في ظلال الكعبة للأستاذ الدكتور الحاج عبد الملك كريم أمر الله (حمكا) ترجمة: د.معهد مختار 4
كتب  عبد الملك كريم أمر الله (حمكا) ▪ بتاريخ 28/06/2022 11:53 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 125

 

 

(4)

       تركَتْ وفاةُ أمِّي أثرًا عميقًا في نفسي. فقلَّ تردُّدي على بيت زينب، واستغرقتُ في تفكير طويل فيما يتعلَّق بمستقبل حياتي. كيف أستضيء في ظلمات حياتي وقد انطفأتِ الشَّمعة التي لن أجد لها بديلاً؛ ولو استنفدتُ حياتي كلَّها للعثور على مثلها.

       وذات مساء، حينما كانتِ الشمس قد أخذت تميل إلى مرقدها ببحر باتنج أراو، كأنَّها تتسلّل من أطراف جبال فادنج، ثمَّ تختفي وراء الأمواج التي تتسابق إلى جزيرة فاندان، ثم تثب بأناملها على رمال الجزيرة التي تتلألأ بياضًا وصفاءً، وكنتُ آنذاك أتجوَّل وحدي في شاطئ باتنج أراو متأمِّلاً قواربَ تأتي وتغادر، فإذا بقارب يدنو إلى الشاطئ وفيه ثلاث شريفات يرتدين ملابس فاخرة، وكانت من بينهنَّ السيِّدة عائشة أمُّ زينب. وما لبثت أن رأتني، فسألتني:

-     ماذا تفعل هنا يا عبد الحميد؟! فأجبتُ:

-     أتجوَّل لأروِّح عن نفسي. وأنتِ من أين قدمت يا سيدتي؟

-     عدتُ من زيارة قبر أبيك المرحوم.. لماذا لم تأت إلينا كلَّ هذه المدّة الطويلة؟! أفتثقل قدماك لزيارتنا بسبب وفاة السيِّد جعفر؟!

-     لا يا سيِّدتي! بل إنَّني أحزنني توالي المصائب، فمكثتُ في داري أعالج نفسي بعدما عضَّها الدهر بنابِهِ!.

-     صبرًا جميلاً يا بُنيّ! أودُّ لقاءك غدًا لأهَمِّـيَّةٍ بالغةٍ.. هل يمكن أن تأتي؟

-     ولِمَ لا؟!، سآتي إن شاء الله..

 ولاحظتُ أنَّ هؤلاء الشريفات يلتفتن إلـيَّ، وآنستُ من وجوههنَّ الشعور بالأسى عليَّ. فبدا لي أنَّني قد أصبحت محورًا دار حوله حديثُهنَّ.

وفي اليوم الذي يليه، وفَّيتُ بوعدي. ولو أنَّ لي كرَّة، فررتُ من ذلك اليومِ الذي لن أنساه ما دمتُ في قيد الحياة!

 أتيتُ إلى تلك الدار التي كنتُ ألعب في ظلالها مع زينب في صغرنا.. وكأنَّ المنيَّة تركت لهذا البيت آثارًا تطفئ أضواء سرور تمتَّعنا به أيَّامًا سالفة. دققتُ الباب، فإذا بزينب تفتحه وترحِّب بي، وتراءت لي في وجهها شدَّة فرحٍ لم أر مثلها من قبل! وقالت:

-     لماذا لم تزرنا كلَّ هذه المدَّة الطَّويلة؟! أفنسيتنا؟!

 يا لها من كلمات تجعلني متلعثمًا في إجابتها! فقلت:

- في الحقيقة... يا زينب... أليس كلٌّ منَّا... أعني أنا وأنتِ قد أصابتنا مصيبة!؟ أعني وفاة أبيك وأمِّي.. وإنِّي...

تدخَّلت زينب بقولها:

- بل عليك أن تُكثر من زيارتنا لسبب هذه المصيبة. ثم توقَّفت عن كلامها....

- في الحقيقة! لم أنس هذه الدار وأهلها لحظة من لحظات حياتي.. ربَّما... أنتِ التي نسيتني!

 رأيتُ وجهها يتغير، وآنست من إنسان عينها لمحة حياء، فلم أجرؤ على مواصلة كلامي؛ لأننا سمعنا خطوات السيدة عائشة تقترب منَّا.

 وصلت السيِّدة عائشة، فقامت زينب لتستقبل أمَّها.فقالت موجهة كلامها إليَّ:

- متى جئتَ إلى هنا يا بُنَيَّ؟

- منذ قليل سيِّدتي..!

 دخلنا إلى غرفة الضيوف، وذهبت زينب إلى المطبخ لتُعدَّ القهوة كعادتها عند مجيء ضيوف. فقالت السيدة عائشة:

- عفوًا! كدتُ أنسى موعدنا.. كنتُ في دار جارنا لأنَّه سيقوم بحفل الزفاف؛ فلا بدَّ أن نمدَّ إليه يد المساعدة...

 واستمرَّ حديث أمِّ زينب حول زوجها المرحوم، وأمِّي المرحومة. ولكنَّني ما كنتُ أكترث لحديثها لأنَّ اللحظة التي رأيت فيها زينب عند الباب، فبدا لي وجهها يستنير، وبسمتها تزدهر وعينها تستتر حياءً؛ كانت تلحُّ على شعوري. تابعت أمُّ زينب قائلة:

- ما رأيك في زينب يا بُنَيَّ؟!

 استيقظت من خيالي لسؤالها!، فقلت:

- ماذا تقصدين يا سيّدتي؟!

- اتَّفقتِ الأقارب على أن نزوِّج زينب من ابن عمِّها وهو الآن يدرس في جاوا، وإن شاء الله تعالى، ستكون الخطبة في الشهر القادم. أمَّا الزواج، فسوف يكون بعدما يكمل ابن عمِّها دراسته. وقد أعلمت زينب بهذا الأمر، ولكنَّها رغبت عن الزواج لشدَّة حزنها على وفاة أبيها! ومن أجل هذا، دعوتك هنا. وإنِّي لأعلم أنَّ لك علاقة أخويَّة بزينب منذ صغركما. فأنت تعلم طبعها، وتدرك كثيرا من مشاعرها ورغباتها بسبب نشأتكما السابقة معا!. أفلا تساعدني في هذا الأمر يا عزيزي؟!

سكتُّ طويلاً، وكأنِّي غارق في التفكير بحثاً عن حلِّ المشكلة التي تواجه أمَّ زينب.. ولكنَّها في الحقيقة مشكلتي أنا! ما أعظم هذه المشكلة حتى لا أكاد أن أرى لها مخرجًا!.

- لماذا سكتَّ يا بنيَّ؟! أفلا تليِّن قلبها لكي توافق على الزواج؟! إنِّي أثق بك كما وثق زوجي المرحوم بك!

- كيف أساعدك يا سيِّدتي؟! إن لم تقدر أمُّها أن تُقنعها بالزواج، فكيف لي السبيل إلى ذلك، ولست من أهل هذا البيت، وليس ضعفي بخاف عليك!؟

- لا تقل مثل هذا الكلام يا بُنَيَّ! لقد عدَّك المرحوم ابنًا له وسندًا لنا. وباسمه، باسم الحاجِّ جعفر، أرجو منك أن ترغِّب زينب في الزواج!.

- هكذا الأمر إذن! سمعًا وطاعة يا سيِّدتي!

 أشرق وجه أمّ زينب، ولم تلاحظ كآبة وجهي.

       جاءت زينب بحلويَّات وفنجانَين من القهوة. فقالت أم زينب:

 - اجلسي هنا بنيَّتي!.. لعبد الحميد كلمات يريد إبلاغها إليك، فاسمعيها جيِّدًا!.

يا ربِّ! ما أثقل هذا الأمر! وما زلت في حالة تردُّد وتحيُّر..ماذا سأقول؟ وكيف ألفظ بجمل كأنَّ كلماتها، بل حروفها، أشواك تجرح فؤادي وتقطِّع لساني.قالت أم زينب:

-     تكلَّم يا عبد الحميد!. قد ضاع كثير من الوقت.

 حاولت أن أجمع طاقتي المبعثرة، وبدأت أنظم كلماتي، ثم قلت: 

-     أختي زينب! منذ وفاة أبيك المرحوم، لم نر لهذا البيت وجه سرور!، وكأنَّه يلتمس من يواسيه ليعود إليه بهاؤه من جديد. إنَّ هذا البيت في حاجة إلى من يقوم برعايته بعد أن هزَّتِ المنيَّة عماده.. زينب! علينا برُّ الوالدين بطاعة أمرهما رغبنا أو كرهنا. وسبق إليك العلم بأنَّ أمَّك أرادت أن تتزوَّجي فتىً.. من أقاربك. فإنِّي... فإنِّي... أنصحك من أعماق قلبي... أن... أن تلبِّي رغبتها...!

 شعرت بعد أن لفظت تلك الكلمات كأنّي تخلصت من حمل ثقيل. وطوال حديثي كانت زينب تطأطئ رأسها، وتتلاعب أصابعها بأعواد كبريت، ثـمَّ تقطِّعها تقطيعاً! ولم تنبس ببنت شفة، ثـمَّ رفعت وجهها، فإذا بقطرات من الدموع تسيل على خدِّها!.

-  ماذا ترين يا زينب؟

- آسفة! لا أرغب في الزواج!

- من أجل أمِّك وأبيك المرحوم، تزوَّجي يا زينب!

- لا!

- من أجلي أنا؟!

- هل تجبرني على الذي يضيق به صدري؟!

- ما أنا بمجبرك! ولكنَّه... رغبةُ أمِّك يا زينب! إنَّها قد أحسنت إليك، فأحسني إليها يا أختي!.

 سكتت زينب وبكت. وأخذتُ أدرك أنَّني في الحقيقة كنتُ غريقًا في بحر الخيال حتَّى إذا وجدت ما يكمن فيه من درَّة نفيسة؛ استيقظت من خيالي، فلم أجد لنفسي سوى السراب! فكيف أروي به نفسي؟! وحتَّى هذه اللحظة، لم أدر أكانت زينب تحبُّني أم لا!؟. وكاد ذلك اللقاء يبثُّ لي ما يختفي في قلب زينب من مشاعر تجاهي. ولكن..، قبل أن تكتشف حقيقة السرائر، جاءت أمُّها بأمر أغلق لكلِّ أمل مدخله. ولم أجد لنفسي مخرجًا من هذا المأزق إلاّ أن أسلك طريق عودتي إلى البيت، وكيف يستقيم السَّيْر والعقل شارد؟! وكيف يهتدي العقل والفؤاد هائم؟!

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب