على وشك ( من الأدب الماليزي)
كتب   ▪ بتاريخ 01/11/2022 12:05 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 129

 

الأديبة: حسيده ديسن - ماليزيا

ترجمة: د.خالد لودين

مراجعة: أ.د. منجد مصطفى بهجت

 

 

 

د. منجد بهجت. 

 

       IMG 20221بلات107 WA0020

د.خالد لودين

 

1- حَلَّ الليل، فأدركتُ ذلك من دقّات جَرَس الساعة. فهذه الليلة لها صوت؛ فالهواء البارد لامس جسدي الدافئ، فثيابي التي أَرْتَديها لا تمنع برد هذا الهواء؛ فشعر جلدي بوخز الإبر من شدة البرد حتى وصل لصدري وقلبي. وداهمني سعال شديد ضيّق علي نفَسي، وصدري المتعب؛ أكاد لا أشعر به حتى أَضَع كَفِّي عليه. فهذا السعال لا أستطيع وصف مرارته، وقد أضعف كَاهِلي الْهَرِم؛ فكتفي وبدني يهتزان وقلبي يختلج كذلك.. سبحان الله!..

       فرذاذ السُّعال أخذ يتطاير في هذا السكون المطبق أفضى بي إلى ذكـــــرى مرّة، وهذا هو الذي كنتُ أخشاه. فالخوف كل الخوف من الندم لِـمــا صـار، مـع أن النفس راضية بالقدر. فهذا القدر الذي حملني على أن أكون ما أنا فيــــــــــــــــــه. ولم يكن هذا فحسب بل الحزن والحسرة كانا حاضرين، غير أن هذه الحالة فيها شيء إيجابي من إيقاظ وجدان رجولتي التي أفضتْ إلى تساقط قطرات الدموع.

2- سبحان الله!.. من الصعب عليَّ أنْ أصفَ ما ندِمتُ عليه، فهذه حقيقة ليس من الضروري ذكرها. فالمتوقع مِن رجل نَاهَزَ الخمسين سنة أن تكون حيثيات حياته تتسم بالنضج المتمثل في صفة المسؤولية والرأي الراجح، لَكِن ثَمَّة أَمْرٌ وُجِد في زاوية من زوايا عمري..

فمن أعماق القلب؛ شعرت أنَّ الله سبحانه عادلٌ، فَعَدْله تمثل في أنه لم يختر نزول المصائب على أمته مُكْرَهَة عليه، بل كلها كائنة من أفعال البشر أنفسهم، وكيفية طرق عيشهم للحياة. فقبل حلول هذه المصائب؛ هناك إشارات ودلائل ومقدمات واضحة جلية تدل على ذلك.

فالله الخالق ليس كمثله شيء.. سبحان الله!.. فصدري رحبٌ لما أُلْقِي عَلَيَّ ووُجّه لي فيما قاله الأستاذ(1) بالأمس من سورة الكهف الآية: 26 مفادها: "أن الله سبحانه وتعالى عالم بمدّة الذين مكثوا، فهو مالك كل شيء في الأرض والسماء، وهو السميع البصير. فهو الحافظ لهذه البشرية لا يستطيع أحد على حفظها أو لا يماثله في ذلك أحد، هو الحاكم المطلق في هذا العالم"(2).

3-هززتُ رأسي مراراً، وقلت: "نعم نعم يا أستاذ!.. وأشكرك جزيل الشكر". فابتسامة الأستاذ على شفتيه تدل على أنه أكثر شبابًا مني بعشرات السنين، فهو الذي جعل قلبي يلين. وصل قبل شهرين ليعلمنا الفقه والتوحيد، وغيرهما من علوم الدين. ومن إخلاصه؛ شعرتُ بالخجل، ولا أدري أين أُخْفِي وجهي!؟

 هي خديجة.. إحدى بناتي، والوحيدة القريبة من قلبي، فالمفروض مني أن أقدم لها الشكر الوافر والجزيل لما قامت به من توفير الأجر لهذا الأستاذ، هذا كله من أجلي. ففي بادئ الأمر، عندما عُرِض عليَّ أن أتعلم مع هذا الأستاذ، لم أستحسن ذلك لكني لم أرفضه كلياً في ذلك الوقت.

فقلت: "لكِ الأمر والتصرف يا خديجة". فأحسستُ أمامها كَمْ أني صغير وميؤوس منه!.. فهناك أمر خفي أُفَكّر فيه، لكني مع هذا مستعد لتَقبله، وأنا راضٍ بحكمه. أحسِنُ الظَّن بالله، لأنه هو سبحانه له الحق أن يختبرني  في سِعَة صبري. فله الحمد بأن جعلني مؤمنًا به.

        فهذا الأستاذ الشاب؛ قد شرح نصاً من الحديث فيما أتذكره مفاده: "أنَّ الإنسان يُمْتَحَنُ في ماله وأبنائه". فأنا إنسان ضعيف، لا أقدر على امتحانك يا ربي. سبحان الله!.. أنظر إلى مالي الذي كان من أهم أولوياتي الحيوية، أسعى إليه دائماً وأبحث عنه ليلاً ونهاراً، فتجارتي قد توسعت وتطورت، والمنازل فارهة، والسيارات كثيرة، وكل شيء جميل مثلما كنت أحلم به، فهذه نعمة قد أحسست بها تمامًا.

 

4-لكن أبنائي العشرة كلهم؛ لا أحد منهم يريد أن يكون مثلي، بل كل واحد منهم قد اختار طريقة حياته. فلا أحد يرعاني البتَّة، بل هناك من جعلني عدوه الحقيقي. فقط زوجتي التي كانت صبورًا معي، والتي أنستني شقوتهم، مُهتًّمة بي. فجميع أبنائي غير متفقين، وليسوا راضين عن أسلوب حياتي. فكان يجب عليهم أن يعرفوا أني أبوهم، إذ إن غيرهم الكثير يفتخرون بي، لكن أبنائي عكس ذلك، ولا مرة جعلوني مفخرة لهم. آه..! كل ذلك كان من أخطائي، كنتُ أريد منهم أن يسيروا على أسلوبي ونهجي في الحياة، غير مهتم بمشاعرهم. فهذا خطئي! خطئي!..

بغض النظر عن خطئي؛ كنتُ متأملاً منهم الرد الحسن، لقد أمضيتُ سنوات في تربيتهم حتى كبروا، وأنفقتُ عليهم المال الكثير. فلم أمنن على أحد في ذلك، لكني لم أدرك الشيء الذي يجعلهم يلتفتون إليَّ أو يبعدهم عني. المهم أني أعدتُ النظر، لكن هناك سؤال يطرح نفسه: هل يمكنني أن أطلب جميع ما أتمناه؟

 ربما لم يأذن الله بذلك كله، أعتقد ذلك.

5-  أُدرك ذلك، إن زوجتي كانت كما يجب أن تكون من حيث صفة اللين، وصفة الرضى. فكانت بطبيعة الحال ربة منزل، ومجمل تفكيرها الناضج منصب على كيفية إعداد توفير ومتمثل في ضروريات أبنائنا وحاجيات. حبيبتي، كان انتباهي لذلك، لكنه جاء متأخراً، بعدما توفيت وذهبت إلى بارئها، رحمة الله عليها.

        فما بقي من ذلك غير اسمها الذي كنت دائماً أردده على لساني. فذهابها دون رجعة جعلني إنسانًا نادماً كل الندم وقت رحيلها. فوفاؤها مثل ماء البحر الذي لا ينفد، فهو ماء بارد لا ينتهي. وإخلاصها جعلني دائماً غير ملتفت إليها، في وقت من الأوقات كنت متناسياً فضلها، لهذا علي أن أشكرها الشكر الجزيل لأنها أنجبت هؤلاء الأبناء كلهم. فما حقيقة هذا القلب القاسي الذي أصبح مستأنسًا بذكرها!؟.

 نعم نعم.. كم أنتَ متكبر متغطرس متعال!.. فلم أتوقع أن أسمع يوماً أن ولدي يتهمني بذلك. فهذه التهمة لم أكن أتوقعها بتاتاً.. إنها الحقيقة المرة. ففي نهاية الأمر، أقررتُ بذلك ولكن بعد فوات الأوان.. كان ألماً فظيعاً ولا كل الآلام! في الحقيقة، عليَّ أن أشكر هذا الابن الذي قلَّ أدبُه، ولا أجد فيه نوعاً من التربية الصالحة، بعد أن خرجت من فمه كلمات من المفروض أن لا تخرج.

6-  ومع هذا لم أكن باستطاعتي أن أتلفظ مثل هذا الكلام. فهذا الابن عادة ما يقوم بزيارتي، فهو الآن عكس ما هو عليه. فعند مجيئه إليَّ وأنا أمامه؛ أتوقع منه الاحترام والتقدير بوجه ناصع مشرق. فهذا هو المفروض ما يصدر منه دائماً. ومع كل هذا، فشفتاي ولا مرة واحدة نطقتا مثل هذا، غير أن هذا القلب أحوج إلى مثل هذه العبارات.

ففي الحقيقة، كنت أنوي أن أُعْلِمه أني أقدِّره مثلما أقوم بمساعدة نفسي الآن. فالواضح أني غير مخلص كإخلاص أبنائي الذين هم خلاصة تربية زوجتي. ترقرقت دموعي أمام ربي لا أمام أبنائي. فسبحان الله!.. هذا هو التعالي. فيا ربي أنت العارف مدى ثقل ما يحتمله صدري من آلام.

        "أريد أن أزيل صفة التعالي عن نفسي، يا أستاذ! فنفسي ووجداني كم هما متسخان!..". فهذه هي المرة الأولى التي أعترف فيها أمام شخص -الأستاذ- وبكل صراحة، لكن ليس لي الجرأة أن أوجه عينيّ الاثنتين تجاهك، وأنت دائماً ما تكون مشرق الوجه مبتسماً.

 أكثِرْ من الذكر يا سيد!..، لعل وعسى يكون وجدانك قد هدأ، ويزيد إيمانك بالله سبحانه وتعالى، قالها الأستاذ. سبحان الله!.. أنت على حق، فهذا اللسان المعسر متى نطق بأسماء الله!. فأنت دائماً كنت تعلمني وتأمرني بحفظها. فهذه الدنيا قد ملأت صدري، وجعلتني مضطرباً. فكل كياني يتّجه لنورك الرباني باحثًا عنه.

7-نهضتُ مع ضعفي، فقدماي الاثنتان لم تتحركا لأن نفسي المتحمسة قد طغت على الصبر. كان ذلك في ليلة مظلمة، على الطريق السريع وقع حادث فظيع، وذلك بسبب رسالة من ابني مفادها أن زوجتي انتقلت إلى رحمة الله؛ مما جعل هذا القلب مضطرباً خائفاً بجنون، فكل ما كنت أتمناه أن أحضر جنازة زوجتي ودفنها، ومع هذا لم يحصل ذلك. فهذا الوجه الحزين لم يتمكن من النظر إليها لأن السيارة التي أقودها قد صدمت سيارة أخرى. فصرخت صرخة لم أصرخها في حياتي، قبل أن يذهب كل شيء من الذاكرة. ومع هذا استيقظت في اليوم التالي؛ الذي كان مغايراً لما مضى.

فسُمِح لي بالخروج من المستشفى بعد أن أمضيت فيها شهوراً طريح السرير الأبيض، لكن قلبي لم يكن مشتاقاً كما كان للعودة. آه، فالرجوع كان لِلاشيء! فقدماي كانتا غير قادرتين أن تحملا جسمي من مكان لمكان آخر. فابني هو الذي كان يدفع الكرسي المتحرك، وأنا عليه متبلد ساكن دون دموع!! فعند الباب، أرى وجه زوجتي  وهي تستقبلني بكل أدب وأنوثة، لكن جسدها مضى بعيدا جدًا إلى عالم آخر. فقلبي منكسر كان يجبر كسره بمقولة الأستاذ: "اصبر! يا سيد. فهذه ابتلاءات وامتحانات من عند الله سبحانه وتعالى لك. فالتوكل عليه هو الطريق الأمثل".

8- لقد كنت غير مبالٍ بمعنى كلمة التوكل، فحياتي حياة رجل الأعمال، فهذه الدنيا كلها سريعة كلمح البصر، وبسرعة يتحقق النجاح. "يا سيد، نحن لابد أن نؤمن بالقدر، وقدر الله؛ فهذا ركن من أركان الإيمان الخمسة، سواء أكان هذا القدر شراً أم خيراً، فكله من عنده سبحانه".

فالمصيبة كانت عظيمة، فقلبي مُقِر بذلك، فهذه هي الحقيقة وأنا راضٍ بها. فطرحت سؤالاً وسألت الأستاذ عن  الخسارة التي جنيتها بما كسبت يدي؟ أحسست أن يدي فجأة تهتز، والبرودة وصلت لذقني.

        "استرح أولاً، يا أبي"، قالتها خديجة بصوت خفيض، شعرت معه باسترخاء لما أنا فيه من اضطراب. فقد أحسست بغاية الخجل لما أدركت أن الأستاذ خطا خطوات للعودة. لماذا لا أسيطر على مشاعري هذه المرة؟ فخديجة واقفة غير بعيدة عني تراقبني، وكأنها تريد أن تقول لي شيئاً.

        "أبي، ترغب أم لا!؟ لو أني خرجت بك للمشي وتغيير الجو مرة؟ فخديجة ممكن أن تأخذ عطلة أسبوع، فهل يمكن ذلك يا أبي؟". لم أستطع الرد عليها في تلك اللحظة. إذ لم أكن شجاعاً بما فيه الكفاية بقول: نعم، أو لا. فكانت تلك الحالة في الجواب أشبهَ ما تكون سراً، إذ إني لم أشعر قط بمثل هذا. فأين كان حزمي؟ وأين كانت شجاعتي؟ "أبي، أخبرني بذلك في أي وقت!".

9-  آه، يا ابنتي!.. أنت لا تعرفين ثمن هذا البيت الذي هو ملكنا. تركته منذ سنين  أليس كذلك؟ فأنا لا أقدر على نسيانه يا ابنتي. فقد تركتُ ذنوبي الثقيلة هاهنا. فهذه القدم الضعيفة قد جالت مسافات بعيدة في أرض سوداء باردة، وأرض بيضاء ذات تراب حارّ، وفي الشرق والغرب، والشمال والجنوب، كلها قد مررت عليها، فيكفيني أن أستنشق هواءها، لكن أباك رجل لا يدري ما اللهب الذي أشعل ساحة بيتنا؟

        "خديجة، أبوك لا يريد أن يذهب إلى أي مكان، بل يريد أن يكون هنا في بيتنا هذا". وأخيراً، قلت رَدِّي بقدر الإمكان وبصراحة واضحة، وأرجو أن تدعيني على ما أميل إليه.

    خديجة لا تريد أن يكون أبوها منعزلاً ومحتاجًا على الدوام. فهي لم تفهم ما قصدتُ إليه. ثم قالت: "من الذي قال: إن أبي منعزل ومحتاج؟ فأبي الآن أكثر حرية". مباشرة أخذ أبي ينظر إليَّ متأملاً.

"دعي أباك يكن في هذا البيت. فحقيقة أن وجدان أبيك يشعر بالحرية والسرور. فالحرية أية حرية!! هموم الدنيا التي كان غارقًا فيها. فأنت تدركين أن أباك لم يشعر قط بمثل ما يشعر به الآن من سعادة. آه، لو كانت أمك موجودة...".

10-                      ابنتي هذه الطيبة.. خطت خطوات على مهل، واتجهت نحوي، وجلست أمامي وجها لوجه. "أمي قالت: أتمنى أن أرى أباكم في هذا البيت ولو مرة واحدة يؤمُّنا في صلاة". فخديجة تعرف أن الأم متحسرة لذلك. لا أستطيع أن أقابل وجه ابنتي بعد الآن. لا أدري أن العين بدأت تدمع، والقلب حنّ وتذكر. فخديجة وضعت يدها على ركبتي قابضة بقوة. "اعذري أباك، فهو لا يدري بذلك".

     هل يمكن للبحر أن يكون هادئاً بعد أن خلق في هذه الدنيا؟ فهيجانه قد حرك مشاعري مراراً. فلم تقتصر فعلتي على هذا القدر، بل حطمتُ قلب زوجتي. قال الأستاذ: "ادعُ لها يا سيد، لأن الدعاء بحد ذاته سنة". فعلى الأقل يهدأ قليلاً ما حلّ بك. ففي هذه الحالة، الطريق الأنسب لما أنت فيه أن تقول: يا رب استمع لعبدك الضعيف، وتقبل مني. فهذه هديتي لروح زوجتي، هدية من زوج قام بإحراج زوجته مراراً وتكراراً. ربي، هذا أنا عبدك الضعيف يرجوك. فأنت قد أخذتَ النعمة التي أنعمت عليَّ من قمة جسدي، ومضيت أجري باحثاً عن راحة الضمير.

    فأنا الآن لا أشعر بما حل بي؛ فقدماي الاثنتان لا تتحركان، فأنا راضٍ بما أنا فيه. فأنت يا ربي لك أن تأخذ مني ما تشاء، فهذا حقك. أليس كذلك!؟ إني في نهاية المطاف أكون في هذا المكان. لقد أدركت أني فقط إنسان، لا يستطيع الوفاء بك. فأنا غير حزين بما حلّ بي، وأصبحت معاقاً، فحزني كائن في حبك، فلا أريد أن يكون وجداني جافاً ومحترقاً ثم يصيرا رماداً!.

11-                      أكيد أني نادم ومتحسر لما مضى، فأيام شبابي قد ولَّتْ تاركةً آثار الأسى والأنين. فهذه حال مؤلمة لأني لم أستطع أن أضع نفسي في المكان الصحيح زوجًا وأبًا صالحًا. فالدمع في هذا الظلام الدامسح يا لها من راحة رائعة!.. وأريدها طوال هذا الليل. فالسكون متى حل فله جماله. فبقدر المستطاع أخرج ما في صدري من هموم وأشتكي إليك سبحانك!..، فلا تتركني للهموم، فهل أَذِنْتَ لي أن أكون بقربك أكثر، فأنا مشتاق للدمع السائل على الخد، وما به من مشاعر، فسبحان الله!.

فأنا أدرك أنك يا الله رحمان رحيم!! فحبك يعدّ نعمة كبرى، وهو الذي كسر قلبي المتحجر الرافض للانكسار، فهذه هي الحقيقة ذاتها. فأنا أتذكر كم كنت معترضاً من زواج ابنتي بحسب اختيارها، بل طردتُ المتقدم غير مكترث. فمن العيب أن تهرب بنت الثري، فليست هي الابنة الوحيدة، بل هناك ابنتان. هما الآن حاضرتان عندي وقريبتان كل القرب مني. تُقبلان يديَّ اللتين بهما صفعتهما مرارًا. فكم أنت يا ربي رحيم أن أعدتهما لي!..

حنان أبنائي جعلني أنكسر، بل صار وجهي في الأرض. فهم وزوجتي وابنتي كثيراً ما سالت دموعهم بسبب كبريائي الذي أحرقهم بدون إحساس. فحان الأوان أن يرجعوا لي في موسم خريف تتساقط فيه الأوراق سقوطَ العجوز الذي تلاشت قواه، وليس له الحق أن تدبّ قدماه على هذه الأرض التي عليها:من أُخرج من غناه، ومن اختار موسم الغرور والكبرياء طريقة للحياة. فالوحدة صورت لي مرآة نفسي، فهذه الوحدة لا أريد أن أستغني عنها بأيّ ثمن.

        فالمطر له مدّة طويلة وهو يهطل، بلّل كل شيء من حوله، فأخذت قطرات المطر تتلألأ بضوء القمر. فالعيون المتعبة قادرة أن تشاهد ذلك من وراء زجاج النافذة. فسبحان الله ما أجمل عطاياه!. وفجأة، شعرت بحنان يدين تقومان بمسح دموع عيني. فهل هي زوجتي على قيد الحياة؟ فالظلام الحالك جعلني، وبسرعة أكاد أكون في عالم الخيال. "خديجة أنتِ تعرفين أن أباك دوماً لا ينام في مثل هذه الأوقات. فروح الأم كانت مثل ذلك". فتلاشت كل مخيّلتي بسبب صوت خديجة، فهذا هو الجواب الحقيقي. فهي خديجة ابنتي التي دائماً ما أرى أمها صوبي، فهي الابنة التي كثيراً ومرارًا ما تعاني من المشقة والتعب لعلاجي.

12-   ولكن في كل مرة متى ما أنظر لهذا الوجه الناعم؛ أشعر أني أخطأت في حقها. فهي دائماً تسمع الكلام مع أني أذقتها ويلات الحرقة والأسى. فهي الآن تجاوزت الثلاثين سنة من العمر ولم تتزوج بعد، وهذا كان بسبب كبريائي. فهي كانت تُريد أن يخطبها قروي يعمل معها في المكتب، لكني رفضت كل الرفض، مع ذلك خديجة لم تعترض. فكانت راضية لما بها حتى إن أخواتها الصغار الأربع تزوجن وأنجبن بناتاً وصبياناً، وهي كما هي، وما كنت أريد هذا. لكن وضعها بمفردها يشعرني أني أذنبت في حقها وجعلني قلقًا منزعجًا جدًا لحالها. ما الذي جعلني قاسياً عليها؟ اعذريني يا ابنتي خديجة!..

"أنت يا أبي لم تخطئ بحقي بأي شيء"، فخديجة تريد أن تبرّ بوالدها دائماً، فصوتها الناعم الحنون قد كسر قلبي، فهذا هو الإخلاص الذي انبثق من ذلك الجواب. أريد أن أخبر هذا العالم الساكن في الظلام الدامس أنه قمة في الجمال والروعة. انظر! استمع! صوت نسيم الليل حمل معه الرحمة المليئة بالسعادة إلى هذه الدنيا. راجياً من هذا أن يهدئ كل قلق، ويزيل كل اكتئاب. ومع صبح جديد رحب، ورائحة الأرض التي ابتلت بقطرات المطر نعمة عظيمة بالنسبة لي. فجمعت التراب فصار ككتلة كومة عند قبر قد تبلل. لمكان سوف أكون فيه لا أدري متى. فأشم عطر زهور الكمبوجا(3) البيضاء الذي فاح وانتشر في هذا الصباح الرحب.

13-   زوجتي، أسأل الله تعالى أن يتقبلها برحمته. كم أنتِ سعيدة وأنتِ هناك!.. حبيبتي أنا راض عنك، عن كل شيء. فانظري إلى أبنائنا الطيبين، فأنا الوحيد الذي أذنبت. فيدك الباردة أراحتْ قلبي قبل أن نكون معاً. فشعرت بخجل من هذا الطير الصغير الذي أخذ يراقبي وقت مجيئي، فأكيد أنه استمع لكلامي. ومع هذا سأغض الطرف عن كل شيء وأتسامح.

        ففي كل مرة حين يحل الليل، أسأل نفسي، هل أنت مستعد؟ ظلام طويل، غطّى على كل شيء، إلا إيماني بالله!. فلا حركة ولا صوت ولا مراقبة. كيف حصل ذلك؟! سبحان الله!. وهذا شبيه بمن غرق في البحر حتى القاع، ولا يستطيع العودة، أو مثل التائه في الغابة الكثيفة لا يرى فيه طريق العودة. ما أصعب هذا الإحساس! أو ما أصعب ما مررت عليه وشعرت به!..

فوالله يا ربي، لا أحد من البشر يستطيع أن يرجع متى ما سار إليك. فالله هو مالك كل شيء وحده. فالمختفي في بروج مشيدة ليس معناه أنه مختفٍ عن الموت، فأقل تقدير أنه في ذلك الوقت يكون قريباً كقربه من مؤخرة الرأس.

سبحان الله!.. فقد أوجتني وسوف أعود إليك، فهذه هي الحقيقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

  • ·      ندى الهداية:  مجموعة قصصية للفائزين بجائزة الأدب ذات العنصر الإسلامي الثالث 

EMBUN HIDAYAH: AntologiCerpenPemenangHadiahSasteraBerunsur Islam III

          = الطبعة الأولى عام 1991م،

          = الناشر: Dewan Bahasa dan Pustaka 

-       قصة على وشك (Di Ambang) للكاتبة حسيدة ديسن (HasidahDisan). 

-       صفحات القصة في الكتاب (1-14). 

1-   كلمة (أستاذ) دائما ما يطلق على المعلم الذي يدرس علوم الدين في المجتمع الملايوي. 

2-    قال تعالى : ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:26)

3-   شجرة زهرة الكمبوجا (Pokok Bunga Kemboja)، وتعرف أيضا سمباكا قبور (CempakaKubur)، ولها عدة ألوان من الزهور. وعادة ما تزرع هذه الشجرة في المقابر الإسلامية بماليزيا. 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب