البناء الفني للقصة القصيرة عند فهد المصبح إعداد الباحث: سعد بن مذكر بن عبد الله القحطاني
كتب  التحرير ▪ بتاريخ 28/06/2022 12:02 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 125

 

بحث مقدم لنيل الدرجة العالمية الماجستير في النقد الأدبي بقسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي، في كلية اللغة العربية بالرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وزارة التعليم، المملكة العربية السعودية

إشراف أ.د: ولید بن إبراهيم قصاب

الأستاذ بقسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي

العام الجامعي 1438-1439هـ

***

 

شهدت الفنون الأدبية في المملكة العربية السعودية، تطورا ملحوظا في نموها وتناولها وارتفاع الإبداع الأدبي لديها، وتعدد المبدعون فيها بمختلف ألوانها.

وتعد القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية؛ من أبرز تلك الفنون النثرية السردية، فهي ذات علاقة عريقة بالإنسان، تتسق مع روحه المتطلعة ومع طبيعته المختلفة؛ لأنه جبل على حب الاستطلاع واستماع القص، فهو يتعلم منها إلى جانب حيويتها في الوعظ والنصح.

وعلى الرغم من مرور عقود طويلة، على بزوغ فن القصة القصيرة في سماء الأدب العربي، إلا أننا ما نزال ننتظر الكثير في مجال تبلور هذا الفن السردي بالمعنى الاصطلاحي المعاصر، الذي يتجاوز المفاهيم التقليدية للقصة القصيرة، في مجال العمل والشغل النظري على هذا الفن.

واستطاعت القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية أن تتبوأ مكانة بارزة على المستوى العربي، وتعدد کتابها المبدعون، وكثر عطاؤهم، فأصبح إنتاجهم بحاجة إلى دراسات نقدية جادة تضعه في معيار في صحيح.

من هنا جاءت فكرة دراسة أحد رواد الحركة القصصية في المملكة العربية السعودية وهو القاص فهد بن أحمد المصبح؛ وذلك لأهمية تجربة هذا الكاتب في مجال القصة القصيرة على الصعيد المحلي والعربي، فهو من رواد السرد المعاصرين في المملكة العربية السعودية، فجذوره تنتسب إلى وطننا الحبيب، كما أنه تبوأ مكانة مهمة على مستوى كتاب القصة المعاصرين العرب، على مدى ربع قرن، أنجز خلالها ست مجموعات في القصة القصيرة، ومجموعة واحدة في القصة القصيرة جداً، ورواية طويلة (الأوصياء) مطبوعة، كما أن لديه مجموعات وروايات أخرى لم تطبع بعد –كما قال-، فهو بهذا ذو إنتاج متنوع وغزير في مستويات السرد.

واللافت للنظر في تجربة المصبح تنوع أساليبه من مجموعة إلى أخرى، وطريقة معالجته لموضوعات قصصه، التي أتت متنوعة أيضا؛ لكنها بالمقام الأول تتمحور حول مجتمعه الذي ينتمي إليه، وما فيه من هموم ومشكلات وقضايا؛ إضافة إلى عالمه الخاص، بصفته كاتبا يعكس تجربة حياته في غير مكان من قصصه الموزعة على تلك المجموعات. فهو ينهل من بيئته كل مفردات أعماله، ويبرز خصوصية الزمان والمكان في البيئة السعودية الغنية، كما أنه أبدع في الجمع بين الرؤية والأداة، بين المضمون النبيل وبين الشكل الفني الجيد.

ومما دفعني إلى هذا البحث؛ قلة المراجع والدراسات حول القصة القصيرة بشكل عام، والقصة السعودية بشكل خاص؛ لذلك آمل، بل أرجو أن تكون دراستي إضافة جديدة مفيدة في هذا المجال.

كما أن القاص فهد المصبح تحديدا، لم أجد أحدا -على حد علمي- تناول مجمل أعماله في دراسة علمية مستقلة، وإنما هناك دراسات قليلة تناولت جزئياً أعمال القاص، فتطرق بعض الكتاب لكتابات المصبح الأدبية بدراسات موجزة ومختصرة، أو مقالات صحفية، منها: نسيج الإبداع.. دراسات في الخطاب الأدبي السعودي الجديد لعبد الله السمطي، تناول فيه الكاتب غياب الفعل الدلالي في قصة "الآنسة أولين" للمصبح، وبخاصة وقائع السرد، ووقائع الدلالة، وآليات السرد القصصي في مجموعة "رداء الذاكرة".

وکتب عادل ضرغام في جريدة الوطن (۹) ربیع الثاني 1436هـ؛ نقلا عن أكاديمي وناقد مصري -لم يصرح باسمه- كلاما رائعا يتعلق بعنوان مجموعة فهد المصبح القصصية "رداء الذاكرة"، وأنه يفتح أفق المتلقي لتأويلات عديدة.

 ونشرت جريدة الأيام البحرينية، العدد (3751)، الجمعة 27 صفر 1420هـ، الموافق ۱۱ يونيو ۱۹۹۹م؛ ورقتين نقديتين مقدمتين من كل من: كريم رضي، وجعفر حسن حول قصة (غد) من مجموعة "الآنسة أولين" لفهد المصبح، كان عنوان ورقة كرم رضي (صحو يكاد من التلذذ يحلم)، وعنوان ورقة جعفر حسن (اللعبة الإيحائية عند فهد المصبح).

وهناك دراسة نقدية للقاص الناقد البحريني أحمد المؤذن بعنوان ( طباخ ماهر في السرد.. في عمله الروائي الأول القاص السعودي فهد المصبح ينبش نوايا الأوصياء)، وقد نشرت في صحيفة أخبار الخليج البحرينية.

وكتبت الكويتية (منى الشافعي) ورقة نقدية لمجموعة فهد المصبح القصصية "رداء الذاكرة"، ومن ضمن ما قالت: (عندما أقرأ للمصبح أجده دائما يختبئ وراء كلماته)، وقد نشرت في صحيفة القبس الكويتية؛ لذا وجدت أن من الضرورة تقديم دراسة جامعية تنظر إلى إبداع المصبح نظرة شمولية من خلال دراسة "البناء الفني للقصة القصيرة عند فهد المصبح".

وقد توزعت دراستي بين تمهيد وأربعة فصول، تناولت في التمهيد التعريف بالقاص فهد المصبح وإنتاجه الأدبي ومرجعيته الاجتماعية والثقافية، ثم درست  الموضوعات التي تناولها، وقد غلب عليها الجانب الاجتماعي، ثم تحدثت عن الاتجاهات الفنية في قصصه، وقد برز منها الاتجاه الواقعي بالدرجة الأولى، مع تأثره بالاتجاهات الرومانسية والرمزية نسبياً.

وانتقلت بعدها في الفصل الأول إلى دراسة الشخصيات في قصص المصبح تحت مبحثین:

أولهما: أنواع الشخصيات من حيث طبقتها الاجتماعية، وحضورها وتأثيرها، ومن حيث أهميتها (الرئيسة والثانوية)، ومن حيث دورها (المسطحة والنامية).

وثانيهما: أبعاد الشخصيات الخارجية والداخلية، إضافة إلى البعد الاجتماعي.

 والفصل الثاني تحت مبحثين:

أولهما: تناولت فيه مفهوم الحدث وأنواعه وأساليب بنائه، فقسمته إلى حدث رئيسي وأحداث ثانوية، ودور كل منها في تصعيد السرد، ثم تحدثت عن أساليب بناء الحدث لدى القاص من خلال نسق التابع، ونسق التضمين، ونسق التناوب، وكيف جاءت هذه الأنساق أقرب إلى التوازن في قصصه.

وثانيهما: الحبكة بصفتها مفهوماً وعناصر، وفصلت القول في نوعين: الحبكة المحكمة، والحبكة المفككة، وكيف تراوحت قصص المصبح بين النوعين، وذكر عناصر الحبكة، وطرق بنائها المختلفة.

وفي الفصل الثالث: تحدثت عن فضاء القص، تحت ثلاثة مباحث:

أولها: عتبات النص، ومدى مساهمتها في استجلاء عالم القصة الداخلي عند المصبح، فبينت مدى ارتباط العناوين الخارجية والداخلية للقصص بالمحتوى، وكيف ساهمت في حيوية الحركة بين السارد والنص المسرود والمسرود له.

وثانيها: فضاء المكان الذي دارت فيه الأحداث، وتأثير المكان في الشخصيات ومناخ القصة بشكل عام.

وثالثها: فضاء الزمان من خلال عتبتين: (الديمومة والترتيب)، وبينت مدى ارتباط الزمن بالأحداث والشخصيات.

وفي الفصل الرابع: درست لغة القص في ثلاثة مباحث:

أولها: أنماط السرد، وأنواع السارد.

وثانيها: أنواع الحوار ومدى تأثيره في حركة القصة ووظيفته.

وثالثها: الوصف الذي تناولت أنواعه وطرائقه، وكيف تضافرت هذه العناصر لتجعل من قصص المصبح نموذجا ممتازا للقصة السردية السعودية المعاصرة.

أما الخاتمة؛ فقد اشتملت على نتائج البحث وتوصياته، ولعلها تسهم في تطوير القصة القصيرة السعودية بوصفها فنا صاعدا يتطلب المزيد من البحث والدراسة، وألحقت الخاتمة بثبت المصادر والمراجع وفهرسة الموضوعات.  

وقد اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، ما يقتضيه من إظهار البناء الفني للقصة القصيرة عند فهد المصبح، واستقصاء الظواهر الفنية السردية، ووصفها وتحليلها؛ لاستنباط النتائج، والوصول إلى أحكام دقيقة.

أما عن الصعوبات التي واجهتني في أثناء البحث فتكمن في:

أولا: كون القصة القصيرة فناً مراوغاً خصباً لكل ابتكار جديد، يتأبى على التحديد والقانون المنطقي الصارم.

ثانيا: عدم توفر الدراسات النقدية الكافية في القصة القصيرة للاستفادة منها عند معالجة أعمال القاص فهد المصبح.

ثالثا: صعوبة الحصول على المجموعات القصصية، فلم أجد أغلبها في المكتبات العامة والخاصة، مما جعلني أستعين بالقاص نفسه للحصول على بعضها، خصوصا مجموعة "رداء الذاكرة" التي طبعت في لبنان؛ فلم أجدها إلا عند القاص نفسه، وكذلك مجموعة الآنسة أولين، التي طبعت في النادي الأدبي بجازان، مما جعلني أستعين بأحد أصدقائي الذين يسكنون بمنطقة جازان في الحصول عليها.

ولا أجد للمقدمة خاتمة أفضل من أن أحمد الله العلي العظيم على أن يسر لي هذا الطريق الطويل وأعانني عليه، كما أشكر جميع من ساعدني وحرص على إنجازي لهذا العمل من أساتذة فضلاء، وأقارب نبلاء، وأصدقاء وزملاء، وأخص بالشكر والدتي وزوجتي على ما أولتاني به من رعاية كريمة، فجزاهما االله جميعاً عني خير الجزاء.

وأخيرا؛ فهذا هو بحثي المتواضع، بذلت في إنجازه ما أمكنني من وقت وجهد وجد، فإن كان ثمة سداد فمن الله -عز وجل-، وإن كانت الأخرى، فالكمال لله جل وعلا.

النتائج والتوصيات:

 ومن أهم النتائج التي وصل إليها البحث:

-       بدأ القاص بالقصة التقليدية في مجموعتيه الأولى والثانية من نشاطه القصصي، ثم خاض غمار التجريب واستخدام التقنيات الفنية الحديثة في باقي مجموعاته القصصية، وأن القصة لم تصل عنده إلى درجة عالية من التحديث.

-       تناول فهد المصبح في قصصه موضوعات اجتماعية: مثل الفقر والزواج واليتم، وغير ذلك، وموضوعات ناقشت قضايا دينية، من دلالات تدعو إلى التحلي بالأخلاق الإسلامية وقيمها العالية.

-       برز الاتجاه الواقعي في قصص فهد المصبح من خلال معالجته موضوعات واقعية في قصصه، ولم يخل نتاجه الإبداعي من ملامح رومانسية، تجلت في لغته التي عبر بواسطتها عن مشاعره وعواطفه، وظهر الاتجاه الرمزي خلال منح بعض شخصيات قصصه بعداً رمزياً.

-       تنوعت وتعددت الشخصيات في قصصه، إذ تجد في نتاجه الإبداعي شخصيات من مختلف الأعمار: الأطفال، والشباب، والشيوخ). ومن الناحية الاجتماعية حضرت شخصيات ثرية، وشخصيات فقيرة، وإن كانت هذه الأخيرة قد طغت على الشخصية القصصية من الناحية الاجتماعية، كما تفاوتت شخصيات قصصه من حيث الجانب الثقافي، فنجد فيها شخصيات مثقفة نالت حظها من التعليم، ونجد شخصيات حرمت من التعليم.

-       أما الشخصيات من حيث الدور الذي قامت به فقد كانت على قسمين: شخصیات نامية تتطور من خلال الحدث، وشخصيات مسطحة تكون أفكارها وتصرفاتها جاهزة. وقد حرص المصبح في اختيار شخصياته مراعاة التنوع والتعدد في المستويات النفسية، والجسدية، والواقعية، والاجتماعية، وغير ذلك.

-       دل الحدث القصصي بنوعيه الرئيسي والثانوي على براعة فهد المصبح وقدرته الفنية في اختيار أحداث قصصه، إذ يعطي أحيانا للحدث دورا في تضخيم المشهد، والمبالغة في التعبير عنه. كما أنه يعمد إلى التسلسل الموضوعي في بناء حدثه الرئيس الذي يتطور تطورا منطقيا عبر تسلسل أحداث ثانوية متتابعة. واعتمد المصبح على الحدث الثانوي في تطور الحدث الرئيس.

-       اعتمد المصبح في بناء أحداثه على ثلاثة أنساق: نسق التتابع، ونسق التضمين، ونسق التناوب.

-       وظف فهد المصبح عتبات النص في خدمة النص الأصلي، وخصوصا فيما يتعلق بعتبة العنوان التي دلت على حسن اختيار القاص لعناوين إنتاجه الإبداعي، سواء أكان على مستوى العنوان الخارجي، في عنوان المجموعات القصصية، أم على مستوى العنوان الداخلي في عناوين قصص المجموعة، مما يؤكد حرصه على إثارة فضول المتلقي، بغية دفعه إلى قراءة أدبه.

-       عبرت لغة القص عن تمكن فهد المصبح من الفن القصصي، إذ بينت من خلال تقنيات السرد والوصف والحوار مدى قدرة القاص في هذا الفن، وذلك خلال توظيف السرد في التعبير عن أفكاره، بتنويع الأساليب بين السرد التابع، والسرد المتقدم، والسرد الآني.

-       الحوار لدى القاص المصبح جاء بنوعيه الداخلي والخارجي معبراً عن أفكار شخصياته وطموحاتها وأحلامها، ومتناسباً مع البيئة التي تعيش فيها.

-       تعددت طرق الوصف في قصص فهد المصبح بين ثلاثة أنواع: الوصف عن طريق القول، والوصف عن طريق الفعل، والوصف عن طريق الرؤية. وقد تضافرت هذه الأنواع الثلاثة مع غيرها من عناصر البناء القصصي في التعبير عن أفكار المصبح، وأسهمت في إبراز جماليات قصصه.

-       لا يعني هذا أن قصص المصبح سارت كلها في مجالها الفني الصحيح، فهناك بعض القصص التي اختل بناؤها، وكانت ضعيفة فنياً، وكثرت فيها الأخطاء الإملائية واللغوية والنحوية، لكن ما يهمنا هو استمرارية المسيح في إبداعاته القصصية عنه، ورصد مؤشرات هذا الاستمرار وعلاماته من خلال دراسة البناء الفني لهذا الصرح القصصي الذي أبدعه.

من أهم توصيات البحث:

- ضرورة الاهتمام بالفن القصصي، لدوره الكبير في التعبير عن النفس الإنسانية، فضلا عن دوره في بناء مجتمع واع، وذلك من خلال ما يتضمنه هذا الفن من الإشارة إلى بعض المشكلات في الحياة والمجتمع، وتعزيز النقاط الإيجابية في المجتمع.

- أهمية دراسة الفنون الإبداعية للمبدعين والأدباء في الوطن، لما تقدمه من فائدة ثقافية واجتماعية في المجتمع، فالقصة السعودية لاتزال ميدانا خصبا للعديد من الدراسات العلمية الجادة، ذلك أن الدراسات القائمة حولها مازالت ضئيلة قياسا بفن الشعر والرواية.

وأخيراً؛ أسأل الله العلي القدير، أن ينفع بهذه الدراسة كاتبها وقارئها، وأن يوفقنا لصالح الأعمال والأقوال. والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب