الأديب الإسلامي الراحل فهد بن أحمد الجباوي (2/2)
كتب  د. أحمد بن فهد الجباوي ▪ بتاريخ 01/11/2022 10:20 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 129

فهد بن أحمد الجباوي (رحمه الله)

 

مع الشعر 

وأما ديوان الأديب الراحل فقد كان ضمير الأمة الحي المعبر عن آلامها وآمالها، وأحزانها وأفراحها، فها هو  يتألم لحال سجين الفكر الذي زجت به أيدي الظالمين في غياهب السجون دون جريمة اقترفتها يداه إلا أنه آمن بالإسلام عقيدة ومنهج حياة، ويتخيل نفسه أنه هو ذلك السجين، وأن سياط الظالمين تنال من جسده كما تنال الأفاعي من أجساد من تلدغهم، ويتخيل شدة البلاء الذي أصابه عند اقتياده إلى السجن ووداعه لأهله وبكاء أطفاله عليه، والمرارة التي عصفت بهم وهم يرون سقط الرعاع يسوق أباهم إلى المعتقل، ثم يعزي نفسه بأن ما يقع عليه ما هو إلا فتنة لتمييز الشجاع من الجبان، والمؤمن من المخادع، وأن سنة الله اقتضت أن يكون الامتحان بالشدة سبباً للعزة والتمكين. وربما قد نظم هذه القصيدة عندما راعه نبأ زج كثيرٍ من رفاقه في السجون في أوائل ثمانينات القرن المنصرم أمثال الأستاذ عبد الغني العلوة، والأستاذ حمد الخصاونة -رحمهما الله تعالى- وغيرهم ممن لم يكن جرمهم إلا أنهم آمنوا بشريعة الله منهجًا للحياة. 

           يقول في قصيدة (سجين): 

أقول لها وقد طارت شعاعاً*** من السجان وحشيِّ الطباع 

من الظلمات في سجن رهيب*** وأسياطٍ كما لدغ الأفاعي           

أما عاهدتِ ربكِ ذات يومٍ***على حمل الرسالة والدفاعِ 

على بذل الدماء وبذل مالٍ***وبذل الغاليات من المتاعِ 

فصبرًا يا نُفَيسي ثم صبرًا***فذا يوم ابتلاءٍ لن تراعي 

فما لك تذكرين وداع أهلٍ***فما أغناك عن ذكر الوداعِ 

وما لك تذكرين وداع زوج***مدامعها سواكب في التياع  

وأطفالٍ عويلهم تعالى***يسوق أباهمُ سَقَطُ الرَّعاع 

دَعِي ذا واعلمي يا نفس أني***أُمحَّصُ فاثبتي حين الصراعِ 

دعي ذا للجبان فأنت نفسٌ***مصاحبةٌ لذي قلبٍ شجاع 

فهذا يوم إيمانٍ وعزم***به الإخلاص ميزَ من الخداع 

فكم من مؤمنٍ أمضى عقودًا***بهذا السجن من دون انقطاع 

فما لانت لظالمه قناة***وما أغراه ممراع انتجاع  

فنحن الواثقون لنصرِ ربٍّ***وأمرُ الكافرين إلى ضياع 

وها هو يتفطر قلبه شوقاً إلى عودة الإسلام إلى قلوب الناس وحياتهم، وأن يعم الأمن والسلام أرجاء الأرض، وأن يكف الأقوياء عن عدوانهم على الضعفاء، وأن يسود العدل ويكون رادعًا للمعتدين في قصيدة جعل عنوانها (ياغيث مكة) رمزاً للإسلام: 

يا غيث مكة إن الكون ظمآنُ***هلَّا يجودُ عليه منكَ هتَّانُ 

قد صوَّحَ الروضُ فالأزهار ذابلةٌ***جفَّتْ أقاحيه ثم اصفَرَّ ريحانُ 

كبِّرْ بلالُ فأرواح الورى زهقت***وسوف تحيا إذا ما انهَلَّ إيمانُ 

كبر بلال فذي الآذان مصغيةٌ***قد قرَّعَتْها أباطيلٌ وبهتانُ 

كبر بلال، جباه الناس صاغرةٌ***إذ عبَّدَتْها طواغيتٌ وأوثانُ 

كبر بلال، فهذي الأرض مَسْبَعَةٌ***والأقوياء ثعابينٌ وذؤبانُ 

أين السلام؟ وكل الناس في فزعٍ***كأنما الموت بالمرصاد يقظانُ 

لا الفرد في سربه يحيا بمأمنه***لصٌّ يصول وسفاحٌ وخوَّانُ 

ولا الشعوب بأوطانٍ لها دَعَةٌ***فطالما دمَّرَ الأوطانَ عدوانُ 

وكم رجونا نتاجَ العلم يسعدنا***فليس ثمَّةَ جَوْعانٌ وعريانُ 

وأن تكون شعوب الأرض عائلةً***والأرض من حولها قصرٌ وبستانُ 

خاب الرجاءُ فأمسى بعدُ محْترِقاً***ونحن والقصر والبستانُ نيرانُ 

كبر بلالُ تقود الناسَ شهوتُهم***على القلوب لها لُجْمٌ وأرسانُ 

كبر بلالُ فلا الأخلاق ما رسمت***كُتْبُ السماء ولا الإنسانُ إنسانُ 

كم فيلسوفٍ وكم من مدَّعٍ بصَراً***قادوا الجماهيرَ والقوادُ عمْيانُ 

فليس يُصلِحُ هذا الكونَ مُشْتَرَعٌ***إن لم يكن منهجَ الإصلاح قرآنُ 

       ولا تغيب قضية فلسطين عن مهجة الأستاذ فهد بل تظل حاضرة في قلبه وشعره، وهو الذي يعتبرها أمَّ القضايا، ويرى عودته إليها أحب إليه من جميع ما في الدنيا من متاع، ويبشر المسلمين بأن عودة فلسطين هي وعد إلهي لا ريب فيه، ثم يتخيل نفسه وهو يدخل القدس مرحبًا به بعد غياب طويل وقد خلت أزقتها وأحياؤها من كل ما يدنسها من الغرباء عنها والمحتلين لأرضها. يقول في قصيدة (دنا إيابي): 

أضعْتُ العمر في تيه اغترابي***فلسطينُ إليكِ دنا إيابي 

تركنا في ثراكِ لنا قلوبًا***تحنُّ إليها أجسامٌ صوابي 

فلو أنَّ الدنا منحت إلينا***أبَيْنَاها بصاعٍ من ترابِ 

نعود إليكِ في وعدٍ يقينٍ***من القهار في نصِّ الكتابِ 

ففي "الإسراءِ" آياتٌ فصاحٌ***بأن النصر آتٍ كالشهابِ 

يُجَلِّي للمشرَّدِ كلَّ دربٍ***ويحرقُ كلَّ سورٍ أو حجابِ 

نعود لعشنا من كل صوبٍ***نعود إليه من بعد الغيابِ 

نرى الأبواب مُشْرَعةً إليه***يقال لنا: ادخلوا من كل بابِ 

كأنْ لم يكن فيهِ علوجٌ***من الشُّذَّاذِ من كلِّ الشِّعابِ 

نعود إليه يقدمنا شبابٌ***أولو عزمٍ فأعظم بالشبابِ 

من التنزيل قد نهلوا مضاءً***وإيمانًا كبحرٍ ذي عبابِ 

بمِثْلِهمُ صلاحُ الدين أرسى***قواعدَ نصرِ "حطينَ" العُجابِ 

ويناجي الوالد الأستاذ فهد الجباوي ربه في قصيدته (حنانيك يا رباه)، وكأنه يودع هذه الدنيا ويتوسل إلى ربه بأعماله الصالحة، وخاصة في عبوديته لله تعالى، وامتناعه عن التزلف للظالمين، وفي مطعمه الحلال، ويسأل الله أن يفرج كرب المسلمين وأن ينصر أمة الإسلام على من ظلمها: 

حنانيك يا رباه إنك واحدُ***فلستَ بمولودٍ ولا أنت والدُ 

كفرتُ بأربابِ الألى ضلَّ سعيُهمْ***وحسْبيَ أني مخلصٌ لك قاصدُ 

فمنهمْ عبيدُ الجاه والمالِ والهوى***ومنهمْ لأصنامٍ من الناس عابدُ 

فأنت الذي أدعو إذا ما أصابني***سهامُ خطوبٍ مُرْدِياتٌ قواصدُ 

وإنْ عصفَتْ في القلبِ هُوجُ بلابلٍ ***فأنت لهاتيك البلابلِ ذائدُ  

فذكرك بردٌ فوقه وسكينةٌ***به ينطفي جمرٌ حَوَتْهُ مواقدُ 

وأدعوك إنْ أنعمتَ يوماً بنعمةٍ***عليَّ بأنْ يبقى لها منكَ رافدُ 

أجَبْتَ دعائي عندَ كلِّ رغيبةٍ***ومرزأةٍ دوماً أنا لك حامدُ 

فمالي شفيعٌ غيرُ طيِّبِ مَطْعمٍ***وصالحِ أعمالٍ، وفضلُكَ زائدُ  

وأسألك اللهم أمةَ أحمدٍ***فقد نزلتْ فيها رزايا أوابدُ  

غدَتْ دُوَلاً من بعدِ دولة عزةٍ***موطَّدة الأركان يخشاها الكائد 

غزاها العدا من كلِّ جنسٍ وملَّةٍ***وجاس أراضيها غريبٌ وحاقدُ 

وأضحى لها منْ حاكمِينا محالِفٌ***يحاصرُنا طَوْراً وطوراً يطاردُ    

عصيناكَ يا رباه لمَّا أمرتنا***بتحكيم شرع الله فيما نكابدُ 

عصيناك لمّا قد رضينا بقادةٍ***يسوسهمُ أنكى العدى وبئس القائد 

يسوموننا سوء العذاب وإنهمْ***لأعدائنا سيفٌ علينا وساعِدُ 

وفاته ودفنه

وافت المنيَّةُ الأستاذ المعلم (فهد الجباوي) يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي القَعدة عام 1443هـ، يوافقه الحادي عشر من شهر حَزيران ٢٠٢٢م، في مدينة درعا (أذرعات) عن خمس وثمانين سنة، وقد صُلِّيَ عليه في مسجد مصعب بن عمير في حي الكاشف في درعا المحطة، ودفن في مقبرتها. وكانت وفاته -رحمه الله تعالى- من آثار عللٍ متوالية ألمَّت به من جَرَّاء الطَّلق الناري الذي كان أصاب رأسَه، على ما تقدَّم آنفًا. 

رثاؤه:

هذا وقد رثاه كثير من إخوانه وطلابه وأقربائه الذين عرفوه وتعلموا منه كما رثاه كثير ممن وصل خبره إليهم، وفي رثائه يقول الشاعر هاني أحمد:  

يبكيك مجلسنا يا فارس الأدبِ***فالدمع يهراق من حزن ومن وصبِ 

وصار مجلسنا قفراً نهيم به***تجري جداوله من دمعنا السربِ 

يبقى يراعك فينا خالدا أبدا***إذا البلا طاش بالأقلام والكتبِ 

حياتنا بكمُ كانت تدللنا***واليوم قد قلبت رأسا على عقبِ 

ما زلتَ تُحيي- وإن تنأى-ضمائرَنا***كالشمس قد أشرقت فينا ولم تغبِ 

قصيدتي من حروف الحزن أنسجها***تكون عَبرة أبناءٍ لخير أبِ 

تأبى عليّ ودمع العين يغرقها***وسلوتي نفدت والبحر يعصف بي 

تجهمت لي القوافي وهْي مدبرة***فكيف مثليَ يرثي فارس الأدبِ 

ولست أرثيكمُ بل أرثي أفئدةً***بفقدكم كُفِّنت بالحزن والنصبِ 

يا أمة العرب هذا البدر نعرفه***فإنه من خيار الثُّلة النجبِ 

دعني أقبلْ قبراً ضم أعظمه***وأذرفِ الدمع تهمالاً وأنتحبِ 

هذا؛ وقد نظمتُ بعض الأبيات في وصف حالي وحاله وأنا بعيد عنه بعد أن عصفت به العلل وقرر الأطباء إدخاله إلى جناح العناية المركزة قبل وفاته، فانتابني الأسى لعجزي عن ملازمته وعلاجه وأنا الطبيب الذي يداوي من يقصدني من كل أجناس البشر وأعراقهم وأديانهم. وهذه بعض أبيات القصيدة:  

 

أنفاسك انقطعت من بعد أنفاسي *** والهول قد راعني من شرِّ وسواسِ 

إن كان سُقْمُكَ قد ألقى بهم فَزَعًا *** ما بالهم قد سَلَوا سُقْمي وإحساسي 

يا والدي هل تنوء الأرض عن وَلَدٍ *** بَرٍّ بكلِّ الورى مِنْ كُلِّ أجناسِ 

يأسو ويسعفُ من فاضتْ مواجعُهُ *** ما جُرْمُ بِرٍّ منِ ابنٍ محسنٍ آسي  

باتت مهاجِرُنا في كلِّ ناحيةٍ *** كنَّا بحَبْسٍ فأضحينا بأحباسِ 

والناسُ قدْ جَمَعَتْ في حربِنا مِلَلاً *** لا بارك اللهُ في مَلْعُونةِ الناسِ 

ما كان جُرْمُ الأُلى في سُقْمِهِمْ وهَنُوا *** أنْ يقذفوا بين أخيامٍ وأرْماسِ  

والحُرُّ ما له بينَ الذابحين سوى *** جَزٍّ بأسيافهم أو نَحْرِ أمواسِ  

مَحقٌ وقحْطٌ وآهاتٌ ومَسْغَبَةٌ *** عامُ الرَّمادةِ في طاعونِ عَمْواسِ  

في خَطْبِها أُحُدٌ جاءت لتفتننا *** في نارِ مَقْتَلِها في ألْفِ جَسَّاسِ  

‎هل كنتُ أرْقُبُ أن أسعى إلى زمنٍ *** والنَّحْبُ قدْ حلَّ في أهلي وجُلَّاسي  

يا والدي هل يعودُ الشمْلُ مجتَمِعاً؟ *** والفجْرُ يُشْرِقُ في عيدٍ وأعراسِ 

تُحْيِي محافِلَنا والأنسُ يجمعُنا *** والنصرُ يزهو بأعلامٍ وأقواسِ 

هذا خطابك في كلِّ الألى شهدوا *** حانَ اللقاءُ أأنت الذاكرُ النَّاسي؟ 

كان أملي أن ألقاه مرات ومرات في هذه الحياة، بل أن أكون معه في كل حين، ولكن شاء الله ألا ألقاه بعد مرضه الأخير، وكما قال أحدهم يصف حال أبيه المتمسك بالبقاء في أرضه: "كان يعرف أني لن أعود، وكنت أعرفُ أنه لن يسافر".  

رحم الله الوالد الحبيب الأديبَ الإسلامي الفاضل فهد بن أحمد الجباوي، ورزقه الفِردوسَ الأعلى من الجِنان، وجعله مع الذين أنعمَ الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصالحين، وحسُنَ أولئك رفيقًا، وجمعني به وبهم وأكرمني بصحبتهم وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.  

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب