الحج رحلة فاصلة
كتب  حيدر الغدير ▪ بتاريخ 28/06/2022 12:24 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 125

 

حمداً لله تعالى على عظيم نعمائه، وسابغ كرمه وجوده، حمداً له على عطائه الكبير العظيم الذي لا تخطئ أن تلمس آثاره المباركة هنا وهناك في كل ما تقابل، ولا تخطئ أن تلمسها بادئ ذي بدء في نعمة الإسلام التي أكرمنا بها جل شأنه، هذه النعمة التي لا مثيل لها قط، هي أعظم ما يفوز به المرء، وأثمن ما يستمسك به ويحرص عليه.


 ومن أعظم صور هذه النعمة، فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، ليجدد الحاج العزم على طاعة خالقه، والانقياد لمنهجه، والدعوة لرسالته، وليؤوب منها وهو يشعر بصدق وعمق أنه نقي الصفحة، مغفور الذنب، مقبول التوبة، بعد أن أدّى حق الله عز وجل، وبعد أن أناب وأطاع، وبعد أن قام بكل لوازم رحلة الحج الهادية المباركة.


الحج هو الرحلة الفاصلة بين عهدين، عهد مضى وانقضى يرجو المسلم أن يكون الله تعالى قد غفر له فيه ما فرّط وقصّر، وعهد جديد يستقبله المسلم، وهو على أمل عظيم ورجاء كبير أن يكون فيه بعيداً عن كل شر، مسارعاً إلى كل خير، متمسكاً بالإسلام، داعياً إليه، حاملاً شعلة هدايته المباركة النيّرة للعالمين.


والحج رحلة فاصلة حقاً، فإن المسلم عليه أن يدع الضلال العقلي، والجدل العقيم، والتذبذب بين الإيمان والشك، وما يشبه ذلك أو يقرب منه أو يمتُّ إليه بسبب، عليه أن يدع هذا كله، ويتخلى عنه عند الميقات حيث مكان الإحرام للدخول في شعائر الرحلة المباركة الفاصلة، ومع خلعه للثوب المشدود بالخيوط، عليه أن يخلع أثواب الأخطاء والآثام، والقصور والإساءات، ويخلع ثياب الرذائل الفكرية والنفسية والروحية والجسدية والأخلاقية المشدودة بخيوط الأرض إلى عالم ينأى عن منهج الله تعالى وهديه، ودربه اللاحب المستقيم.


عليه إذ يخلع ثيابه التي اعتادها عند الميقات؛ أن يخلع أوزار الشك، ودعوة الباطل، والمذاهب الوضعيّة، الجاهلة القاصرة التي يضعها بشر جاهلون قاصرون، يريدون منها أن تكون بديلاً عن منهج الله تعالى الكامل الصحيح الذي لا يأتيه الباطل بحال من الأحوال.


عند الميقات يجب أن تكون بداية الفصل بين عهدين، عهدٍ يُوَدَّعُ، وعهدٍ يُسْتَقْبَل، وعند الميقات يجب أن يتحدد الاتجاه الجديد لمسيرة المسلم، لقد كانت الحياة موزعة بين الأرض والسماء، بين الارتفاع والهبوط، بين دواعي السمو وجواذب الطين، بين إيثار الآخرة والانكباب على الدنيا، بين طاعة الرحمن واتباع الشيطان، ولكنِ الآن، ومن عند الميقات يجب أن يتقد العزم في فؤاد المسلم أن يجعل حياته كلها للخير والطاعة والإيمان، فلا مجال إلا للارتفاع، ولا طريق إلا لليقين، ولا تفضيل إلا للآخرة، ولا طاعة إلا لله عز وجل.


لا رفث ولا فسوق ولا جدال بدءاً من الميقات حيث أول مشاعر الرحلة الفاصلة المباركة، فكل ما كان يشوب إيمان المسلم وسلوكه يجب أن ينتهي، يجب أن يخلعه المسلم كما يخلع ثيابه عند الميقات، وإلّا فإن رحلة التيه والجدل، والذبذبة والضياع، والمفاسد والآثام ستظل مسيطرة عليه.


إن الميقات هو المكان الفاصل بين رحلتين: رحلة يلبس فيها ما يشاء ويفعل ما يريد ما لم يكن حراماً، ورحلة يتقيد فيها بلوازم الإحرام وضوابطه، وهو أيضاً الزمان الفاصل بين رحلتين: رحلة الغربة والتيه والتقصير، ورحلة الهداية والحقيقة واليقين، رحلة المعصية ورحلة الطاعة، رحلة الإفلات ورحلة الإخبات.


الطاعة والعزة، والانقياد والخضوع، والعبادة والتوجه، والحاكمية والألوهية، منذ الآن حيث يلبس المسلم لباس الإحرام، ومن هذا المكان في الميقات المعلوم، هي لله عز وجل، ولله وحده. كل المناهج إلا منهج الله باطلة، وكل الدروب -إلا دربه- تيه وضلال، وكل الدعوات -إلا دعوته- فساد وضياع، وكل الأحزاب -إلا حزبه- تجمع فاسد يقوده الشيطان، وكل الكتب -إلا قرآنه- وهمٌ وهباء.


من عند الميقات زماناً ومكاناً يجب أن يستقر في خلد المسلم أن انقياده التام بعد اليوم لله، ولله تعالى وحده، في الضمير والقلب والجسد، في الفكر والعاطفة والعقل، في القوانين والأنظمة والشرائع، في السياسة والحكم والاقتصاد، في كل شأن من شؤون الحياة فردياً كان أو جماعياً.


 فدين الله تعالى شامل متكامل، وهو يرسم منهج الحياة في كل شيء، فهو مصحف وسيف كما أنه دستور وقانون، وهو دين ودولة كما أنه سياسة واقتصاد، وهو عبادة في المسجد كما أنه تشريع للحكم، وعلى الحاج أن يتمحض ويتجرد لله عز وجل، الذي أكرمنا بهذا الدين الشامل الكامل، ويجعل ولاءه له وحده، دون الأهل ودون المال، ودون الجاه والمنصب، ودون الغرائز جميعاً، والأرضيات جميعاً، ويمكّن هذا الولاء ويقويه، برحلة الحج الهادية المباركة السعيدة.


***


الحج ورابطة الدين 

يصل الحجاج إلى الديار المقدسة عرايا من كل الروابط إلا رابطة الدين التي هي الأعلى. ذلك أن رابطة الدين، رابطة قناعة عقلية قلبية، يختار المرء فيها موقفه، أما بقية الروابط فهي تقوم على اهتمامات أدنى لا اختيار فيها للمرء ولا اقتناع، عرايا من كل لباس إلا من ثوب بسيط غير مخيط لا يميز فرداً عن فرد، ولا جنساً عن جنس، ذلك أن الفوارق جميعاً سقطت في الحج، وذلك أن القادمين يجمعهم أمر واحد، هو هذا الدين الذي آمنوا به ومنحوه محبتهم وولاءهم.


 وإذن ففي هذا المؤتمر الجامع لك أن تقول: إن عقيدة الإسلام هي وحدها العقيدة، ونَسَبه هو وحده النسب، وصبغته هي وحدها الصبغة.


ومن المقرر أن الإسلام لا يعرف نسباً، ولا يمجّد طبقة، ولا يقدّس لوناً أو لغة أو منفعة، مما تقدسه الجاهليات، وتمجده وتجمع الناس عليه، الناس عنده أمة واحدة سواسية كأسنان المشط؛ لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، والخلق عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله. وهكذا يتضح في الحج معنى المساواة الذي جاء به الإسلام وأيده وأكده أشد الوضوح، ومعنى الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة، ولا يفرقها جنس، ولا تفرقها لغة، ولا تفرقها عصبية، ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعاً.


ويمضي موكب الحجيج الطهور في الأرض الطهور، يتنقل في أرجائها ليعمّق الولاء للدين والاعتزاز بالإسلام، والفخار بالانتماء إلى أمة محمد ﷺ.. يمضي هنا وهناك، فتراه في الأراضي المباركة فتفرح به وتسعد.


تراه في عرفة متذكراً خطبة الرسول الكريم ﷺ على صعيدها الطيب، فيستشعر بذلك أملاً كريماً، ويجدد عهداً عظيماً، وهو أن يجدد شباب الأمة الإسلامية، وجهادها المبارك على الطريق الذي حدده لها انتماؤها للإسلام، رجاءَ أن تنهض هذه الأمة لهداية البشرية من جديد، وتنقذ الإنسانية من ليل شقائها الطويل وجاهليتها العاتية، وقيادتها الغربية الضالة التي قادتها صوب الشقاء.


إن من أعظم ما يعود به الحجيج إلى بلدانهم هو تقوية إيمانهم، وجعل ولائهم كله للإسلام وحده، وعزمهم على الجهاد من أجله حتى تعلو رايته وتسود، فيسعدون بذلك أنفسهم وذويهم وأمتهم والإنسانية جمعاء.

*****

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب