مصطلح الأدب الإسلامي: المسوغات والأبعاد (3/3)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Sep 16, 2020   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

مصطلح الأدب الإسلامي: المسوغات والأبعاد

  (3/3) 


 

فالشعراء الإسلاميون: 

1- مؤمنون.

2-  عاملون للصَّالحات.

3-  ذاكرون لله، مُنْتَصرون من الظُّلم.

ويُضاف إلى كلِّ ذلك -بطبيعة الحال- الجانبُ الفَنِّي، الذي يَجْعل إبداع هؤلاء الشُّعَراء المتَّصفين بهذه الصِّفات أدبًا مقبولاً.

فأمَّا الإيمان فيمثِّل  "المعيار الدِّيني"، بأن يكونَ الأديبُ مُسْلمًا ومؤمنًا، وأمَّا العمل الصالح فيمثِّل  "المعيار السُّلوكي"، وأمَّا الذِّكر والانتصار من الظُّلم، فهي من موضوعات أشعارهم / أدبهم، التي تُنْبِئ عن وضوح الرُّؤيا، وصحَّة التصوُّر، فالمعايير إذًا ثلاثة:

1- المعيار الديني.

2-  المعيار السلوكي.

3-  معيار صحَّة التصوُّر، وسلامة القصد.

غير أن تَنْزيل هذه المعايير على الأُدَباء والنَّماذج، لا بُدَّ أن يتَّسِم بشيءٍ من المرونة، مراعاة للظَّرف الذي يَمُرُّ به الأدب الإسلامي، وهو ظرفُ استكمال النَّظرية، والدَّعوة لِهذا الأدب، وإقناع الْمُخالِفين، وانتهاج سبيل التَّأليف.

ومن ثَمَّ، فإنَّ الحكم على إسلاميَّة الأدب أو الأديب، يَحتاج إلى شيء من التفصيل:

• فإذا كان الأديب غيْرَ مسلم، فإنَّه يبدو من التعسُّف أن نَجْعل أدَبَه الذي وافق فيه التصوُّر الإسلامي "أدبًا إسلاميًّا"، فبالأحرى أن نعدَّ هذا الأديبَ نفسه "أديبًا إسلاميًّا"؛ وذلك لاعْتبارات متعدِّدة:

1- إنَّ مِن أكْبَر ما يتَمَيَّز به الأدب الإسلامي:  "الصِّدق"؛ صِدْق العقيدة، صدق التصوُّر، صدق التعبير، صدق الهدف.

ولا شكَّ أن هذا الأديب غيْرَ المسلم، لم يَسْتحضر هذا النَّوع من  "الصِّدق"، بل غابتْ عنه تلك  "الْخَفقة الصَّادقة"، وذلك  "اليقين الثَّابت"؛ لِيَحل مَحلَّهما الشُّعور الفطريُّ الإنساني، الذي يُمْكِن أن يصدر عن كلِّ أديب توهَّجَت فيه إشراقة الفِطْرة، وصفاء الرُّوح، فكلُّ الناس قد يَمُرُّ بِمَوقفٍ واحدٍ مؤثِّر، يَنْفعل له، ويتأثَّر به، وهذا حدٌّ مشترك بين البشَر جَميعًا.

لكنَّ الإيمانَ الصَّادق بالجزاء الأُخْرَوي، والرقابة العُلْويَّة، والحيطة في كلِّ صغيرة وكبيرة، لا يُدْرِكه ولا يحسُّه، إلاَّ مَن خالط الإيمانُ شغاف قلبِه، وسَما به إلى درجة الاعتقاد الجازم.

مِن هنا تبدو نسبة أدب غَيْرِ المسلم إلى الأدب الإسلامي توسُّعًا يصعب قبوله.

2- إنَّ هذا الإطلاق فيه إضفاءُ "الإسلاميَّة" على غير المسلمين، مِمَّن لا يعترفون بالرِّسالات، والجنَّة والنَّار، والغيب، وفيه مِن الاستِهانة بالدِّين، ووَضْع لفظ الإسلام موضِعَ الشُّبهة ما هو بَيِّنٌ.

3-  ما نقع فيه من الحيرة عند الوقوف على القصيدة الواحدة لِغَيْر المسلم، فيها حقٌّ، وفيها باطل، بعضها يُعانق الفطرة البشريَّة والسُّموَّ الإنسانِيَّ، وبعضها يَرْتكس في حَمأة الزَّيغ، ويتمرَّغ في وهْدَة الأوزار، فهل نعتبر خَيْرها وحقَّها "أدبًا إسلاميًّا"، وشرَّها وزَيْغَها "أدبًا غيْرَ إسلامي"؟ أم نعتَبِرُها في مُجملها غير إنسانية، ثم نستثني خَيْرها، فنجعله مِمَّا وافق الأدب الإسلامي، على غرار ما أَسْماه عبدالرحمن حبنكة "كلمةُ حقٍّ صدرَتْ على لسانِ كافر أو شيطان"؟

فإذا اختلَّ شرط إسلاميَّةِ الأديب  "المعيار الدِّيني"، فإنَّ الأليق أن نجعل أدبه الإنساني أدبًا  "موافقًا للأدب الإسلامي"، كما ذهب إلى ذلك د.عبد القدُّوس أبو صالح.

فإذا نظَرْنا -على سبيل المثال- إلى مُعَلَّقة "امرئ القيس"، ذلك الشاعر الجاهليُّ، الذي كان معروفًا بالْمُجون والغزَلِ الفاحش، وشُرْب الخمر، وقضاء اللَّذَّات، واتِّباع الشهوات - سنرى أنَّها اشتملت على باطلٍ صريح، لا يُمْكن أن نُصَنِّفه إلاَّ في خانة "الأدب غير الإسلامي"، مثل قوله متغزِّلاً:(67) (الطويل)

فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ(68) وَمُرْضِعٌ 

فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِـــمَ مُحْوِلِ (69)  

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِـــــــهَا انْصَرَفَتْ لَهُ 

بِشِقٍّ وَتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَــــــــوَّلِ (70)  

وَبَيْضَةِ خِــــــــدْرٍ لا يُـــــــــــــرَامُ خِبَـــــاؤُهَا 

تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْــــــــوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَــــــلِ 

تَجَــــــــاوَزْتُ أَحْــــــرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَـــــرًا 

عَلَيَّ حِرَاصًــــــا لَوْ يُسِــــــــرُّونَ مَقْتَــلِي 

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّــــــتْ(71) لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا 

لَدَى السِّتْرِ إِلا لِبْسَــــةَ الْمُتَفَضِّلِ (72)  

فَقَالَـــــــــــتْ: يَمِيــــــنَ اللهِ مَا لَكَ حِيلَــــةٌ 

وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِي (73)  

فَقُمْـــــــتُ بِهَا أَمْشِي تَــــــــجُرُّ وَرَاءَنَـــــــــا 

عَلَى إِثْرِنَا أَذْيَـــــــالَ مِرْطٍ مُرَحَّـــــــلِ (74) 

فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَــــــــــــــةَ الْحَيِّ وَانْتَــــحَى 

بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ (75)

هَصَــــــــرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِـــــــهَا فَتَمَايَــــــلَتْ 

عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ (76)

فهذه أبيات كلُّها دعوة إلى الرَّذيلة، وتَزْيينٌ للفاحشة، وتصويرٌ لأشكال العلاقات المشبوهة، بزينة مَكْشوفة، وعبارات مفضوحة، من غير عفَّة أو كناية، بل تراه يصف الفاحشة بكلِّ جرأة وتقَحُّم، ولعلَّ سبب نَظْم القصيدة(77) أكْبَرُ دليل على سوء القَصْد وفساد الطَّوية.

في حين نَجِد في القصيدة نفْسِها أبياتًا تَدُور في فلَكِ الإباحة والحياد، حازَتْ من الجودة الفَنِّية، ودقَّة التصوير، وحُسْن السَّبك ما سارتْ به الرُّكبان، وأصبح مَضْرِبَ الأمثال، من ذلك قولُه(78):

وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُـــــدُولَهُ 

عَلَيَّ بِأَنْـــــوَاعِ الْهُمُــــــــومِ لِيَبْتَـــــلِي 

فَقُلْتُ لَـــــهُ لَمَّا تَمَـــــــــطَّى بِصُلْبِـــــهِ 

وَأَرْدَفَ أَعْجــــــــــازًا وَنَــــــاءَ بِكَلْكَــــــلِ 

أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَــــــلِي 

بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَـــــلِ 

فَيَا لَكَ مِنْ لَيْـــــــــــلٍ كَأَنَّ نُجُومَــــــهُ 

بِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ (79)

كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي مَصَــــــــامِهَا 

بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْــدَلِ (80)

وقوله في وصف الفرس:

وَقَدْ أَغْتَدِي وَالــــــــطَّيْرُ فِي وكنَاتِــــــهَا 

بِمُنْجَـــــــرِدٍ قَيْــــــــــــدِ الأَوَابِــــــدِ هَيْــــــــكَلِ 

مِكَـــــــــرٍّ مِفَــــــــرٍّ مُقْبِــــــلٍ مُدْبِــــــرٍ مَــعًا 

كَجُلْمُودِ صَخْرٍحَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَـــــــلِ 

كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَــــــنْ حَـــــالِ مَتْنِــهِ 

كَمَا زَلَّتِ الصَّــــــفْوَاءُ بِالْمُتَنَـــــزَّلِ (81)

عَلَى الذَّبْــــلِ جَيَّـــــــاشٍ كَأَنَّ اهْتِزَامَــــهُ 

إِذَا جَاشَ فِيهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَلِ (82)

دَرِيـــــرٍ كَخُـــــــذْرُوفِ الْوَلِيــــــــــدِ أَمَــــــــرَّهُ 

تَتَابُعُ كَفَّيْــــــهِ بِخَيْــــــــطٍ مُوَصَّـــــلِ (83)

لَهُ أَيْطَــــــــلا ظَبْيٍ وَسَــــــــــاقَا نَعَــــــــامَةٍ 

وَإِرْخَــــــــاءُ سِرْحـانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ (84)


فهذا ومِثْله من قبيل الأدب "المُحايد"، الذي يُمْكِن أن نَحْكم له بالموافقة لِمَا أباحه الإسلام، ما دام لا يُقِرُّ فاحشة، ولا يؤجِّج نزوة، ولا يعطِّل عقيدة أو حُكْمًا شرعيًّا.

فالأبيات الأُولى: جيَشانٌ نَفْسيٌّ يُمْكن أن يعتريَ أيَّ إنسان تكبْكَبَت عليه الْخُطوب، ولَفَّتْه الرَّزايا والْهُموم، فتمَثَّل له الليل طويلاً، قد استنكف عن الانْجلاء، كأنَّ نُجومه تَسمَّرت في السماء، وشُدَّت بِحِبال غليظة إلى جبال راسيات، فلا تَبْرَح مكانَها.. كل ذلك بأداة فنِّية رائعة، وآلة تصويريَّة بارِعة، وخيال رَفْراف مُجنِّح، وعاطفة متأجِّجة مُتوتِّرة.

والأبيات الثانية: لا تعدو أن تكون صورة للفرَس، في حالة كَرِّه وفرِّه، وإقباله وإدباره، وقوَّة بِنْيته، وشدَّة سرعته، وبَذِّهِ للخيول الأخرى، مع تَتْويج كُلِّ ذلك بِهَذه الصُّورة البديعة، صورة الطِّفل الصغير الذي يلعب بالخَرَّارَة؛ فالفَرس في عَدْوه وسرعته البالغة، يشبه "إسراع خدروف الصَّبِي إذا أحكم فَتْلَ خيطه، وتتابعَتْ كفَّاه في فتله وإدارته بِخَيط قد انقطع ثم وصل..."(85)،  كل هذا جيِّد ومقبولٌ، ما دام متعلِّقًا بوصف مُجرَّد، لا يخدش دينًا، ولا يهدر مروءة.

فلا ضرَرَ -إذًا- أن نَجْعله من قبيل الأدب الإنسانِيِّ العامِّ، الذي يشترك فيه الجميع، فهو " مُوافق للأدب الإسلاميِّ"، ولكن لا يصحُّ أن نعدَّه من صميم الأدب الإسلاميِّ.

ولا يُمكن أن نقرن " امرأ القيس"، وهو الجاهليُّ الذي مات كافرًا، "بأبي نواس"  الْمُسلم، الذي عرف الإسلام، ورَضِيَه، وأقَرَّ به، وإن كان الجامِعُ بينهما المُجونَ والاسْتِهتار.

غيْرَ أنَّ إسلاميَّة "أبي نواس"، تدفعنا إلى الاعتراف بإسلاميَّة أدَبِه، الذي صدر فيه عن حِسٍّ إيمانِي، وإشراقةِ الحقِّ الذي لا يلبث أن يَؤُوب إليه المُذْنِبون.

نعَم، إنَّ مُعْظَم شِعر  "أبي نواس- بِحَسَب المقاييس السَّالفة الذِّكر- شعر غيْرُ إسلاميِّ المضمون؛ لأنَّه بلغ من الفُجُور والتبذُّل، ووصف المُجون ومَجالس الخمر، والتغزُّل الفاحش بالمؤنَّث والمذكَّر، والتشجيع على الرَّذيلة وفِعْل المنكرات، ما تَمُجُّه أُذنُ كلِّ غَيُور على دينه، وقَّافٍ عند المباح من الشِّعر.

لكن، ليس كلُّ شعرِ  "أبي نواس" مِن هذا القبيل، فإنْ كان مَجْموع شِعْرِه يشكِّل حوالَي تسعمئة قطعة، ما بين قصيدة كامِلَة، ومقطوعة من عدَّة أبيات، فإنَّ زُهْديَّاته تبلغ قرابة ثلاثين قصيدة ومقطوعة(86)، بعضُها لو قرأناه مُجرَّدًا عن ذِكْر الشَّاعر، لَقُلنا: إنَّه شعرُ زاهدٍ متبتِّل، لا يعرف الشَّرُّ إلى نفسه مدخلاً، وَلْنُمعِن النَّظر في هذه الأبيات التي سارت بها الرُّكبان، وأصبحَتْ مضرب الْمَثل: (الطويل)

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ 

خَلَـــــــوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيـــــــــبُ 

وَلاَ تَحْسَبَــــــنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَـــــــــةً 

وَلاَ أَنَّ مَا يَخْـفَى عَلَيْــــــكَ يَغِيــــــبُ 

لَهَوْنَا بِعُمْـــــــرٍ طَالَ حَتَّى تَرَادَفَـــتْ 

ذُنُـــــوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُـــوبُ (87)

 

إنَّها أبيات تفيض زهدًا، وتتقاطر حِكْمة، تَمْتَحُ من الثوابت، وتَصُبُّ في إطار العقيدة، أبيات تُفْصِح عن فِطْرة سليمة، وخشوع صادق في التَّعامل مع القدر الإلَهي، فالله تعالى حيٌّ رقيب، يُحْصي على العباد أفعالَهم، لا يُغادر منها صغيرة ولا كبيرة، والجاهل مَن يظنُّ أنَّ الذي يَخْفَى على البشر قد يَخْفى على ربِّ البشر، فلْيُسارع الناس إلى التَّوبة، فالله تعالى يَغْفر الذُّنوب وإن تعاظمَتْ.

ومَن أدرانا -وقد نقَلَ الرُّواة أن "أبا نواس" تاب في آخرِ حياته- أن يكون البيت الثَّالث تعبيرًا عن توبته الصَّادقة، واعترافًا بكثرة ذُنوبه التي تعاظمَتْ وترادفت، فلجأ إلى الله تعالى؛ طلبًا للمغفرة؟! إنَّها أبيات مُذابة من قلب اعتصرَتْه الذُّنوب، فآب إلى الله حين أحسَّ مراقبته، وأناب إليه، وعاهده على التقوى.

ومِن مثل هذا قولُه كذلك: (الكامل)

اصْبِرْ لِمُرِّ حَـــــــــــــــــوَادِثِ الدَّهْــــــــــــــــرِ 

فَلْتَحْمَـــــــــــــــدَنَّ مَغَبَّــــــــــةَ الصَّـــــــــــــــبْرِ 

وَامْهَــــدْ لِنَفْسِـــــــــــكَ قَبْـــــــــلَ ميتَتِـــــــهَا 

وَاذْخَرْ لِيَوْمِ تَفَاضُـــــــــــــلِ الذُّخْــــــــــــــــرِ 

فَكَــــــأَنَّ أَهْلَكَ وَدَّعُــــــــــــــــــوكَ فَلَـــــــــــمْ 

تَسْمَــــــــــعْ وَأَنْتَ مُحَشْرَجُ الصَّــــــــــــدْرِ 

وَكَأَنَّهُـــــمْ قَدْ عَــــــــــــــطَّرُوكَ بِمَــــــــــــــــا 

يَتَـــــزَوَّدُ الْهَلْــــــــــــكَى مِنَ العِطْـــــــــــــرِ 

وَكَأَنَّـــــــــــــــــهُمْ قَــــدْ قَلَّبُــــــــــــــوكَ عَلَى 

ظَــــــــــــهْرِ السَّرِيرِ وَظُــــــــــــــلْمَةِ القَبْرِ 

يَـــــا لَيْتَ شِــــــــعْرِيَ كَيْفَ أَنْـــتَ عَلَى 

ظَهْرِ السّـــــــــَرِيرِ وَأَنْـــــتَ لا تَـــــــدْرِي؟ 

أَوْ لَيــــــتَ شِعْرِيَ كَيْـــــــفَ أَنْــــــــتَ إِذَا 

وُضِـــــــعَ الْحِسَابُ صَبِيحَةَ الْحَشْــــرِ؟ 

مَــــــــا حُجَّتِي فِيمَـــــــــــا أَتَيْتُ وَمَـــــــــــا 

قَـــــــــــوْلِي لِرَبِّي، بَلْ وَمَــــــــــــا عُذْرِي؟ 

أَفَــــــــــــلا أَكُـــــــــونُ قَصَدْتُ رُشْدِيَ أَوْ 

أَقْبَلْــــــتُ مَا اسْتَـــــدْبَرْتُ مِــــنْ أَمْـــــرِي 

يَا سَوْءَتَـــــــا مِـــــــمَّا اكْتَسَبْـــــــتُ وَيَــــــا 

أَسَفِي عَلَى مَا فَاتَ مِنْ عُمْرِي (88)

إنَّه بكاء على النَّفس الأمَّارة بالسُّوء، التي تزيِّن لصاحبها الرَّذيلة، وتُوقعه في حمأة الشَّهوات والملذَّات، فلا يستفيق إلا على صيحة الموت، دون أن يَدَّخِر شيئًا ليوم الْحِساب، ودون أن يكون له عذْرٌ فيما فرَّط في جنب الله، إنَّها دَعْوة إلى الإقْلاع عن المعاصي، والإقبال على الآخِرَة، واستغلال لحظات العمر القصير فيما يُرْضي الله -عزَّ وجلَّ- ولا شكَّ أن هذا هو المقصد العام الذي مِن أَجْله شرع الله الإسلام.

نعم، قد يبدو هذا معارِضًا مع ما بدأتُ به الكلام، من أن مِن شروط الأديبِ الصَّلاحَ (المعيار السُّلوكي)، غير أنَّ مِمَّا يدفع هذا التَّناقض، أنَّنِي لَم أَصِف "أبا نواس" بأنَّه  "أديبٌ إسلامي"، وإنَّما سحَبْت صفة الأدب الإسلاميِّ على شعرٍ معيَّن له؛ تغليبًا للظَّنِّ أنه في وقت نَظْمِه، كان تائبًا، باكيًا، متضرِّعًا، وكان سلوكه الجميل في الذروة، وكان تصوُّره في منتهى صَفائه، وهو استثناء من عموم ما عرفَتْه حياتُه من زيغ عن الجادَّة.

وهذا -فعلاً- ما ذهب إليه د. قميحة، حين قال: "وأرى في هذه المرحلة من مراحل بُزوغ الأدب الإسلامي ورابطته، أن تتَّسِم مَواقِفُنا النَّقدية -نَحْن الإسلاميِّين- بشيءٍ من السَّماحة والمرونة؛ بحيث لا ينال من الثَّوابت والأطاريح الجوهريَّة المُتَّفَق عليها، ومِن ثَمَّ لا نُمانع من أن يَصْدق مصطلحُ الأدب الإسلاميِّ على كل قصيدة نظَمَها "أبو نواس" في  "الزُّهْديَّات"؛ لأنَّ الشَّاعر مُسْلِم الْهُويَّة، ولأنَّ مضمونها يتَّفِق، بل يُعَبِّر عن التصوُّر الإسلامي"(89).

بقِيَتِ الإشارة إلى أن ما اعتقدَه د.عماد الدين خليل، من أنَّ أدبَ غير المسلمين، الموافِقَ للتصوُّر الإسلامي، يُمْكن اعتباره ضمن الأدب الإسلامي؛ لأنَّه سيُفْسِح المَجال أمام الأدباء الإسلاميِّين للاستفادة منه، ولو  "تقنيًّا"، غَيْر مُسَلَّم؛ لأَمْرين:

1- إنَّ استغلال التقنية لا يَحْتاج مِنَّا إلى إضفاء مصطلح الأدب الإسلامي على هذا الأدب، بل يُمْكن الاستفادة من تقنيات الآداب الأخرى، إذا كان الأمر يتعلَّق بالأَشْكال والأصباغ، وهي الأوضاع المُحايدة، القابلة للتَّجديد والتطوير، وهذه قضيَّة أخرى، تَحْتاج إلى بَحْث مستقلٍّ.

2-  إنَّ في تاريخ أدبنا ما يُمْكن أن يمدَّنا بالشحنة اللاَّزمة؛ للوقوف على أدب إسلامي عالَمِي، ففي تُراثنا من النُّصوص ما لا يزال قابعًا على الرُّفوف، يَحْتاج إلى مَن يَنْبَرِي لإخراج مكنونه، والوقوف على فرائده، كما أنَّ من النُّصوص المطبوعة، ما لم تَمْتدَّ إليه يدُ الدَّرس والنَّقد بعْدُ، وحبَّذا لو كُوِّنت لَجْنة متخصِّصة للنَّقر في المكتبات المَذْخورة؛ لاستخراج النُّصوص الشِّعرية والنَّثْرية الكفيلة بِرَفد الأدب الإسلامي، ليحقِّق استقلاليَّته، ولِتَنبع مقاييسُه من ذاته وتربته.

إنَّ اختلاف النقَّاد حول المُصْطلح، أمر يَعْتري كلَّ العلوم الإنسانية، بل منها ما تتعدَّد مصطلحاتُها وتعريفاتها بتعدُّد المصطلِحِين والمعرِّفين، مع أنَّ اختلاف النُّقاد والدارسين (لا يَعْني إلاَّ الرغبة الصادقة في الوصول إلى مفهوم صحيح  "للأدب الإسلامي"(90).

ومع هذا، فإنَّ قضيَّة المصطلح، قد استنفَدَتْ من النُّقاد الإسلاميِّين جهدًا وزمنًا ليسا باليسيرَيْن، والآن، وقد استقرَّ المصطلح، وتقارَبَتِ الرُّؤى، فيَحْسن أن نَصرف النَّظَر إلى البناء والاهتمام بالإبْداع، "وأن نضع حدًّا لِهَذا الجدل الصَّاخب حول المَشْروعيَّة الأدبيَّة لِمُصطلح الأدب الإسلاميِّ، وأن ينطلق الأُدَباء الإسلاميُّون نَحْو غايتهم الواضحة، وَفق برامِجَ دقيقة، ووَعْي صادق، وأن يَهْتمُّوا بتأصيل القِيَم الجماليَّة، والمضامين الفِكْريَّة الأصيلة؛ لأنَّ التَّجربة هي ساحة الامتحان الحقيقي"(91).


(67) من معلقته؛ يُنظر ديوان امرئ القَيْس، ص 8، و"شرح القصائد العشر" للخطيب التبريزي، ص 17، و"جَمْهرة أشعار العرب"، ص 123.

(68) الطُّروق: الإتيان ليلاً؛ "اللِّسان: طرق".

(69) يقال: أَحْوَلَ الصبيُّ: إذا تم له حول، قال أبو عبدالله الزَّوْزَني: "يقول: فرُبَّ امرأة حُبْلَى أتيتُها ليلاً، ورُبَّ امرأة ذات رضيع أتيتها ليلاً، فشغلتُها عن ولدها الذي علَّقت عليه العَوْذَة، وقد أتى عليه حولٌ كامل، وإنما خصَّ الحبلى والمرضع؛ لأنَّهما أزهد النِّساء في الرِّجال.. خدَعْتُ مثلَهما مع اشتغالِهما بأنفسهما، فكيف تَخْلُصين منِّي؟"؛ "شرح المعلقات السبع"، ص 17.

(70) قال الزَّوزنيُّ، ص18: "إذا ما بكى الصَّبِيُّ من خلف المرضع، انصرَفتْ إليه بنِصفها الأعلى، فأرضعَتْه وأرضَتْه، وتَحْتي نصفها الأسفل، لم تُحَوِّله عنِّي، وصَفَ غاية ميلها إليه، وكَلَفِها به، حين لَم يشغَلْها عن مرامه ما يشغل الأمَّهات عن كلِّ شيء".

(71) نَضَا ثوبه عنه يَنضُوه نَضْوًا: خلَعَه وألقاه عنه؛ "اللسان: نضا".

(72) الذي يبقى في ثوب واحد؛ لِيَنام أو ليعمل عملاً، قال "التبريزي": "والمفضل: الإزار الذي ينام فيه، يُخْبِر أنه جاءها وقت خلوتِها ونومها؛ لِيَنال منها ما يريد"؛ "شرح القصائد العشر"، ص: 53.

(73) قال الزوزني: "هذا أَغْنَجُ بيت في الشِّعر"، ص 24.

(74) الِمرْط: كساء من صوف أو خَزٍّ؛ "القاموس المحيط: مرط"، والمرحَّل: ما عليه صُوَر رحال الإبل؛ "اللِّسان: رحل".

(75) انْتَحى: اعترض؛ "اللِّسان: نحا"، والْخَبت: ما اطْمأنَّ من الأرض؛ "اللسان: خبت"، والقُفُّ: ما ارتفع من الأرض وغلُظ، ولم يبلغ أن يكون جبلاً؛ "اللسان: قفف"، والعَقَنْقَل: ما ارْتَكَم من الرَّمل، وتعلَّق بعضه ببعض؛ "اللسان: عقل".

(76) الْهَصر: الجذب؛ "القاموس المحيط: هصر"، والفودان: ناحيتا الرَّأس؛ "القاموس المحيط: فود"، والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضِّلَع الخلف؛ "اللسان: كشح"، وريا: تأنيث الريَّان، تعبير عن كثْرَة لَحْم السَّاقين وامتلائهما؛ "شرح القصائد العشر" للخطيب التبريزي، ص 17، والمخلخل: موضع الخلْخَال من السَّاق؛ "اللسان: خلل".

(77) ينظر "شرح المعلقات السبع"، للزوزني، ص 6.

(78) من معلَّقتِه أيضًا؛ ينظر ديوانه، ص8.

(79) مُغَار الفَتْل: شديد الفتل؛ "اللِّسان: مسد"، يَذْبل: اسم جبَل في بلاد نَجْد؛ "اللسان: ذبل".

(80) مَصَامها: مقامها ومَوْقفها؛ "اللِّسان: صوم"، أمراس: حبال؛ "اللسان: مرس"، جَنْدَل: الحجارة؛ "اللِّسان: جندل".

(81) الكميت من الخيل: ما كان لونه بين الأسود والأحْمر؛ "اللِّسان: كمت"، الصَّفواء: الحجارة؛ "مُخْتار الصِّحاح: صفا"، المُتَنَزِّل: الطائر أو المطر أو الإنسان النَّازل عليه.

(82) ذبل الفرس: ضمر؛ "اللِّسان: ذبل"، الاهتزام: صوت الفرس وجريه؛ "اللِّسان: هزم"، حَمْيُهُ: غَليه، من (حَمِي التنُّور: اشتدَّ حرُّه)؛ "اللسان: حما".

(83) دَرَّ الفرَسُ: عدا سريعًا؛ "القاموس المحيط: الدرة"، الخدروف: شيءٌ يدوِّره الصَّبِي بِخَيط في يديه فيسمع له دوي؛ "القاموس المحيط: باب الفاء، فصل الخاء".

(84) الإرخاء: شدَّة العَدْو؛ "اللِّسان: رخا"، السِّرْحان: الذِّئب؛ "مختار الصحاح: سرح"، التقريب: أيْ: يرفع يديه معًا، ويضعهما معًا؛ "اللِّسان: قرب"، التَّتْفل: الثعلب، وقيل: جَرْوه؛ "اللسان: تفل".

(85) "شرح المعلقات السبع"، للزوزني، ص 45.

(86) ينظر مقال: "الأدب الإسلامي بين إشكاليَّة المصطلح ومعياريَّة التطبيق"، د.جابر قميحة، مجلة: "الوعي الإسلامي"، ع: 377، مايو: 1997، ص 74.

(87) ديوانه، ص 73.

(88) "ديوان أبي نواس"، 140.

(89) مقال "الأدب الإسلامي بين إشكالية المصطلح ومعيارية التطبيق"، مجلة: "الوعي الإسلامي"، ع: 377، مايو: 1997م، ص 76.

(90) د. أحمد العزب، جريدة: "المسلمون"، ع: 445، 13 غشت 1993م.

(91)  "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، "د. نجيب الكيلاني"، ص 47.



موقع جامعة أم القرى/ رابط الموضوع:

 http://www.alukah.net/Literature_Language/0/28006/#ixzz1QzvVMr00

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب