المرأة السائلة

القصة

العدد 89

 

   في صباح يوم بهيٍّ من أيام الصيف، خرج والدي من بيته متجها نحو الشاطئ الذي لا يبعد عن البيت إلا بضعة أمتار؛ ليلقي نظرة على البحر الساجي، وناهيك به، فهو يبهج الأنظار؛ ويأخذ بالألباب.


    وقد وصف لي الجو يومها بأنه كان كالعطر الأصيل، والبحر في هدوء يريح العليل؛ يغري بالمكوث بجواره، والسباحة بين تلاطم أمواجه؛ وبينما هو يتأمل في البحر وزرقته، وعظمة الخالق وقدرته؛ لمحت عيناه امرأة تخطو نحوه خطوات متثاقلة؛ وهي تضع نظارة شمسية؛ وقبعة دائرية؛ حتى ليُخيّل إليك أنها امرأة غربية.


   ولما دنت منه، ظنها تريد أن تسأله عن مكان ما؛ ليدلها عليه، لكنها فاجأته قائلة: أعطني درهماً؛ فقال لها والحيرة بادية على محيّاه: ماذا تريدين بالدرهم؟ فقالت: أريد أن أسدد به ثمن ركوب الحافلة؛ فتعجب من قولها؛ وأعلمها أن درهماً واحداً لا يكفي لركوب الحافلة -إن كانت جاهلة ذلك أو تتجاهله-؛ فأجابته بأنها ستجمع النقود لتسدّ به ثمن ركوب الحافلة؛ فقال لها: من يراك على هذه الشاكلة سيخالك ميسورة الحال؛ وأخرج من جيبه –وهو الرجل الكريم الجواد المعطاء- ما شاء الله له أن يكون في جيبه ذاك الصباح، وناولها إياه، وطلب منها أن تدعو له مع الابن؛ فقالت بنبرات يعلوها الفرح: (الله يعطيه النجاح؛ ويخلّي ليك الوليدات).


   لم تضف تلك السيدة شيئا آخر؛ وانصرفت ميمّمة طريقا جنوب المدينة القابعة في سكونها، وظلت تسير وتسير حتى توارت عن ناظره؛ وراح الوالد الكريم يسائل نفسه بشأن حال هذه المرأة وأضرابها؛ التي مدّت يدها مقابل درهم.


    فواضيعة نسائنا! وقد عزَّ عليهن الحصول على الدرهم والدينار، في مجتمع يتطلعون فيه إلى من يحميهن من الفاقة وتغيّر الحال، ويصون ماء وجوههن عن السؤال.

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب