بين الذاتية والإنسانية في شعر محمد إقبال (2/2)
كتب  د.سعاد عبد الله الناصر ▪ بتاريخ 28/06/2022 12:27 ▪ تعليقات (1) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

 

 

2 ـ الذاتية معبراً للإنسانية:


إن الفصل بين ذاتية محمد إقبال الفردية والحضارية، وإنسانية فكره وإبداعه ورؤيته فصل إجرائي فقط، وإلا فإن مفهومي الذاتية والإنسانية تلتحمان عنده. فقد استطاع من خلال حرصه على معرفة الذّات أن يفتح آفاق التّعرّف على الآخر بعمقه الإنساني، وعندها يتمكّن الإنسان من قبول الآخر كما هو وتفهّمه وإدراك عمقه الإنساني، متخطّياً صعوبات جمّة، ومشاكل عقيمة يواجهها النّاس في التّواصل مع الآخر. وهذه هي المعادلة الصعبة التي استطاع إقبال أن يحقق التوازن فيها، فيخرج من جب الذات الأنانية ليعبر إلى سعة الذات الإنسانية. ولذلك قال قولة حكيمة تختصر فلسفته الإنسانية ورؤيته لها: "الإنسانية هي احترام الإنسان، إذن يجب الاعتراف بدرجته الرفيعة". 


واذا كان الشعر في جوهره كشفاً لعمق الوجود، واستنارة تبدد عتمة الذات، وطاقة متجددة تسعى نحو السفر إلى الأقاصي بحثاً عن المشترك الإنسان، فإن شعر محمد إقبال يجسد هذا الجوهر، فيقبل على الحياة معرفاً بها، داعياً إليها، معظماً للإنسان، مشيدا بمكانته في هذا العالم، نافثاً الأمل والهمة والإقدام في نفوس الناس([1])، لذا كانت القصيدة عنده تَأْرِيخاً لأفكاره ومواقفه وفلسفته، وتوثيقاً لزياراته ومناسباتها، وتعريفاً بأوضاع المسلمين وقضايا الإنسانية، كما كانت بصورة خاصة وجعاً متوهجاً يقلق ذاته الواعية برسالتها، فألحاناً شجية إلى الذات الإنسانية.

يقول في قصيدة طويلة في مستهل ديوان "صلصلة الجرس" يسترجع صدى وجع ألمّ به من حال الأمة بعد عزها، فيبكي تاريخ الأمة وماضيها المشرق، حين كانت نابضة بحياة العزة والكرامة فلم تعد حمائمها وطيورها تصدح في الكون مبشرة بما هو جميل، إلا من بلبل تصدى للشدو يحكي بمرارة عن واقع جاف، ويطلق صرخة استنكارية تسري في ربوع الدنيا([2]):


ما بال أغصان الصنوبر قد نأت    عنها قماريها بكل مكان 

وتعرت الأشجار من حلل الربا       وطيورها فرت إلى الوديان 

يا ربِّ إلا بلبلاً لم ينتظر            وحي الربيع ولا صبا نيسان 

ألحانه بحر جرى متلاطماً           فكأنه الحاكي عن الطوفان 

يا ليت قومي يسمعون شكايةً       هي في ضميري صرخةُ الوجدان


إنها رسالة تعبر عن مكابدة الشاعر، يريد أن تصل إلى كل أفراد الأمة، عساها تتجذر في ذواتهم، ويسعون إلى تغيير الواقع. وما بين السؤال الإنكاري والتمني تتكشف مخيلة مبدعة تتماهى مع ذات الشاعر ووجدانه.

ويقول في مطلع قصيدة جواب الشكوى([3]):


كلام الروح للأرواح يسري          وتدركه القلوب بلا عناء 

هتفتْ به فطار بلا جناح           وشق أنينه صوت الفضاء 

ومعدنه ترابي ولكن                 سرت في لحنه لغة السماء 

لقد فاضت دموع العشق مني       حديثاً كان علوي النداء 

فحلق في ربا الأفلاك حتى          أهاج العالم الأعلى بكائي


إن الأبيات تتميز بشفافية ونقاء، يعكسهما المفردات الموظفة، (وإن كانت من انتقاء المترجم، لكني أحسب أنه استطاع أن يتقمص روح المعاني، وأتى بألفاظ دالة)، ليؤكد الشاعر أن الكلام النابع من روحه المتوثبة، يسري في عدد من الأرواح الذين تلقونه، لأنه صادر من العمق المعبر عن انتصار للصورة الموحية التي تمتلك عناصر التدفق الوجداني والتوهج الانفعالي. والقصيدة برمتها تعبر عن انتفاضة الشاعر الذي تسكنه حرقة الجراح التي تعاني منها الأمة، بابتعادها عن دينها، وعدم إتقانها لأعمال دنياها، فانطلق يتعقب خطوات الضياع الذي تتخبط فيه. وقد تغنى الركبان بالقصيدة في العالم العربي، ولقيت استحسانا لقوة دلالاتها، ولانعكاس ظلالها على وجدان المتلقي العربي.

ويقول الشاعر كاشفا عن ضرورة تحكم الأنسان في نفسه وضبطها كي يظل حرا ولا يسقط في قبضة العبودية مهما كان شكلها([4]):

جمَلٌ نفسُكَ تربو بالعلفْ            في إباء وعناد وصلفْ 

فكن الحر وقدها بزمامْ             تبلُغَنْ من ضبطها أعلى مقامْ 

كل من في نفسه لا يحكمُ          هو في حكم سواه مرغمُ


إن الأبيات تجلي النغمة السائدة في شعر إقبال، وهي نغمة التحدي وإحلال قيم الحرية في الذات الإنسانية، رغم ما يناهضه من مظاهر الخنوع والاستسلام والانكسار. وإذا كانت الدعوة إلى التحرر وطلب الحرية من أبرز مطالب تحقيق الذات عند إقبال، فالذاتية تساهم في بناء الحرية عند كل إنسان، كما أن الحرية تساهم في بناء عالم إنساني، وتجربة المصطفى شاهدة على ذلك([5]):


يدأب الحر غدواً وعشيّا            ثم يبني ذاته صرحاً عليّا 

وجهاد المصطفى برهانهُ            وسجايا المصطفى ميزانهُ


يقول مستنهضاً همة الإنسان العارف لذاته([6]):


إيه يا فارس طِرف الزمنِ           إيه يا نوراً بعين الممكنِ 

قم فسكن من ضجيج الأممِ         واملأ الآذان حلو النغمِ 

جدِّدَنْ في الناس قانون الإخاءْ     وأدرها كأس حب وصفاءْ 

أرجعن في الأرض أيام الوئامْ       أبلغ الناس رسالات السلامْ


ورغم أن إقبال كان يرى أن الذاتية أو الفردية أساس العالم، وأن الخير كل الخير في تقوية ذات الإنسان، واستخراج ما في فطرتها من قدرة فطرها الله عليها، إلا أنه يرى أن هذه الذات لا تربى وتكمل إلا في الجماعة([7]). يقول في قصيدة تبين العروة الوثقى التي تربط الفرد بجماعته([8]):


فإذا الواحد في الجمع انتمى فهو كالقطرة صارت خِضرما 

جُمع الماضي له في حَسبهِ         والتقى الغابر والآتي بهِ 

هو بالأمة قلب طامحُ              وهو بالأمة سعي رابحُ 

روحه من قومه والبدنِ             سرُّه من قومه والعلنِ


ويقدم صوراً مختلفة لما ينبغي أن يكون عليه المسلم، المنفتح على آفاق الإنسانية، منها هذه الأبيات:


ويفك العبدَ من أغلالهِ              ويجير القِنَّ من أقيالهِ

صائحاً أن لستُ عبداً لأحدْ         حررنْ نفسك لله الصمدْ


وإقبال وإن كان يخاطب المسلم في شعره، إلا أن ذاتيته الحضارية تسري لمخاطبة كل إنسان، لمعرفة ذاته وامتلاك حريته وكرامته.

ويقول متوقداً في سبيل إنارة طريق الآخر([9]):


أنا كالشمع لغيري أُحرقُ            وبدمعي كل حفل يَشرَقُ

رُبَّ، هذا الدمع نور في القلوبْ     ذو هياج واضطراب ونحيبْ

أبذر الدمع فتنمو شعلُ             نار شِقر الروض منها تنصلُ


ويقول في قصيدة بديعة تكشف عن ارتباط الفرد بالجماعة، وانصهاره معها، رغم تفرده([10]):


رحمةٌ للفرد حِجر الأمةِ             كامل جوهرُه في الملّةِ

فالْزمنَّ الجمع جهد المستطاعْ      في ذُرا الأحرار كن مثلَ الشعاعْ

واحفظن ما قاله خير البشرْ:       كل شيطان من الجمع نفرْ

فردُنا مرآته أمَّتُهُ                   وكذا مرآتُها صورتُهُ

وهما سلك نظام ودررْ              أو نجومٌ تتجلى في النّهرْ


وكما لا يمكن فصل اللفظ الشعري عن مكانه في البيت فكذلك لا يمكن فصل الفرد عن الجماعة:


أفرد اللفظ من البيت ترى           جوهر المعنى لديه انكسرا


إن الشعر عند إقبال ليس تجربة وجدانية ذاتية فحسب، وإنما هي تفاعل موضوعي مع سياقات تاريخية واجتماعية، ومرجعيات معرفية وصوفية، تنتج عنه تجَلّياتٍ إبداعية تعانق هموم الإنسان وقضاياه، تستبطن دلالات حدسية، تنتمي إلى عوالم عرفانية، ومستويات معرفية، تكشف عن امتلاك الشاعر لجذوة الشعر وعمق تجربة الحياة. أي أن التجربة الشعرية عند إقبال رغم انطلاقها من الذات الشاعرة، وما يفيض عنها، إلا أنها لا تنفك من استحضار القضايا التي يعايشها، ويتعايش معها الشاعر، بخطاب شعري يجمع بين الوعي المستبصر للواقع، والحدس الباطني للذات، في تماسه مع الكون تماسا تفاعليا، يفضي إلى انبثاق عوالم تتوحد فيها التجربة الشعرية مع الذات الفردية والذات الإنسانية والوجود برمته. وتظل تجربة محمد إقبال تجربة متميزة تضارع في سموها تجارب إنسانية خالدة، استطاعت أن تنطلق من ذاتها الفردية والحضارية، عبر رؤية دلالية وجمالية مكنتها من التجذر في الهوية الإنسانية.



 ([1]) ـديوان محمد إقبال، ص 13.

[2])) ـديوان محمد إقبال، ص99.

[3])) ديوان محمد إقبال، ص101.

[4])) ديوان محمد إقبال، ص154.

([5]) ـمحمد إقبال فيلسوف الذاتية، ص69.

([6]) ديوان محمد إقبال، ص157.

[7])) محمد إقبال فيلسوف الذاتية، ص97.

[8])) ديوان محمد إقبال، ص190.

([9]) ديوان محمد إقبال، ص178.

[10])) ديوان محمد إقبال، ص178.

 

تعليقات القراء
محسن الهذيلي Aug 02, 2022
ملخص المقال وخاتمته جاء مختصرا ودقيقا ووفيا لمضمون المقال الجميل
تحياتي الأخوية

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب