاعون، فقد وصف أهوال الطاعون وكيفية تعامل الناس معه، حيث يقول: "كم دخل إلى مكان، فحلف ألا يخرج  إلا بالسكان، ففتش عليهم بسراج وهذا الذي جلب لأهل حلب الإنزعاج".

الخامس: رسالة دعوية: قدم الكاتب رسالة دعوية بين فيها فضائل الطاعون لأهل الإسلام، فالمسلم ينال بصبره درجة الصابرين، وينال بموته مقاعد الشهداء المقربين.

السادس: دعاء الختام: أنهى ابن الوردي رسالته بالدعاء برفع الكرب وتفريج الخطب، حيث يقول في ختامها: "اللهم إنا ندعوك بأفضل ما دعاك به الداعون، أن ترفع عنا الوباء والطاعون، لا نلتجأ في رفعه إلا إليك...".

واختتم الأستاذ السواحلي حديثه عن رسالة ابن الوردي بإبراز الظواهر الفنية للرسالة، مركزا على النوع الأدبي لها، حيث تنوعت تسميتها في كتب التراث بين المقامة والرسالة، فقد نقل عنه ابن حجر العسقلاني قوله: "هذه مقامة سميتها النبا عن الوبا"، بينما يقول السبكي: "وله في الطاعون رواية بديعة"، وهذان مصطلحان متداخلان، ولكن الأستاذ السواحلي أشار إلى أنه يميل إلى تسميتها بالرسالة، لأن عناصر البناء الفني للمقامة تختلف عن عناصر هذه الرسالة.

ومن حيث المحسنات البديعية، فهي سمة كانت شائعة في نتاج العصر ذلك كله، وهي السجع والجناس، والتورية.

ومن الظواهر الفنية البارزة في الرسالة هي السخرية والتعريض السياسي، فقد سخر الكاتب من بعض الأمراء الظالمين، خاصة ممن كانوا يحكمون بلده معرة النعمان التي يفعل فيها الطاغون ما يفوق الطاعون، فيقول: "ما الذي يصنع الطاعون في بلد  في كل يوم له بالظلم طاعون"، كذلك سخر ممن يتكسبون بالبلاء ويرجون بقاءه، من مغسلين ومكفنين وقابرين.

وعقب المتحدث على الرسالة بصفة عامة بأنها نصّ حيّ ثريّ، يمكن إسقاطه على أرض الواقع اليوم، بكل ما فيها من وصف واقعي نراه اليوم، وقد تحول من الوصف الأدبي إلى الوصف الرقمي، ومن سخرية لاذعة من المتصرفين في حقوق الآخرين، وبخاصة من المنتفعين. ناهيك عن الدروس الدعوية التي لها أثر في تثبيت المؤمنين في المحنة الراهنة. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يكشف غمتها ويفرج كربتها.

وفي نهاية الندوة كانت بعض المداخلات من الحضور، وقد أجيب عنها بالدلائل والوثائق، بطريقة علمية أدبية رائعة رائقة شائقة. واستغرقت الندوة ساعتين وسبع دقائق. وفي الحقيقة كانت ندوة رائعة جدا جمعت بين القديم والجديد من الأدب العربي والأجنبي المتعلق بالطواعين والأوبئة ، من كتب ورسائل ومقالات ومقامات وروايات، على مر العصور.

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب