رسائل في فن البلاغة نحو قراءة نقدية ميسرة للبلاغة العربية (3/2)

المقالات

 

الرسالة الخامسة: في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء

يركز البلاغي في مبحث علم المعاني على وضع تصنيف للكلام من شأن المتكلم الإفادة منه عند صياغة خطابه، ولعل وضع النظريات يكون دائمًا في مرحلة متأخرة تأتي بعد الاستخدام التطبيقي أو الأداء الفعلي للفرد وللجماعة؛ فمن وضع القاعدة النحوية قديما نظر بدايةً إلى المستخدم العربي وكيف يبني كلامه، ثم جاء بعد ذلك ليقول هذا فعل وهذا فاعل وهذا مفعول

النظرية دائما تأتي بعد التطبيق وليس العكس وأشهر مثال على ذلك الخليل بن أحمد واضع علم العروض العربي؛ إن هذا الرجل نظر إلى المبدع العربي قديمًا وحديثًا(في زمنه) وكيف يقرض قصديدته فأيقن أن هذا القرض يسير على منهجية معينة، جاء تفصيل القول فيها من خلال ستة عشر بحرًا شعريًا تحدث عنهم الخليل مع حديثه عن القافية التي تأتي في نهايات القصيدة.

وعندما نتحدث عن تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء فإننا نتحدث عن شيء ليس بجديد؛ إنه الكلام الذي نستخدمه في منطوقنا القولي وفي كتاباتنا أيضًا.

-       الخبر: هو حقيقة نختلف حولها إما بالتصديق وإما بالتكذيب، ولعل أبرز خبر اختلف حوله البشر هو خبر وجود خالق لهذا الكون علينا أن نعبده، فمازال الحال بين مكذب له ننعته بالكفر و مصدق ننعته بالمؤمن، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين ومسألة التصديق بهم وبصدق ما جاءوا به من عدمه وآخرهم نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه ربنا مخبرًا عن حال المخالفين له معه " ويقول الذين كفروا لست مرسلا"

وينقسم هذا الخبر  إلى قسمين، وقد التقى هذا التقسيم مع حقل النحو العربي:

القسم الأول: الخبر الاسمى عندما نقدم للمتلقي مضمونًا معينًا باستخدام الجمل الاسمية؛ أي التي تبدأ بالاسم، فعندما أقول: الله موجود، محمد رسول، مصر دولة، هي كلها إشارات خبرية تعبر عن حقائق لها طبيعة ثابتة، والثبات هاهنا يرجع إلى أن المتكلم لم يستخدم أفعالًا في كلامه، إنما هي أسماء. إن الخبر الاسمي حقيقة أعرضها على القاريء مجردة من الزمن.

القسم الثاني: الخبر الفعلي: في هذا المقام نجد أن المتكلم أو الكاتب يحاول أن يعرض علينا حقيقة ملتصقة بالزمن هذا الزمن كما نعرفه ينقسم إلى أنواع ثلاثة: الماضي، الحاضر (المضارع)، المستقبل، فبالنظر إلى النوع الأول نجد أن المتكلم في لجوئه إلى استخدام الفعل الماضي يقوم مقام الراوي أو القاص، وليس أدل على ذلك من نصوص القرآن الكريم التي تتحدث عن حال الأنبياء مع أقوامهم؛ إذًا فإن نوعية الزمن تضفي على المتكلم حضورًا خاصًا إذا حاول هذا المتكلم أن يقدم لمتلقيه حقيقة مقترنة بزمن قد مضى؛ إنه الآن في موقع الراوي أو القاص الذي يسرد شيئًا حدث؛ هذا السرد إما أن يعبر عن أشياء حدثت بالفعل يصبح إذن تاريخًا وإما أن يعبر عن أشياء خيالية لم تحدث هو إذن فن قد يتجسد في شكل قصة قصيرة مثلًا أو رواية أو مسرحية، وبالانتقال من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع نجد أن الكلام الخبري يتخذ وجهة جديدة عندما يعبر عن  اللحظة الحاضرة أو الموقف المعيش الذي يعكس فكر الكاتب و الزمن الذي يحياه.

هنا يصبح المتكلم أشبه بواصف لواقعه، ومن يقرا هنا مقالات الرأي في الصحف أو المجلات، يجدها دائمًا تعبر عن قضايا ترتبط بالزمن الآني المعيش، وكثرة استخدام الفعل المضارع في الجمل الخبرية يعني أننا أمام حال قائم وقابل للتجدد أيضًا، فعندما يقول ربنا مخطابًا نبيه – صلى الله عليه وسلم  " ويقول الذين كفروا لست مرسلا " إن ربنا يخاطب نبينا في زمنه، في حاضره الذي عاشه وفي كل زمن تالٍ أيضًا؛ لأننا نرى أن تكذيب النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يكن مقصورًا على زمنه فقط؛ ففي كل زمان منكرون لنبوته، كما أننا نجد في كل زمان ملحدين ينكرون وجود الله من الأساس.

-  الفعل المستقبل: واضع النظرية العربية قديمًا حدد شكلًا للفعل الذي يعبر عن الزمن الآتي هو أن تلتصق به السين للدلالة على المستقبل القريب وسوف للدلالة على المستقبل البعيد، ولنقرأ معًا قول ربنا " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " ؛ إن تحويل القبلة حدث يختبر الإيمان ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعرف المؤمنون من يعبد الله حق العبادة ومن يعبده على حرف، إن التصاق السين بالقول هاهنا يأتي إنسجامًا مع رد الفعل السريع لحادث تحويل القبلة إلى بيت الله الحرام من قبل جماعة يهود الذين تساءلوا مستنكرين.

 هذا عن المستقبل القريب أما المستقبل البعيد فنحتاج معه إلى استخدام (سوف مع الفعل المضارع)، ولنقرأ معًا قول ربنا: " قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كنَّا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم" إن أبناء يعقوب طلبوا من أبيهم الدعاء ليغفر الله لهم بعدما فعلوه من عقوق بالأب وإساءة إلى الأخ النبي يوسف عليه السلام، لكنه لم يقل لهم سأستغفر لكم، وهذه إشارة بلاغية تحتاج إلى وقوف؛ إن نبي الله قد أخر دعاءه إلى النصف الثاني من الليل الذي يرجى فيه إجابة الدعاء من الله، وفي تفسير آخر  قيل: إنه أخر الدعاء إلى ليلة الجمعة فهي من الليالي الطيبة، هنا ننتقل من الإشارة البلاغية إلى فعل تعبدي نتعلمه من نبي؛ ألا وهو توخي ساعات الإجابة التي يتقرب فيها الرب من العبد؛ فالمسألة ليست بلاغية قولية إذًا، لكنها تتجاوز ذلك إلى العبادة.

 من هذا الزمن الأخير يتضح أن الخبر الفعلي الذي يلجأ إلى المستقبل يسافر بعقل القارئ إلى حقيقة لم تحدث بعد، لكن حدوثها أمرٍ متوقع، وبالتزامن مع المضارع الذي ينطق فيه هذا المتكلم بكلامه يرسم أمام المتلقي ملامح زمن لم يحدث وكأنه يفتح شهية القارئ النزَّاع إلى المعرفة؛ لكي يعمل خياله ويتصور ما سيحدث، ولعل هذا الخيال هو الذي يجعلنا نقرأ مطمئنين عن الجنة والنار وإن كنا لم نرهما فنعيم الجنة وعذاب النار يحفز النفوس التقية للعمل؛ إن المستقبل غيب، وفي الغيب أشياء حتمية الوقوع لا مناص من الإيمان بها والتسليم بحقيقة وجودها؛ لذا يقول ربنا في بدايات سورة البقرة " ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون". إن النص القرأني كلام الله يقف بنا مع الأزمنة الثلاثة في تشكيلاته الخبرية، بحيث تأتي ألفاظه وعبارته مفتوحة على تأويلات لا عدد لها؛ فمادام المستقبل مفتوحًا فإن التأويل أيضًا مفتوح غير مغلق، وهذا يجعلنا نقف أمام تفسير الآية التي تقول " قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " إن عدد سور القرآن وعدد آياته وعدد ألفاظه وحروفه معلوم محدود؛ فكيف إذن ينفد ماء البحر ولا تنفد كلمات ربي؟! هو إذًا إعجاز النص الذي يجعله مفتوحًا على أفق من الدلالات والتأويلات لا يعلم حدوها إلا الله.

الرسالة السادسة: في الإنشاء الطلبي وغير الطلبي

   مبحث الإنشاء: كلمة الإنشاء في اللغة تأتي على النقيض من الخبر؛ فإذا كانت هذه الأخيرة تعني منطوقًا لغويًا يحتمل الصدق أو الكذب، فإن الإنشاء على العكس تمامًا: منطوق لغوي لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، لكن ماذا يريد صاحبه من وراء قوله ؟ إن العربي القديم واضع النظرية يقول لنا: إن الإنشاء يساوي الطلب، عندما يأخذ المتكلم المستمع إلى غاية محددة، هذا الأخذ يتشكل في أنواع أثيرة: الأول: الأمر. والثاني: النهي. والثالث: الاستفهام.

1- الأمر: في منظومة الكلام قد يكون المتكلم في مرتبة أعلى من مرتبة المستمع أو المتلقي، هنا نسمي هذا أمر، ولعل أوضح الأمثلة على ذلك آيات القرآن الكريم التي تحمل أمرًا من الله لعباده " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". إن منظومة الكلام هاهنا فيها الأرض والسماء، فيها الأرض حيث البشر والعباد وفيها السماء حيث الله الواحد الأحد، وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي أيضًا نستطيع أن نقول: إن طلبات الرئيس والمدير والأستاذ لمرؤوسيه وللعاملين عنده وللطلاب تندرج تحت هذه النوعية من الإنشاء.

والكلام هاهنا في بدايته اللغوية الظاهرة لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا لكن استجابة المتلقي قد تحيله إلى خبر فيه الصدق والكذب في ذاته، هذا من ناحية، وإذا كانت الإجابة عن الطلب بسمعنا وأطعنا فهذا يعني التصديق لما يقال، وإذا كانت غير ذلك فهذا يعني بطريق غير مباشر التكذيب والرفض من ناحية ثانية.

2- النهي: معناه طلب عدم القيام بفعل محدد في المستقبل، يقول ربنا " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ويقول أيضًا: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". ويقول الشاعر: لا تنه عن حلق وتأت مثله = عارٌ عليك إذا فعلت عظيم.

هنا يتضح أن النهي يرتبط بزمن مضارع يفهمه قارئ الكلام، هذا المضارع يتضمن دعوة إلى تشكيل الزمن المستقبل بطريقة معينة، تخلو من الفعل المراد العزوف عنه، من هذا العرض نستطيع أن نقول: إن العلاقة بين الأمر والنهي تبدو متقاربة من حيث تعبير كل منهما عن الطلب وعن إرادة المتكلم ورغبته في أن يقوم المستمع بأمر محدد أو بشيء محدد، لكن الأمر يعني الإثبات، بينما النهي يعني النفي حتي يأتي المستقبل خاليًا من فعل معين.

3- وبعد الأمر والنهي يأتي الاستفهام: وهو طريق المعرفة وسيلة الإنسان في اكتساب الخبرات، ولنلاحظ معًا كلمة خبرة إنها من الخبر أي المعرفة والمعرفة تأتي من طريق مهم جدًا ألا وهو السؤال والسؤال في لغتنا العربية مثله مثل السؤال في كل لغات البشر يعتمد على صياغات شتى، هذه الصياغات تتمثل في: ما التي تسأل عن غير العاقل وضدها من التي تسأل عن العاقل أو الإنسان؛ فالبحث عن المعرفة داخل هذا العالم تكون بالوصول إلى ما فيه من بشر وأشياء.

ويضاف إلى هاتين الأداتين هل  وهي أداة شديدة الخصوصية؛ فمستخدمها يريد من ورائها أن يعرف إجابة محددة إما أن تكون بالإثبات وإما أن تكون بالنفي ويبدو أن تقسيمنا للبشر من حولنا إلى مؤيد ومعارض يمثل خبرة أو لنقل جوابًا اكتسبناه وعرفناه لما سألنا باستخدام أداة الاستفهام (هل)

إذًا فإن فكرة التصنيف القائمة على القبول أو الرفض أو حتى الحياد المتمثل في عدم اتخاذ موقف يميل ناحية أي من الطرفين تعد بمثابة تعبيرات رمزية عن هل التي نسأل بها العالم فتكون الإجابة بهذه الطريقة.

وهناك أداة الاستفهام (كيف): هي وسيلة في المعرفة شديدة الأهمية؛ إنها دعوة إلى معرفة الوسائل والإجراءات التي نلجأ إليها للوصول إلى غايات معينة؛ فإذا قلت مثلًا:  نزل القرآن منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، هذا يعني أن وراء هذه الحقيقة أو هذا الخبر متكلمًا يستفهم ويريد أن يعرف الوسيلة، قد يكون هذا المتكلم غير موجود صراحة في منظومة الكلام، لكن المحلل للنص والمفسر له يفترض وجوده ويضع هذه الأداة الاستفهامية تعبيرًا عن هذا الوجود، كما أنها أيضًا أداة لمعرفة الحال الذي يعبر عن الشخصية في شكلها الظاهري أو عن الشخصية في هيئتها المعنوية؛ عندما أقول: العالم يئن تحت وطئة ظلم وهيمنة شديدين؛ إنني خلف هذا الوصف ألمح سائلًا يسأل: كيف ترى حال العالم الآن ؟  وعندما أقول: رأيت محمد صادقًا، جاء محمد ماشيًا: كلها أخبار تمثل نتائج لأسئلة كان منطلقها الأداة (كيف) وما دمنا  نسأل عن الوسيلة فللغاية سؤالها أيضًا.

إنها أداة الاستفهام (لماذا) إن البحث عن علل الأشياء وأسبابها يحتاج إلى هذه الأداة؛ إنها سؤال الفلاسفة الذين يتعمقون في تفاصيل الظواهر الخارجية وصولًا إلى ما وراءها، أو كما يطلقون عليه العلة الأولى؛ فهذا الكون من وجهة نظر الفلاسفة بما فيه من بشر وأشياء معلول أو لنقل مفعول خلفه فاعل أنجزه، وعندما يقول ربنا: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وعندما يقول عز وجل " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون " إن الله في هاتين الآتين يعطي لعباده إجابتين عن سؤال يتكرر، خلفه لماذا ؟ وكأننا أمام سائل يسأل: لماذا خلقنا الله ؟ إذن تكون الإجابة في هذه العلة المتمثلة في العبادة وإعمار الأرض بذكر الله وبتوحيده، ولعل هذه الأداة هي التي تبرز لنا ما يسمى بالمفعول لأجله في لغتنا العربية، هذا المفعول لأجله هو الذي يفسر لنا علة قيام الفاعل بفعل معين، عندما نقول: خلقنا الله للعبادة يتضح أن الخلق هنا لم يات عبثًا وهكذا نحن في حياتنا لا يوجد فعل نقوم به بلا مبرر يدفعنا إلى ذلك.

 ولا شك أن هذه الأدوات ليست وحدها في مجال الاستفهام، بل يضاف إليها متى التي تسأل عن الزمن وأين التي تسأل عن المكان، ونحن في تعاملنا مع حقول المعرفة المختلفة نجد هاتين الأداتين واضحتين في حقلين معرفيين مهمين هما حقل التاريخ وحقل الجغرافيا؛ فالتاريخ روايات لأحداث ارتبطت بزمن قد مضى، هنا نجد أن أداة الاستفهام متى تفرض نفسها على هذا المقروء التاريخي، وإلى جانبها تأتي أداة الاستفهام أين التي تدلنا على الأماكن، ولعلنا في دراستنا للنصوص الأدبية وغيرها، نجد أنفسنا بحاجة إلى معرفة ما يمكن أن نسميه بجغرافيا النص وتاريخ النص؛ أي فضاء المكان الذي ظهر فيه هذا النص وأثره في صاحبه، فكما يقولون: الإنسان ابن بيئته؛ فمعرفة المكان ضرورية في تأويل النص ومحاولة استخراج ما يتضمنه من معانٍ، الحال نفسه ينطبق على التاريخ الذي يرتبط بزمن؛ فشتان بين أن أدرس قصيدة عمرو بن كلثوم (المعلقة) في العصر الجاهلي وقصيدة قالها أبو تمام في عصر بني العباس.

نستخلص مما سبق أن لكل نص مقروء ولكل شخصية نحاورها ونقترب منها سؤالين يحتاجان إلى إجابة سؤال الجغرافيا (جغرافيا النص وجغرافيا الشخصية) وسؤل التاريخ؛  إنني لا أستطيع أن أقول: إن شخصية من نشأ وتربى في مجتمع المدينة ستكون هي هي شخصية من نشأ وتربى في مجتمع الريف، كما أنني لا أستطيع أن أقول: إنني في  المرحلة العمرية الصغيرة التي كنت فيها في الثانوية مثلًا هو هو هذا الإنسان في مرحلة الجامعة وما بعدها؛ فما دام الزمن يتغير فنحن نتغير أيضًا ولا شك في أن لهذه المعاني انعكاساتها على عالم الفن، ومع أداة الاستفهام (ماذا) التي تسأل عن الفعل الذي نقوم به يكون الإنشاء الاستفهامي قد اكتمل.

مع هذا الاكتمال نستطيع القول: إن ثنائية السؤال والجواب هي التي تحكم حركة هذا الإنسان الخليفة داخل عالمه وما يحصل عليه من معارف وخبرات هو في جوهره نتائج لحزمة من الأسئلة الطلبية التي سألها لهذا العالم وأخذت في صياغتها أشكالا شتى؛ وهو ما ينطلق بنا من هذا المبحث في علم المعاني إلى تصميم محدد لعملية تحليل النص اللغوي من حيث الشكل (كيف يقول النص؟) ومن حيث المضمون(ماذا يقول..ولماذا)؛ ومن ثم تفكيكه إلى أجزاء:

الكلمة:  اسم، فعل، حرف

    إنسان         غير إنسان        

                                          ماض    مضارع    أمر

الجملة : خبر إنشاء

        اسمي      فعلي                أمر/ نهي    استفهام        نداء

-       العبارة: مجموعة جمل في شكل منظومة اتصالية بها متكلم ومستمع

-       البعد المجازي أو الخيالي الموجود في النص ومدى تحققه: ما الدلالة الكامنة وراءه. وما يبثه من دلالات يندرج تحت مبحث البيان في البلاغة.

- ماذا يقول النص لعصره وللعصر الذي أعيش فيه؟ سؤال  المحتوى والمضمون.

- لماذا قال النص ما قال؟ فلسفة النص؛ ما الذي لم يقله النص ؟ ما الذي لم يقله الكاتب؛ إننا مع هذا السؤال أمام عملية شديدة العمق والخطر تبحث فيما وراء النص، في الجانب الميتافيزيقي الغيبي غير المنظور والمرئي من النص.

 

الرسالة السابعة: توطئة في علم البيان

كلمة بيان: تعني الإيضاح وهي كلمة تأخذ القارئ إلى المحتوى الدلالي الذي يقصده النص، ولا شك في أن هذا المحتوى يحتاج في الوصول إليه إلى الوقوف عند الشكل أولًا، والمقصود بالشكل هاهنا صياغة النص: ألفاظه وتراكيبه، ويمكننا أن نقول: إن هناك علاقة يحاول البلاغي منذ القدم أن يقيمها بين الموضوعات التي يتضمنها هذا العلم والشكل الخارجي للنص، إن عبد القاهر الجرجاني عندما تحدث عن هذا العلم من علوم البلاغة أوضح أنه يركز على الجانب الخيالي أو المجازي داخل الكلام وما يؤديه من دور بالنسبة إلى الدلالة التي يقصدها النص.

ولهذا العلم دور في الفصل الذي نقيمه بين الواقع والأدب؛ فالأدب على اختلاف أشكاله لعبة تقوم على (الخيال / المجاز) الذي هو مناط اهتمام علم البيان؛ فالأدب تعبير عن الواقع بطريقة خاصة جدًا تتسم بالجمالية، والفرق بينه وبين التاريخ والتقارير والمذكرات هو في الخيال الذي يميزه ومادمنا نتحدث عن هذا الفرق فإنه يظهر أمامنا على الفور في أفق المعرفة مصطلح (الرمز) إننا نقول: إن الأدب عالم ملئ بالرموز والرمز في أيسر معانيه توظيف الكلمة(اللفظ/الدال) في غير معناها الحقيقي الذي تستخدم من أجله في الغالب.

أول نتيجة نصل إليها ونحن نقترب من هذا المبحث في علم البلاغة أن هناك فرقًا بين المعنى المعجمي للكلمة والمعنى الأدبي لها الذي يتحقق من خلال وجودها في قصيدة الشعر أو في القصة القصيرة أو الرواية... إلى آخر فنون الأدب المختلفة.

ويأخذنا هذا الفرق إلى فكرة الحضور الموضوعي أو المرجعي للشيء داخل العالم الذي نتفق عليه جميعًا في الغالب، والحضور النفسي أو الذهني لهذا الشيء بداخل كل واحد فينا، هي الشمس نجم مضيء تشرق كل يوم وتغرب في مواقيت محددة، لكن أديبًا يوظفها في سبيل التعبير عن الحياة الشاقة التي تؤلم الإنسان وتتعبه، ويأتي آخر ليوظفها في سبيل الإشارة إلى النهار، الذي هو نقيض الليل وفيه الحركة والعمل الذي هو ضد السكون، وآخر ينظر إلى الشمس بوصفها علامة على ميلاد جديد وحياة جديدة أكثر إشراقًا وتفاؤلًا من حياة ملؤها الهموم والأزمات.

البيان إذًا عملية ذات طابع رحلي تعتمد على الانتقال من حال إلى حال؛ فمن حال الصمت والتخفي بما يموج داخلنا من فكر وشعور إلى حال الكلام والإظهار، ساعتها تنتقل مشاعرنا وأفكارنا من التجرد إلى الملوس، ومن المخبوء إلى المعلوم.

والحديث عن البيان بالكلام يأخذنا إلى مصطلح العلامة اللغوية عند عالم اللغة السويسري الشهير فردينان دي سوسير في كتابه الأثير محاضرات في علم اللغة العام، وارتباط هذه العلامة بالشكل الظاهري للكلام (الدال)، وبالمعنى الكامن وراء هذا الشكل (المدلول)، والحديث عن المدلول يتسع ويمتد ليشمل المدلول القريب المباشر، والمدلول الإيحائي غير المباشر، وارتباط الاثنين بالقالب الكلامي (أدب أو غير أدب) وبالحالة النفسية والذهنية للمتكلم والمستمع، التي من شأنها أن تضفي على المعنى بعدًا ذاتيا شديد الخصوصية يأتي بمنأى عن المعنى الموضوعي المتعارف عليه في سياق الواقع المعيش.

 

الرسالة الثامنة: أول درجة في سلم الخيال: التشبيه

نأتي إلى أول درجة في سلم الخيال؛ ألا وهي (التشبيه) إن هذا الأسلوب الذي نجده كثيرًا في نصوص اللغة يقوم على منطق مهم جدًا ألا وهو إدراك الإنسان بصفة عامة لما في العالم من متماثلات، إن هذا الكون الذي خلقه ربنا على ما فيه من بشر وأشياء به مناطق ومساحات للاتفاق، ومساحات أخرى للاختلاف، هنا تأتي قيمة المقارنة التي نعقدها بين طرفين أو أكثر، إن الإنسان منذ أن خلقه الله إلى يوم القيامة هو في جوهره عقل، وللاثنين أداة واحدة تعبر عنهما هي اللسان، هذه مسلمة كلنا يتفق عليها، لكن هناك مساحات من الاختلاف بين البشر تعود إلى المرحلة الزمنية واللغة والثقافة والعقيدة والمكان، إن ربنا يقول: "ما حلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير"، من هذه الآية نعرف أن بني آدم كلهم متفقون في ماهية واحدة لكن بينهم مساحات من الاختلاف نلمسها في قوله تعالى: "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين". وقوله تعالى في سورة الحجرات: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا".

إن التشبيه في حقيقته جملة تتكون من طرفين أساسيين: مشبه ومشبه به؛ أقول: العلم كالنور في الضياء، والجهل كسواد الليل في الظلمة. لقد أدرك واضع هاتين الجملتين أن هناك متشابهات في هذا العالم؛ فالعلم والجهل أمور نعرفها جيدًا وبينهما وبين النور والظلام أوجه تشابه. هنا نستطيع أن نقول: إن أسلوب التشبيه في حقيقته جملة تعتمد على المقارنة، لكن المقارنة في هذه الحالة بالتحديد تركز على جوانب الاتفاق التي تجمع الطرفين.

وعندما يقول ربنا: " وهي تجري بهم في موج كالجبال " فإن الذات الإلهية هاهنا تقف بالقارئ أمام دلالة لها هولها الذي يدل على عظم العذاب الذي نزل بقوم نوح عليه السلام، إن السماء التي تدفق منها الماء والأرض التي تفجرت وصارت عيونًا جعلت الماء في ارتفاعه الذي يغرق ويهلك أي شئ أمامه مثل الجبل العالي الشامخ، والنص هاهنا والتشبيه هاهنا يريد أن يصل إلى قمة الأثر النفسي عند القارئ عندما يحصل الترهيب بداخله؛ فالجبل مخيف وكذلك الموج العالي؛ إن جملة التشبيه لها دلالات ولها مقاصد تريد أن تحققها عند المتلقي، وربنا الذي يقول واصفًا الشجرة المعلونة في القرآن (الزقوم): " إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. طلعها كأنه رؤوس الشياطين" فإننا مع منطوقه نجد أنفسنا أمام مشبه هو الطلع أو ثمر شجر النار وأمام مشبه به هو رءوس الشياطين، وأداة تشبيه هي الكاف، إن الخوف من النار يجب ألا يكون بالسمع فقط عن شيء غيبي، لكن بمحاولة تجسيد المشهد في شيء يعرفه العربي جيدًا؛ إن الشيطان مخلوق مذموم، وعقلية العربي تنظر إليه على أنه رمز لكل قبيح تأبى العين رؤيته؛ إن من المعلوم أن المشبه به دائمًا في أسلوب التسبيه يكون أكثر وضوحًا وأكثر شهرة عند القارئ؛ لذلك فإن المتكلم يستعين به في كلامه لكي يصل إلى دلالة محددة يريد تحصيلها مع المشبه.

 وفي لغتنا العربية أشكال عدة للتشبيه فهناك على سبيل المثال:

التشبيه المفصل: الذي تتحقق فيه كل الأركان: المشبه  والمشبه به  وأداة التشبيه ووجه الشبه؛ مثل: محمد كالأسد في الشجاعة.

التشبيه المرسل: وهذا يعني وجود المشبه والمشبه به وأداة التشبيه فقط؛ مثل: محمد كالنور، هنا نستشعر أن هناك مساحة ناقصة نستكملها نحن لهذا سمي بالمرسل؛ لأنني لم أجد مناطق الاتفاق بين الطرفين ظاهرة في بنية الجملة.

التشبيه البليغ: أعلى مراتب التشبيه الذي يتحقق بوجود الطرفين فقط المشبه والمشبه به دون ذكر الأداة ودون ذكر وجه الشبه، عندما أقول: الصلاة نور والصدقة برهان. وعندما أقول: العلم نور والجهل ظلمات.

إن التشبيه درجة أو لنقل مرحلة انتقالية بين الواقع والخيال، إنه يعترف لكل طرف حضوره المستقل، لكنه يحاول أن يقيم في الوقت نفسه جسرًا رابطًا على مستوى المعنى بين الطرفين؛ فالجهل له معناه والظلام له معناه، هذا هو الواقع، لكن الخيال يدخل ليقيم ربطًا بين الاثنين؛ فالجهل يعني غياب المعرفة التي توضح للإنسان المجهول في هذا العالم، والظلام يعني أيضًا الغياب لكن غياب النور الذي يوضح للإنسان الأشياء الموجودة داخل هذا العالم.

ومن هذا الكلام يبدو أيضًا أن هناك المشبه المعنوي والمشبه به المادي أو الحسي، ما معني ذلك ؟ إن هناك في الكلام ما يسمى بالدلالة الحسية والدلالة المعنوية، والدلالة الحسية هي التي يتم إدراكها بالحواس الخمسة عند الإنسان: السمع والبصر والتذوق والشم واللمس، وعندما أقول: ظلام ونور فهاتان الكلمتان يتم إدراكهما بالعين بوصفها حاسة، وعندما أقول جهل وعلم فهاتان كلمتان تعطيان دلالات معنوية أو ذهنية يتم إدراكها من خلال العقل.

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب