الأدب الإسلامي والنوائب
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 28/06/2022 10:27 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 125

 

 

كيف يحس المرء إذا اجتمعت عليه الهموم، واشتدت عليه النوائب!؟ كيف إذا تواكبت علل في جسمه، وخصوم في عمله، وأعداء في فكره ورسالته!؟


لا شك أن الدفاع عن الذات في فكرها ومعتقدها وباب رزقها من أوليات ردات الفعل عند كل إنسان عاقل، وأن مواجهة العلل والأمراض بالتداوي وطَرْق جميع أبواب العلاج سلوك طبيعي عند كل فرد سوي، فإذا ما طالت المواجهة، وتأخر تحقق الأمل بالشفاء وإسكات الخصوم؛ فإن الضعف سيدب في جسم المقاوم وفي نفسه، وسيبدأ الشعور باليأس والإحباط يتسلل إلى نفسه ويتمدد فيها، فينضاف إلى الخصوم السابقين – العلل والأعداء- خصوم جدد هم أشد فتكاً، خصوم اليأس والإحباط وتوقع الهزيمة، فإذا لم يكن لهذا الذي يواجه كل هذه الشدائد من العزم والقوة فسينهار بعد حين، ويستسلم لكل مواجهيه، بل سيجعله اليأس والإحباط يسقط نفسه بنفسه؛  إنْ في الكآبة والقنوط، وإنْ في الشعور بالخور والضياع، وربما بلغ ذلك به مبلغ السعي للهرب من كل شيء، حتى من الحياة نفسها. وهذا ما تطلع به الأخبار صباح مساء عن تعساء في أنحاء العالم وخاصة العالم الغربي الذين تمتلئ بهم العيادات النفسية والمصحات العقلية والمشرحات التي تستقبل جثث المنتحرين.


وفي يقيني أن السبب الأكبر الذي بلغ بأولئك التعساء ذلك المبلغ هو الخواء الروحي، وسوء الفهم للحياة الدنيا ورسالة الإنسان فيها، وغياب الارتباط بالإيمان أو ضعفه الشديد، فهؤلاء الذين لم تخرج رؤيتهم للحياة الدنيا عن الحاجات الجسدية والرغبة في متارف الحياة الدنيا سيسقطهم العجز عن تحصيلها في مواجهات قصيرة، وستغشى أعينهم العتمة، وتملأ قلوبهم المرارة عندما تصيبهم المصائب، فلا ملجأ يلجؤون إليه، ولا يتطلعون إلى الدروب التي تقودهم إلى أبواب الله المفتوحة، فتشتد مرارتهم، ويستوطنهم الإحساس بعبثية الحياة أو خللها، ويستهونون الخروج منها ولو بقتل النفس.


غير أن الذين آتاهم الله رؤية شاملة، وفهماً للحياة الدنيا ورسالة الإنسان فيها، وهداية للسير في الدروب المؤدية إلى أبواب الله لن يسقطوا تلك السقطة، بل سيجدون في علة الجسد فرصة أكبر لسلوك الدروب إلى أبواب الله، واليقين الكامل بعدله وحكمته، والتطلع القوي إلى فضله وشفائه، والثقة البالغة بأجره ومثوبته.


وسيكون يقينهم بالله سبحانه وتعالى كبيراً بأنه ينصر الحق وينتصر للمظلوم ولو بعد حين، وينتقم من الظالم لا محالة، وهذا سيشد من عزيمتهم وسيجعلهم أقوى وأقدر على مواجهة كل الشدائد التي يلاقونها؛ شدائد العلة والمرض بالتداوي والدعاء، وشدائد الخصوم والأعداء بالثبات لهم، والصبر على مواجهتهم، واليقين بخير النتائج، بل سيجعلهم إيمانهم يستشعرون قوة المؤمن وعزته، فتوكلهم الله، واعتمادهم المطلق عليه سيجني لهم أفضل العطاءات على كل الأحوال.


هذه الحالة طالما جسدها المؤمنون الذين ابتلوا ببلاءات العلل والخصومة قديماً وحديثاً، وخاصة عندما يكون هذا الأديب من الذين آتاهم الله قريحة ثرة تحسن التعبير عن مشاعرها وتطلعاتها، آنئذ سنجد نصوصاً أدبية رائعة تصور هذه المواقف الإنسانية الدقيقة.


وبين يدي قصيدة قصيرة للشاعر المبدع أبي القاسم الشابي أعدها واحدة من تلك النماذج، صور فيها الشاعر ما واجهه من بلاءات اجتمعت عليه في وقت واحد؛ بلاءات المرض وأوجاعه، وبلاءات خصوم العمل والفكر والعقيدة، فلم تزده هذه المواجهات إلا ثباتاً، ولم تثن شيئاً من عزيمته، بل جعلته يزداد قوة ويقيناً بعون الله له ونصره. وتفجرت قريحته الشعرية بصورة متميزة لعزة المؤمن، وبين لخصومه أنه رغم كل ما فيه من آلام العلة والخصومة سيظل شامخاً كالنسر، وسيظل متجلداً مقاوماً للضعف والسقوط في هوة اليأس والكآبة، وسيملأ قلبه بكلام الله ووعده الحق، فيقول:


سأعيش رغم الداء والأعداء         كالنسر فوق القمة الشماء

لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى       ما في قرار الهوة السوداء

وأسير في دنيا المشاعر حالماً       غرداً وتلك سيادة الشعراء

وأصيخ للصوت الإلهيّ الذي        يحيي بقلبي ميّت الأصداء

لا يطفئ اللهب المؤجج في دمي    موج الأسى وعواصف الأرزاء


ويتوجه الشاعر إلى خصومه الذين كانوا يناوئونه في فكره ودعوته ومكانته، فقد كان الشابي خريج جامعة الزيتونة الإسلامية، وكان أحد النشطين في الدفاع عن الحق والحرية والفضيلة بشعره وجهوده، يتوجه إلى خصومه ويتحداهم أن يفعلوا في خصومتهم ما يفعلون، فلن يؤثروا فيه، لأن فؤاده كالصخرة القوية لا يعرف الضعف والشكوى، فقلبه مليء بالهدى والنور يضيء له بصيرته، فيقول:


فاهدم فؤادي ما استطعت فإنه              سيكون مثل الصخرة الصماء

لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا             وضراعة الأطفال والضعفاء

النور في قلبي وبين جوانحي               فعلام أخشى السير في الظلماء

وأنا الخضم الرحب ليس تزيده              إلا حياة سطوة الأنواء

وأنا السعيد بأنني متحول                   من عالم الآثام والبغضاء

لأذوب في فجر الجمال السرمدي           ولأرتوي من منهل الأضواء


وتبلغ ثقة الشاعر بإيمانه ويقينه درجة عليا من السمو يتعالى به على سفاسف خصومه، الذين حاولوا جهدهم تعويقه عن رسالته، ويتمسك بيقينه بأن الله ناصره ما دام على الحق، وبأنهم مهما رموه في خصوماتهم فلن يزيدوا على من يرمي ظل الشخص بالحجارة، فالإيمان الذي ملأ قلبه يجعله لا يعبأ بكل ما يرمونه به، فيقول متحدياً خصومه:


وأقول للجمع الذين تجشموا                 هدمي وودوا لو يخر بنائي

إن المعاول لا تهد مناكبي                 والنار لا تأتي على أعضائي

وإذا تمردت العواصف وانتشى              بالهول قلب القبة الزرقاء

ورأيتموني طائراً مترنماً                    فوق الزوابع في الفضاء العالي

فارموا على ظلي الحجارة واختفوا           خوف الرياح الهوج والأنواء

وترنموا ما شئتمُ بشتائمي                   وتجاهروا ما شئتمُ بعدائي

أما أنا فأجيبكم من فوقكم                  والشمس والشفق الجميل إزائي

من جاش بالوحي المقدس قلبه             لم يحتفل بحجارة الصُّغراء


وبعد؛ فلا شك أن من يمتلئ قلبه بنور الوحي المقدس ستمتلئ نفسه بعزة المؤمن، وسيكون شجاعاً مقداماً لا يهاب ما يواجهه من خصوم، ولا يقنط لما يواجهه من أدواء، فيقينه بالله سبحانه وتعالى يجعله قوياً صابراً مؤملاً فرج الله ونصره، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه كل مؤمن مبتلى، وما يجسده الأدباء الإسلاميون ويعتز به الأدب الإسلامي في نصوصه.


 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب