مختارات من رسائل الدكتور عماد الدين خليل إلى المعنيين بالهم الأدبي..((15/13)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Jul 02, 2018   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

هذه مقتطفات من رسائل الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل إلى شعراء وأدباء ونقاد، اختارها بنفسه بعناية؛ لتكون نماذج من الرسائل التي تحمل الهمّ الأدبي والنقدي عامة، وفي مجال الأدب الإسلامي خاصة. وتظهر في هذه الرسائل عفوية العبارات، وصدق الأحاسيس والمشاعر، والحرص على أداء الواجب في ساحة الإبداع والنقد، من ناقد، ومبدع في فنون الأدب: شعراً، وقصةً، وروايةً، ومسرحيةً، من دون مجاملة للأدباء الذين يكتب إليهم رسائله، لأن الإبداع لا يرتقي بغض الطرف عما ينبغي تقويمه، وهو مع ذلك يتواضع ولا يقطع برأي، فيما يحتمل تعدد الرؤى. وباختصار إنه الأستاذية في النقد والتقويم. (التحرير).


 

 

 

· من رسالة إلى دار الفكر جواباً على سؤالها حول موضوع (أدب الأطفال)، دمشق (تشرين الثاني 2001م):


... إن إصدار مجلات متخصصة للأطفال يعد ضرورة من الضرورات الملحة في مواجهة أدب التفكيك والرذيلة والانحلال، شرط أن تعتمد ترشيداً، وبرمجة هادفة، وتوزيعاً جغرافياً متكافئاً يغطي جلّ البلدان العربية والإسلامية... وأن تصدر بصيغة سلاسل قصصية تعالج موضوعات نمطية محددة، وأن توظف التاريخ، والبطولة والقيم الدينية، وتعتمد مبدأ الاقتران الشرطي بين قيم الإيمان والمتعة والتحقق الذاتي لدى الطفل.


والأدب المقروء لا يكفي وحده، بل لا بّد من إسناده بأعمال تغذّي "الشاشة... التلفازية والفضائية و(الكومبيوترية) فضلاً عن الإنترنت... أعمال هادفة ونظيفة في سياق أفلام الكارتون، المسلسلات، التمثيليات، المسرحيات، الأفلام، الأناشيد، المسابقات، اللقاءات... إلى آخره... تحت قاعدة: أن العملة الجيدة – ها هنا – تطرد العملة الرديئة.


إن توسيع المساحة الزمنية لأعمال الطفولة الهادفة على الشاشة في مربّعها المذكور، ستضيّق الخناق على مربع السوء الذي يضغط على عقول الأطفال ونفوسهم، ويلتوي بسلوكهم وأذواقهم، ويقودهم إلى بؤر الفساد والجنس والعقد النفسية والانحلال.


إن أعمال العنف والجريمة والفحش والجنس والتفكك الأسري والاجتماعي، والرؤية العبثية للحياة تفترس الشاشة، وتكاد تفترس الطفولة من خلالها، وهذا يمثل تحدياً خطيراً أمام كل المعنيين بهموم هذه الأمة من المتعاملين مع حلقة الطفولة مفكرين ومربّين وأدباء وإعلاميين... إلخ، وأن على هؤلاء أن يستجيبوا للتحدي بتقديم المزيد من العطاء الفني في مستوياته العليا المؤثرة والممتعة في الوقت نفسه، من أجل كسب الأطفال إلى هذا النمط من البرامج، وإنقاذهم من إغواء العروض التجارية المدمّرة لسوية الطفل النفسية والاجتماعية.


إن هذه القضية في اعتقادي هي القضية الأهم والأخطر والتي يمكن (لدار الفكر) عبر برامجها القادمة – إن شاء الله – أن تقدّم بخصوصها جملة من الإضاءات والتوصيات ذات القيمة البالغة...


***


· من رسالة إلى محرّري مجلة (الروابي) التي تصدرها كلية العلوم الإسلامية

في الموصل (تشرين الثاني 2008م):


هذه زهرة أخرى تتفتح في (روابي) مدينتنا الغالية، ويسهر على استنباتها ثلة طيبة من طلاب وطالبات كلية العلوم الإسلامية التي تعد بالكثير.


إنه صوت إعلامي ناشئ يسعى لأن يحمل الخطاب الإسلامي إلى القرّاء، ويدلّهم على الطريق...


ولقد تبيّن لكل ذي عينين كم أنه الخطاب الوحيد القادر على الاستمرار في هذا العالم، بعد أن تساقطت جل المذاهب والمبادئ والدعوات والنظريات التي أثبتت عجزها وقصورها في التعامل مع الإنسان.


أؤكد على الكلمة: الإنسان... إذ إنه ما من دين أو عقيدة وصلت إلى عمقه الحقيقي، ولبت نداء مكوناته كافة، ووضعته في مكانه المناسب تماماً في خارطة الكون والعالم والحياة كهذه العقيدة وهذا الدين... أليس هو من صنع الله (الذي أتقن كل شيء)، والذي (يعلم من خلق) (وهو اللطيف الخبير)!؟


وأين صنع الله سبحانه وتعالى من صناعة الإنسان القاصر العاجز المحدود؟

والمطلوب من شبابنا في إصدار كهذا أن يدركوا هذه الحقيقة، وأن يقدموا الإسلام مشروعاً حضارياً إنسانياً لخلاص البشرية، وأن يتجاوزوا في كتاباتهم الإنشائيات الفضفاضة، والموضوعات المكرورة التي لا مبّرر لها، ويسعوا إلى أن يقدموا – بدلاً عنها – تصاميم فكرية بمستوى هذا المشروع الكبير.


والبدايات تكون دائماً متواضعة، ولكن الطموح، والرغبة في الإتقان والإحسان تقود الجهد إلى صعود المراقي، وتقديم الأفضل والأحسن... ذلك ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ما نتمناه.


***


 من رسالة إلى تحرير مجلة إلكترونية في الموصل (تشرين الثاني 2008م):


سعدتُ كثيراً بنبأ إصداركم مجلة إلكترونية تتولون رئاسة تحريرها، وتتوجه بالخطاب إلى شبابنا وشاباتنا في هذا الزمن الصعب الذي يتطلب المزيد من الإضاءات لكي تدل الضائعين على الطريق، وتزيد المؤمنين إيماناً، وسيكون لكم أجرها الجزيل عند الله سبحانه وتعالى...


النصيحة الأم التي يمكن أن نسديها لقراء المجلة هو أن يشكلوا فكرهم ورؤيتهم – ابتداء – من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون تعاملهم مع هذين المصدرين بعقل مرن ذكي وفكر ثاقب، ولسوف يعثرون هناك على التأسيسات الضرورية لبناء عقولهم، وانطلاقهم إلى الناس لدعوتهم إلى هذا الدين المعجز وهم يملكون أدوات العمل الضرورية، بعيداً عن التشدّد والتشنج والانغلاق، وبالانفتاح والسماحة التي سمي بها هذا الدين.


بعدها لا بّد لهم أن يلتهموا معطيات الفكر الإسلامي الحديث التهاماً، ولا بأس أن يطلّوا، وبرؤية دارسة ناقدة، على فكر الغرب ومعطياته، بعد أن يكونوا قد حصنّوا أنفسهم بالثوابت الفكرية الإسلامية، وحينذاك سيجدون الفارق كبيراً كبيراً بين صراط الله المستقيم، وبين ضلال عباده المتخبطين في الظلمات، وسيجد كل منهم في نفسه القدرة المدهشة التي تمكنه من أداء مهمة البلاغ بأقصى وتائر الفاعلية والتأثير.


وفيما يلي بعض الضوابط الضرورية للكتابة في المجلة:


أولاً: أن يكون المقال مركزاً لا يتجاوز الصفحتين قدر الإمكان.

 

ثانياً: أن يتضمن أفكاراً ذات غناء.

 

ثالثاً: أن يتجاوز المبالغة والإنشائية والصراخ العالي.

 

رابعاً: ألّا يعالج موضوعات مكرورة ومستهلكة.

 

خامساً: أن يتجاوز التجريح وإثارة الفتنة والشحناء.

 

سادساً: أن يكون على وعي بمعطيات العصر وتحدياته، وأن يتعامل معها أخذاً

وعطاءً بأسلوب علمي رصين.

 

سابعاً: ألّا يثير أية موضوعات خلافية تفرّق ولا تجمع.

 

ثامناً: أن يكون الكاتب قارئاً نهماً لشتى صنوف المعرفة، ولحقل تخصصه في الوقت

نفسه، فالقراءة هي الوقود الضروري للكتابة، وبدونها ستعاني الكتابة من السطحية

والتضحّل الفكري.

 

تاسعاً: أن يتجاوز الكاتب الادّعاء واعتماد ضمير (الأنا).

 

عاشراً: ضرورة إحالة كل ما يكتب على ثوابت القرآن والسنة، وألّا فهو الوقوع في

الشبهات والحرام.

***


· من رسالة إلى الأخ حمزة هشام في بيروت (شباط 2009م):


... كم كنت أتمنى اللقاء بك وإجراء سلسلة من الحوارات المتبادلة... ولعل الله سبحانه وتعالى يعوضنا بفرص أخرى.


في تعقيباتك على مقالي (تأملات في الكتابة والإبداع) وجدتني إزاء جملة من الإثارات والأسئلة واللمسات الذكية سأقف عند بعضها قدر ما يسمح به المجال.


(1) خير من يبت في شأن كتاب [الشيخ محمد] الغزالي (رحمه الله) (السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث) هو زميله وتلميذه الشيخ القرضاوي (حفظه الله)، وخير ما يقرأ في مجال التعامل مع الحديث الشريف هو كتابه القيّم (كيف نتعامل مع السنّة؟).


(2) بالفعل... فإن في نيّتي كتابة السيرة الذاتية (بغلاف فكري) لأنني سأتابع فيها منحنى الخط الفكري لكتاباتي منذ منتصف الخمسينيات وحتى اللحظات الراهنة. ولن يمنعني ذلك في الجانب الآخر: الحياة، من اعتماد الرؤية الانطباعية لتجاوز الصبغة التسجيلية التي اعتمدت – للأسف – من قبل العديد ممن كتبوا سيرهم الذاتية في ديارنا.


(3) الكتابة المعرفية الصرفة، بعيداً عن (الأدب)، تخضع هي الأخرى لقوانينها

الخاصة، وقد أردت أن أشير إلى أن (النسق الفكري) للمعلومة، لا يتشكل - ابتداء – في ذهن المفكر، إنما تتشكل تأسيساته، وما يلي ذلك فهو نوع من التدفّق المترابط الذي يتشكل خلال عملية الكتابة نفسها.


(4) واحدة من التفاتاتك الذكية: وعلى الشيوخ أن يكافحوا لتقديم خبرتهم بأقصى وتائر الحيوية، أن يتجاوزوا بها حالة البرود، ويعيدوا إليها الألق.


(5)  بالتأكيد... إنها ثمرة القراءة النهمة في شتى الاتجاهات... ولكن وضوح الرؤية الفكرية والعقدية للكاتب يمنحه معياراً موضوعياً صارماً لتفكيك المتشابك، واستخراج العسل من السمّ.


والكتابة في فضاء موسوعي شيء، وادّعاء الموسوعية أو محاولة تسلّقها، شيء آخر. والذي يميّز هؤلاء عن هؤلاء هو اختبار نتاجهم في ضوء المعايير العلمية والمنهجية المتفق عليها... وحينذاك سيتضح، بالنسبة لكاتبَيْن موسوعيَّيْن كالعقاد وسيد قطب، أو هيغل ومالرو، كيف أن الموسوعية ممكنة تماماً، كما أنها عصب البنية الثقافية لأي عصر وأية بيئة.


(6) دعوتك لمجابهة التقديس والتضخيم في محلّها تماماً، خاصة ونحن نعيش زمن الادّعاء والتضخم السرطاني للأنا.


(7) حقاً إننا بأمس الحاجة إلى عقد سلسلة من الندوات لتحديد المصطلحات... ومع ذلك فإن العديد من إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي قد عالجت هذه المسألة، والحمد لله...


(8) لا أقول: علم نفس العمالقة... ولكن علم نفس الإبداع... وقد كتب فيه الكثير...


(9)   مهمتي الراهنة تنصب على تقديم الإسلام مشروعاً حضارياً.


(10)  تم الاتفاق منذ عدة أعوام مع دار ابن كثير في دمشق وبيروت على إعادة طبع معظم أعمالي، تلك التي نفدت، أو التي لم تصدر بعد.


(11)  القراءة أوّلاً لأنها الزاد والوقود الذي ينمّي ويحرك الرصيد الفكري، ويدفع إلى الكتابة... وهذه ليست انتظاراً للحظة التجلي، كما يحدث في دائرة الإبداع، ولكنها ممارسة إرادية تصير معه تقليداً يومياً... شرط أن تتشكل في ذهن الباحث – أولاً – موضوعات ذات أهمية تغريه بالكتابة، وتضعه في دائرة القلق الفعّال الذي يدفعه دفعاً إلى إخراج ما يعتمل في فكره...


(12)  التخصّص لا يتعارض مع الموسوعية، إذ يكمل أحدهما الآخر، فلندع الطرفين يعمل كل فيما يسّره الله له... ولكني أؤكد للمرة العاشرة، أن الحياة الثقافية لن تخفُقَ وتتنامى إلّا بوجود الموسوعيين... وأن ادعاء الموسوعية لا يلغي القدرة عليها.

لك محبتي وإعجابي.


***

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب