شدُّ الحِزام في أوقات الزحام!
كتب  يحيى حاج يحيى ▪ بتاريخ 28/06/2022 11:51 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 125

 

 

قال، وقد ارتسمت علامات السرور على وجهه: أنا متأكد –يا خالي- مدير المؤسسة أخبرني... السَّمنة وصلت، وستوزع هذا اليوم!!


لم يتحرك خاله من مكانه؟! الأمر الذي أثار دهشته؛ فخاله موظف متقاعد، وليس له عمل، وهو متفرغ لمثل هذه الأخبار... بل إنه يعرف مؤسسات المدينة كلها.. متى توزع؟ ومتى تزدحم؟ وفي أي الزوايا يقف؟!


ولكنه اليوم -على غير عادته- بارد الأعصاب وكأن الأمر لا يعنيه!! يكلمه، فيجيبه بلا مبالاة، يستثير حماسته، فينثر أمامه كلمات باردة وكأن بيته مليء بالسَّمن.. حيّره هذا الموقف، وأزعجه في وقت واحد.


همّ بالانصراف، ولكنه طلب إليه البقاء، وهو يكاد يَتميز من الغيظ إذ يرى الراكضين والمهرولين باتجاه المؤسسة، وقد سرح خياله خلفهم، يتصور كيف ضاعت منه هذه الفرصة؟!


شد انتباهه صوت خاله، وهو يقول: شد حزام (بنطالك).. يا خليل.. قبل الوصول إلى المؤسسة.


أغاظه أكثر، فلاذ بالصمت، وقال في نفسه: سبحان الله! يمازحني، ويستمهلني، وهو يعلم ما بي من ضيق، وكأنه مولع بإزعاجي.


قطع خاله ما كان يفكر فيه، وقال: لست مازحاً! اجلس قليلاً لأحكي لك ما حدث في المرة السابقة.


قال موافقاً على مضض: تفضل.


قال: كنت وجار لي في آخر الطابور ننتظر دورنا، وبعد أكثر من ساعة تقدمنا بضع خطوات، ولكن جارنا أبى أن يستمر على هذه الحال، فتدافع مع الواقفين، واستطاع الوصول إلى باب المؤسسة، واستلم حصته من السمن، ثم أراد الخروج فكان كمن يعاكس التيار؟ يدفع الناس، فيدفعونه... حتى كاد أن يختنق، وهو يغالب المتدافعين، ثم غاب عن نظري، فلا أسمع إلا صوته يصيح: طريق يا شباب..  يا ناس! افتحوا الطريق.


وبعد معاناة خانقة تمكن من الخروج وكان (بنطاله) قد نزل إلى أسفل ركبتيه، وهو لا يزال ممسكاً بعلب السمنة، خشية أن تسقط من يديه، حتى انتهى إلى مقربة مني، ليقول لي: يا حاج علي: الله يسترك.. استرنا، وارفع لي البنطال لا أستطيع أن أرفعه، وبين يدي العلب!.


نظر خاله إليه بابتسامة حزينة، وهو يقول: الله معك يا ابن أختي... مع السلامة، لكن شد حزام بنطالك، فالازدحام في هذه المرة أشد من المرة السابقة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • من مجموعتي  القصصية  (البرتقال يزهر على ضفاف العاصي)، نشر دار الضياء بعمان، الأردن.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب