الأدب الإسلامي وحاجته في الأدب العربي المعاصر (2/2)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Aug 08, 2021   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

· دلالة الأدب الإسلامي ومفهومه :

والحديث المتكرر عن مصطلح "الأدب الإسلامي" ومفهومه ودلالته، يوحي بأن وجود الأدب الإسلامي حالة جديدة غامضة تفتقر إلى التوصيف والتوضيح، وهو ما يخالف الواقع .

"فالإسلام قد نشأ في بيئة يشكل الأدب عنصرًا أساسيًا في تكوينها الثقافي، وهي بيئة جزيرة العرب، فليس معقولاً أن يكون الأدب قد بقي بعيدًا عن ذلك الانقلاب الكبير الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب الفكرية والاجتماعية والسياسية، والواقع التاريخي يذكر أن هذا الانقلاب قد انعكس على مرآة الأدب بالصورة التي تتناسب مع معطيات العصر الثقافية والفنية؛ ولكن الذي حصل بعد ذلك أن الأدب –بحكم طبيعته– كان شديد التأثر بالتجاوزات التي وقعت في المجتمع الإسلامي على حساب الصورة المثالية للفكرة الإسلامية والواقع الإسلامي، وفي الجانب السياسي على الخصوص، وظهر هذا التأثر في مشاعر الشعراء والأدباء وقرائحهم، ونتج عنه أدب منحرف عن التصور الإسلامي والمعرفة الإسلامية.


 واستمر هذا الانحراف وتعمق في المجتمعات الإسلامية على مدى قرون طويلة، وزاد وطفح في عصرنا هذا بظهور نظريات وأفكار جعلت من نفسها بديلاً عن الإسلام. وعكس هذا الأدب الانحراف في صورة أدبية زائغة، ومع ذلك فإن سلسلة أدب إسلامي لم تقطع صلة هذه القرون في قمع الأدب الزائغ المنحرف، فثمة أدب إسلامي أنتجه قرائح صافية استلهمت الإسلام، وتفاعلت مع تصوراته وأفكاره، غير أن كتب تاريخ الأدب العربي التي تناولت آداب اللغة العربية حسب عصور التاريخ لم تهتم بهذا الأدب واتجاهاته؛ بل إن بعضها حاول طمس المعاني الإسلامية في الأدب العربي أو تحجيمها في أغراض محدودة مثل الزهد أو الوعظ".(12)

·  الخصومات الأدبية حول الأدب الإسلامي :

جرت الخصومات الأدبية حول الأدب الإسلامي في حواشيه دون متونه، وفي حدوده الخارجية دون ميادينه الأساسية من النصوص الأدبية، التي هي الحقل الخصب الذي لا يتأبى ثمره وينعه على أدوات العطاء الجاد في الدرس الأدبي من تحليل وموازنة وبحث.

فقد جدّ الباحثون في حشد الأدلة لقضية الضعف والقوة في الأدب الإسلامي نفيًا وإثباتًا لمقولة نقدية مغرقة في الذاتية، تعوزها الدقة والموضوعية، وتمثل مقياسًا يتخذ زاوية محددة في رؤيته المقيدة باتجاه يفصل بين الأدب والدين، ويرى الفحولة بما يتناسب ومنهج عمله، من غير حسبان للانعطاف الجديد في الدين الجديد والحياة الجديدة بمؤثراتها العميقة الواسعة .

وهكذا جرى البحث في الأدب الإسلامي خارج طبيعته الفكرية والنفسية، ومن جاوز ذلك إلى المخضرمين والمقلين وقع في أُطر التاريخ الأدبي، ومناهج الدراسة العامة التي تتزاحم مع الظاهرة ومتطلباتها من ضم الأمثلة المتشابهة والقرائن المتزامنة بعضها إلى بعض من غير تلاحم بالنصوص أو محاورة لها.

على أن من حاول أن يضرب بمعوله في حقل النصوص أعوزه الوصول إلى نبعها أكثر، بما شغل به من أثر الإسلام في سياق التعبير جزئيًا، كالإشارة إلى اقتباس آية كريمة، أو تضمين حديث نبوي شريف، أو ما كان في معناهما، وأكثر من ذلك أن ترتب إحصائيات عددية للآيات والأحاديث والمعاني الدالّة على الثقافة الإسلامية عند شاعر من الشعراء لرفع درجة إسلام نصوصه وأدبه، من غير التفات إلى الفكر والسلوك.

وغير بعيد عن ذلك ما جاء من محاولات الكتابة في أدب الدعوة الإسلامية، إذ تراكبت النصوص فيها بمسوّغ أنها صدرت في إطار زمني واحد هو العصر الإسلامي، ولذلك فهي جمعيًا تقتبس من بلاغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فجرت الأحكام عليها بعبارات جاهزة تصلح أن تقال في كل نص، أما ما يتميز به نص عن غيره، وما يتفرد به أسلوب الدعوة فهو مما لم يلتفت إليه إلا في القليل النادر.

إن الإسلامية في الأدب تصور فكري في تعبير أدبي، لا يقف عند حدود الاستعانة المباشرة أو غير المباشرة بمعاني القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وإنما نلمسها في التميز الذي أراده الإسلام لأدبه وأدبائه في التعبير عن صدى القيم في النفس تعبيرًا حيويًا منبثقًا من التصور الإسلامي، فهي تتعدى ما يلوح في ظاهر النص إلى ما يجول في داخله من فكر وإحساس وتصوّر، وما يعرف فيه من إيحاء بمواقف إسلامية .

والأديب المسلم ذو صفات في أدبه، ومنهج في سلوكه، حددت جوانبهن الآيات الأخيرة من سورة الشعراء(13)، فهو كما يتحرى الصدق في أدبه ويلتزم بالتصور الإسلامي في أهدافه وأحلامه وأشواقه، فإنه لا يُجانب السلوك الإسلامي في معاشه، فالإيمان فكر، وعمل الصالحات تعبير عنه، وذكر الله حسًّا وعقلاً وتصورًا تطبيق سلوكي، والانتصار للحق سلوك منهجي إيجابي، وكل ذلك ترجمات عملية لما وقر في القلب؛ فالأدب الإسلامي هو أدب الشخصية الإسلامية في تكوينها الفكري، ومنهجها السلوكي .


وفي دلالة الأدب الإسلامي على الشخصية الإسلامية يحترس من نصوص لأدباء غير مسلمين تحمل رؤية فكرية موافقة للإسلام، وامتلاءً شعوريًا بالإنسانية وحبها، لأنها تفتقد الأسس التي يقوم عليها الأدب الإسلامي بالمفهوم الذي قدمنا، إلا أن ذلك لا يمنع من الانتفاع بها ما دامت في دائرة القوامة والإصابة بالحكمة ضالّة المؤمن يلتقطها أنى وجدها، ويأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع شعر أمية بن أبي الصلت(14) موضّحًا لذلك، إذا قال "آمن شعره وكفر قلبه"(15)، وقال كذلك وقد أنشده عمرو بن الشريد(16) من شعر أمية "إن كاد ليُسلم"، و"فقد كاد يسلم في شعره.."(17) فصفة الإيمان والإسلام مصروفة إلى الشعر لا إلى الشاعر، فضلاً عن أن المدار في حديثي الإسلام في الشعر على المقاربة لا على التحقيق .

وكان للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف حضور أدبي وفني واضح في الأدب الإسلامي؛ غالب المأثور الجاهلي في التعبير والتصوير فغلبه، أو حدد وجوده، ولذلك فإن البعد الاجتماعي للصحراء في اللغة والتعبير انحسر امتداده، وذهبت جاذبيته، وتضاءل تياره في الأدب بفعل هذين الوردين العظيمين .

وقراءة هذا الأدب إنما تؤتي ثمارها إذا حاولنا أن نقترب من أصول التجارب التي بعثته، وبتمثلها فكريًا وروحيًا، واستيعاب الأحوال التي أحاطت به من مكان وزمان، وروافد ومؤثرات، إننا حين نقرؤه بهذه الكيفية سنرى فيه تميزًا أدبيًا وفنيًا، أما إذا تناولنا بأذواق غيرنا، وبروح غريبة عن أجوائه، وبنفسية غير متطابقة مع نفسية أصحابه، وبأحكام مسبقة، ومواقف مستعارة، فلن نرى فيه إلا ما رآه غيرنا، ولن نصل إلا إلى ما ردّده من كان سابقًا لنا.

وفي الفصول التالية محاولة جادّة لقراءة جانب من الأدب الإسلامي في ظل الرؤية النفسية والفكرية التي صدر عنها، من غير مساس بالحقوق الفنية للنصوص أو إقحام لما ليس فيها، بتطبيق مفاهيم نابية عن طبيعة زمن تكوُّن النصوص وتولدها.(18)

تحديد معالم "الأدب الإسلامي" وأساسيته : 

إن الأدب الإسلامي ليس نحيباً وبكاء وتعبداً للألم؛ لكنه تصوير لهذا الأسى النفسي، وتصوير يرتبط بمعاني المعاناة والتطهر والثورة على أسباب العذاب والمعاناة، نقطة تحريض وانطلاق إلى آفاق الانشراح والابتسام والسعادة، ليس الألم غاية في حد ذاته، "فمرضى العصر" –على حد تعبير الرومانسية– هم وحدهم الذين يعبدونه، كما أن الحياة ليست ابتسامة عريضة دائمة كما تتوهم الواقعية الاشتراكية، ولكنها مزيج من الألم والراحة، خليط من الترح والفرح، جمع بين الابتسامات والدموع.(19)

والأدب الإسلامي "هو التعبير الفني الهادف عن وقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب تعبيرًا ينبع من التصور الإسلامي للخالق عزّ وجلّ ومخلوقاته".(20)

والمراد بفنية التعبير جمالُه وروعته، ولا غرو؛ فإشراق العبارة وجمالُها شرطان أساسيان لازمان لكل أدب، فكيف إذا كان إسلاميًا نابعًا من كتاب الله، متأسِّيًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إننا اشترطنا في هذا الأدب أن يكون هادفًا لأن أفعال المسلم وأقواله مصونة عن اللغو والعبث، بعيدة عمّا لا طائل تحته، وعلى هذا فالأدب الإسلامي لا يكتفي بجمال التعبير وإبداع التصوير، وإنما يُشْتَرط فيه أن يكون ممتعًا نافعًا في وقت معًا؛ ذلك لأن الأكواب الفارغة لا تروي العطاش .

إن موضوع هذا الأدب رحب الآفاق، متعدد الجوانب، فهو يشمل الإنسان بعواطفه وأشواقه، وآماله وآلامه، وحسناته وسيئاته، ودنياه وآخرته، كما يشمل الحياة بكل ما فيها من سعادة وشقاء، ومقومات وقيم، وهو يشتمل على الكون بره وبحره، وأرضه وسمائه، كما يشتمل على الطبيعة بطيرها السابح، وحيوانها السارح، وربيعها الجميل، وشتائها العاصف، وما إلى ذلك.

وعلى هذا فإن الأدب الإسلامي ليس مقصورًا على الموضوعات الدينية، وإنما هو أعمّ من ذلك وأشمل.(21)

 

* * *

الهوامش:

 (12)  جريدة "المسلمون" ص:9، السعودية العربية، جدة 1996م.

 (13) الآيات 224-227 .

 (14) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي. شاعر جاهلي حكيم من أهل الطائف. (بغدادي، عبد القادر بن عمر، خزانة الأدب 1/119، دار الثقافة، بيروت).

 (15) أحمد حسن الزيات ، تاريخ الأدب العربي، ص54، دار نشر الكتب الإسلامية.

(16)  عمرو بن شريد (20هـ)، شاعر جاهلي مخضرم، أسلم وشهد القادسية، وله فيها أشعار) الأغاني:10/60، الأعلام: 5/19، معجم الشعراء:4، سمط اللآلي:1/750 .

(17)  عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، الأدب القديم:1/216، دار العلم للملايين .

 (18) د.مصطفى عليان: مقدمة في دراسة الأدب الإسلامي، ص:11-20، دار المنارة للنشر السعودية – جدة .

 (19) دكتور نجيب الكيلاني، الإسلامية والمذاهب الأدبية، ص:83، موسسة الرسالة، بيروت .

 (20) رابطة الأدب الإسلامي . الشبكة الدولية: www.adabislami.org.net .

 (21) عبد الرحمن رأفت الباشا: نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، ص:92-93.

الموضوع: الأدب الإسلامي وحاجته في الأدب العربي المعاصر.

  •   المصدر: منتديات تخاطب ta5atub.com

لمعرفة المزيد http://www.ta5atub.com/t820-topic#ixzz2y5v2TWkf

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب