الحِمارُ والقِرْدُ
كتب  شاكر صبري ▪ بتاريخ 01/11/2022 12:11 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 129

 

 كانَتْ القُرودُ تَعيشُ في مِنْطَقَةٍ جَبَلِيَّةٍ مَليئَةٍ بِأَشْجارِ الموْزِ والنَخيلِ وغَيْرِها منْ مُخْتَلَفِ أَنْواعِ الفاكِهَةِ, وكانَ بِجِوَارِ هَذِهِ المِنْطَقَةِ مِنْطَقَةٌ أُخْرَى جَبَلِيٍّة تَعيشُ فيها قَبيلَةُ الحَميرِ, وكانَ بَيْنَهُما مَجْرَي مائي ضَيِّقُ يُمْكِنُ لِلْقُرودِ أَنْ تَجْتَازَهُ بِالَقٍفزِ, أَمَّا الحَميرُ فَكَانَتْ لا تَسْتَطيعُ عمَلَ ذَلِكَ.

 كانَ بِإِمْكانِ الحَميرِ أنْ تَقومَ بِنَقْلِ التُرابِ لِرَدْمِ جُزْءٍ مِن النهر لِكَيْ يَسْتَطيعُوا العُبوَر إلَى القُرودِ ولَكِنْ تَرْفُضُ ذَلِكَ لِأن الحَمير لا تُحِبُّ أَنْ تَلْعَبَ مَعَ اْلقُرُودِ فهي تَعْلَمُ أَنَّ القُرودَ تُحِبُّ القفز والعَبَثَ كثيراً والحَميرُ تُحِبُّ الهُدوءَ والسَكينَةَ.

 كانَ القِرْدُ مَيْمونُ أَذْكَى القُرودِ في هَذِهِ المِنْطَقَةِ, وأَصْغَرُهُمْ سِنَّاً. كانَ يُحِبُّ اللعبَ والقَفْزَ كَثيراً, وكانَ مَعْروفاً بِالِحيَلِ والخِدَعِ التي تَجْلِبُ الضَحِكَ والمَرَحَ بَيْنَ الأَصْدِقاءِ.

 وبَيْنَما كانَ يَلْعَبُ هُوَ وَزُمَلاؤهُ ذاتَ يَومٍ, رَأَوْا في الناحِيَةِ الأُخْرَى التي يَسْكُنُ فيها الحَميرُ حِماراً جَميلاً وَقَوِيَّاً, يَحْمِلُ فَوقَ ظَهْرِهِ الكَثيرَ مِن الأَحْمالِ, فقَالَ مَيْمونُ: ما رَأْيُكُمْ أَنْ أَجْعَلَ منْ هَذا الحِمَارِ أُضْحوكَةً لَكُمْ؟ قالوا: كَيْفَ؟

 قالَ: سَوْفَ أُريكُمْ ذَكائِي وحِيَلِي.

اتَّفَقَ هُوَ ومَجْمُوعَةً مِنْ أَصْدِقائِهِ علَى أَنْ يَقوم بِعَمَلِ حيلَةٍ معَ هَذا الحِمارِ لِكَيْ يَجْعَلَهُ أُضْحوكَةً لِلْقُرودِ.

واسْتَطاعَ مَيْمونُ أَنْ يَقْطَعَ فَرْعَ شَجَرَةٍ كَبيراً ومَتيناً لِيَعْبُرَ عَلَيْهِ إلَى المِنْطَقَةِ التي تَعيشُ فيها الحَميرُ.

ذَهَبَ القِرْدُ إلَى الحِمارِ وهُوَ يَعْرُجُ بإحْدَى قَدَمَيْهِ, وقالَ لَهُ: إِنَّني قَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ يا صَديقي الحِمارُ في أَمْرٍ مُهِمٍّ, وكُلِّي رَجَاءٌ وثِقَةٌ فيكَ.

 قالَ لَهُ الحِمارُ: علَى الرَحْبِ والسَعَةِ يا صَديقِي القِرْدُ.

 فَقَال القِرْدُ: كَمَا تَرى يا صَديقي, إِنَّ قَدَمِي قَدْ أُصيبَتْ. وأَنا لَمْ أَعُدْ قادِراً علَى القَفْزِ لِكَيْ أَجْني ثِمارَ المَوْزِ والفاكِهَةِ من الأَشْجَارِ، وغَيْر قادِرٍ علَى حَمْلِها.

 إنَّ أَبي وأُمِّي قَدْ كَبُرا في السِنِّ وأَصْبَحا غَيْرَ قادِرَيْنِ علَى جَنْيِ الثِمارِ.

 إنَّكَ يا عَزيزي الحِماَر سَوْفَ تُقَدِّمُ عَمَلًا طَيِّباً وجَميلًا لَنْ أَنْساهُ لَكْ أَبْداً.

 وكُلُّ ما أَرْجوهُ مِنْكَ عَزيزي الحِمار أنْ تَحْمِلَني فَوْقَ ظَهْرِكَ وتَسيرَ بي بَيْنَ أَشْجارِ الفاكِهَةِ لِكَيْ أَسْتَطيعَ جَنْيَ الثِمارِ بِسُهولَةٍ ويُسْرٍ.

قالَ الحِمارُ: ولَكِنْ لِماذا لَمْ تَذْهَبْ لِأَصْدِقائِكَ من القُرودِ لِيَحْمِلوكَ علَى ظُهورِهِمْ؟

قال القرد: أَنْتَ تَعْرِفُ يا صَديقي أَنَّهُم ضِعافُ الِبنْيَةِ, وأَيْضًا هُمْ قِصار القَامَةِ. إِنَّكَ يا صَديقي قَوِيٌّ وتَسْتَطيعُ حَمْلي وحَمْلَ سَلَّتي وهِيَ مَمْلوءَةٌ بالفاكِهَةِ فَوْقَ ظَهْرِكَ بِسُهولَةٍ دونَ تَعَبٍ.

 لَقَدْ قيلَ عَنْكَ: إنَّكَ حَمارٌ طَيِّبٌ ولَطيفٌ ومُخْلِصٌ, ولهذَا جِئْتُ إِلَيْكَ وكُلِّي أَمَلٌ أنْ تَسْتَجيبَ لِطَلَبي.

 قالَ الحِمارُ: لا تَقْلَقْ يا صَديقِي القِرْدُ سَوْفَ آتي مَعَكَ وأُساعِدكَ.

ولكن كيف أستطيع عبور النهر؟ إنه عميق وربما غرقت!..

قالَ القِرْدُ: هُناكَ مَكانٌ ضَيِّقٌ جِدَّا سَأَدُلُّكَ عَلَيْهِ, تَسْتَطيعُ أَنْ تَقْفِزَ بِسُهولَةٍ لِتَعْبُرَ إلَى الضَفَّةِ الأُخْرَى, والتي نَسْكُنُ فيها, والـملِيئَةُ بِأَشْجَارِ الفاكِهَةِ.

 وذَهَبا إلَى هُناكَ واسْتَطاع الحِمارُ أَنْ يَقْفِزَ بِسُهولَةٍ ويُسْرٍ لِيَعْبُرَ إلَى الضَفَّةِ الأخرى. وانْطَلَقَ الحِمَارُ يَحْمِلُ القِرْدَ فَوْقَ ظَهْرِهِ, والقِرْدُ يَجْني الثِمارَ ويَضَعُها في السَلَّةِ, حتَّى كادَتْ أنْ تَمْتَلِئَ.

 كانَ للْحِمَارِ صَديقٌ مُخْلِصٌ لمْ يَعْرِفْ ما حَدَثَ.

وحينمَا سَأَلَ عَنْهُ قيلَ لهُ: لَقَدْ ذَهَبَ الحِمارُ معَ القِرْدِ لِيُساعِدَهُ في جني الثمار.

 واسْتَطَاعَ صَديقَهُ أنْ يَعْبُرَ إلَى الضَفَّةِ الأُخْرَى, ثمَّ ظلَّ يَبْحَثُ عنْ صَديقِهِ في مَكانِ القُرودِ, وحينَمَا اقْترَبَ منْ الحِمارِ لَمْ يَدْر الحِمَار بِه فَقَدْ كانَ مَشْغولًا بِحَمْلِ القِرْدِ على ظَهْرِهِ.

 وَجَدَ الصَديقُ مَجْموعَةً من القُرودِ تَتَغامَزُ علَى الحِمَارِ, وتَقُومُ بِتَصْويرِهِ بِكاميرَاتِ الجَوَّالِ لِكَيْ تَنْشُرَها عَلي صَفَحاتِ التَوَاصُلِ الاجْتِماعِيِّ.

 كانَ القِرْدُ يَقِف علَي ظَهْرِ الحِمَارِ وهُوَ يَرْقُصُ مُسْتَهْزِئاً بالحِمَارِ, دونَ أنْ يَدْري الحمارُ بِأَيِّ شَيْءٍ.

 حَزِنَ الحِمارُ مِـمَّا حَدَثَ, ونادَى صَديقه الحِمار. وقالَ لَهُ: أنْزلِ القِرْد فَوْرًا, فأَنا أُريدُ أَنْ أُحَدِّثَكَ في أَمْرٍ هامٍ.

تَعَجَّبَ الحِمارُ قائِلاً: كَيْفَ جِئْتَ إلَى هُنا ولِماذَا؟.

 هَمَسَ في أُذُنَيْهِ وحَكَى لَهُ ما حَدَثَ, ثُمَّ قالَ لهُ: إنَّ القِرْدَ قدْ جاءَ بِكَ هُنا لِكَيْ يَخْدَعَكَ, ويَهَزْأَ بِكَ ويَنْشُرَ صُورَتَكَ علَى صَفَحاتِ التَوَاصُلِ الاجْتِماعِيِّ.

 قالَ الحِمارُ: سَأُلَقِّنُه دَرْساً لنْ يَنْساهُ أَبَداً.

طَلَبَ الحِمارُ منْ صَديقِهِ أنْ يَذْهَبَ ويَأْتي بِعَدَدٍ منْ الأَصْدِقاءِ من الحميرِ الصَغيرَةِ السِنِّ السَريعَةِ الحَرَكَةِ القَوِيِّةِ الجِسْمِ, من دون أنْ يَشْعُرَ بِهِمْ أَحَدٌ.

وعَلى الفَوْرِ اتَّجَهَ صَدُيقُه, وجاءَ بِهِمْ واخْتَبَأَ خَلْفَ بَعْضِ الأَشْجارِ حتَّى يُشيرَ إِلَيْهِ الحِمَارُ.

كانَ الحِمارُ قَدْ جَلَسَ مَعَ القِرْدِ بِحُجَّةِ أنَّهُ قدْ أصَابَهُ التَعَبُ.

تَناوَلَ الحِمارُ بَعْض ثِمارِ المَوْرِ التي جَناها القِرْدُ, وطَلَبَ من القَرْدِ أنْ يَحْكي لَهُ بَعْضَ الحِكاياتِ المُسَلِّيَةِ حتَى يَسْتَريحَ.

حينَمَا رأَى الحِمَارُ أنَّ أَصْدِقاءَهُ قدْ وَصَلُوا, ولمْ يَرهُمْ أَحَدٌ من القِرَدَةِ طَلَبَ من القِرْدِ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ إلى النهر لِيَشْرَبَ فَقَدْ عَطِشَ عَطَشاً شَديدًا, وبَعْدَ أنْ يَرْوِي ظَمَأَهُ يَعودُ ويُكْمِلُ معَه جَنْيَ الثِمَارِ. اسْتَجابَ القِرْدُ لِكلامِ الحِمارِ.

أَشارَ الحِمارُ إلَى أَصْدِقائِه دُونَ أنْ يَشْعُرَ القِرْدُ, فَسَاروا خَلْفَهُ.

وبِمُجَرَّدِ أنْ وصَلَ الحِمارُ إلى النهر, اقْتَربَ لِكَيْ يَشْرَبَ, ثُمَّ قامَ بِدَفْعِ القِرْدِ من فَوْقِ ظَهْرِهِ إلَى الماءِ.

 صرَخَ القِرْدُ: أَنْقِذوني أَنْقِذوني سَوْفَ أَغْرِقُ.

أَسْرَعَ أَصْحابُ القِرْدِ الذينَ كانوا يُتابِعونَهُ, وكانوا علَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ لِإِنْقاذِ الِقْرِد, فنزلوا جميعاً وأنقذوا القرد.

قامَ أَحَدُ أَصْدِقاءِ الحِمارِ بِتَصْويرِ القِرْدِ هُوَ وأَصْحَابَهُ وهُمْ في الماءِ.

 خَرَجَ القِرْدُ وأَصْحابُه من النهر, فَوجَدوا الحِمَارَ وأَصْدِقاءَهُ يَنْتَظِرونَهُمْ, فَتَجَمَّعوا حَوْلَ القُروِد وأَشْبَعُوهُمْ ضَرْباً، وتَمَّ التِقَاطُ بَعْضُ الصوِر لَهُمْ.

 عادَت الحَميُر إلَى مطقتها سريعاً قَبْلَ أَنْ تَشْعُرَ القُرودُ.

نُشِرَتْ صُوَرُ القرودِ علَى صَفَحَاتِ التَواصُلِ الاجْتِماعِيِّ.

أَصْبَحَتْ القرودُ أُضْحُوكَةً لِلْجَميعِ.

عادَ الحِمارُ إلَى مَكانِهِ وأَقْسَمَ أَلَّا يَأْمَن بَعْدَ ذَلِكَ لِقِرْدٍ أَبَداً.

 وأَصْبَحَ القِرْدُ كُلَّما رأَى الحِمارُ في الضَفَّةِ المُجاوِرَةِ لَهُ يَتَذَكَّرُ ما فَعَلَهُ, ويَشعُرُ بالخَجَلِ من الحِمارِ. 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب