إقبال الأديب والشاعر في ميزان الدكتور عبد الوهاب عزام (2/1)
كتب  د.رانيا محمد فوزي سيف النصر ▪ بتاريخ 25/05/2022 10:36 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

 

(مؤتمر شاعر الإسلام محمد إقبال، في رحاب إيوان إقبال بمدينة لاهور، في الباكستان، بالتعاون بين المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في باكستان، والجامعة الأشرفية، وحكومة البنجاب المحلية، في المدة من 29-30 تشرين الأول (أكتوبر) 2016م). 

 

إقبال

عبدالوهاب عزام

 


مازال العلامة إقبال حتى يومنا هذا مدار بحث ودراسة لأعماله، ليس في الدول الناطقة بالفارسية والأردية؛ لغة تأليفه، ولكن هناك العديد من الدراسات في لغات العالم للتراث الأدبي والفلسفي الذي تركه لنا هذا الأديب الكبير.

ولعل من بين هؤلاء المهتمين الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام([1])، الذي تعد ترجماته لشعر إقبال من أفضل الترجمات التي قدمت لأعمال محمد إقبال، وخاصة أنها ترجمت شعراً. ومازال كتابه عن سيرة إقبال مرجعاً لكل من يكتب عن هذا الفيلسوف المسلم حتى يومنا هذا.

يقول عنه الدكتور طه حسين في المقدمة التي كتبها لكتابه "محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره":

(يرحمُ الله صديقى الكريم عبد الوهاب عزام، فقد كان مصدر نفع أي نفع، وخير أي خير لوطنه ولغته! كان رائدًا من رواد الحياة الأدبية العليا بأدق معانيها وأصدقها في الوطن العربي كلِّه، ثم في التقريب بين هذا الوطن العربي، وبين أوطان أخرى بعيدة في الشرق والغرب....)([2])

والدكتور عبد الوهاب عزام هو رائد الدراسات الفارسية، كان أديباً ودبلوماسياً، وواحداً ممن دافعوا عن هوية اللغة العربية، ووقف في وجه دعاة تحويل حروفها إلى اللاتينية، كما حدث في تركية على يد كمال أتاتورك.

يذكر د. طه حسين شغفه عبد الوهاب عزام بتعلم اللغات، فيقول:

(ثم لم يكن يكتفي بهذا كله، وإنما كان يضيف إليه نشاطًا جديدًا لم يكن مألوفًا في مصر أثناء ذلك العصر. كان يحاول أن يتعلم اللغة التركية، وكنت إذا أردت أن أدرب طلاب الجامعة على قراءة نصٍّ من النصوص الفرنسية التي تتصل بتاريخ الحضارة اليونانية أو الرومانية أو بالأدبيْنِ اليوناني واللاتيني؛ كلفته هو القراءة والتفسير، وقمت منه مقام الأستاذ الذي يعلم تلاميذه كيف يقرؤون وكيف يفقهون...)([3])

وقد كان إلى جانب عشقه لإقبال عاشقًا للتصوف تتوق نفسه إليه، يقول عن نفسه:

(وأنا نزَّاعٌ إلى الصوفية منذ نشأتُ، وزادني معرفةً بها ورغبةً فيها وحبًّا في المزيد منها؛ أنْ تعلمتُ اللغة الفارسية وقرأت الشعر الفارسي. وأعلامُ شعراء الفرس وأشدُّهم استيلاءً على النفوس واستحواذًا على القلوب هم الصوفية منهم. وقد أثَّروا تأثيرَهم في الشعر الفارسي حتى لا يخلو شاعرٌ فارسيٌّ من نفحة صوفية...).([4])

ونحن عندما نطالع أعمال د.عبد الوهاب عزام عن إقبال نلاحظ افتتاناً شديداً بهذا الرجل، منذ بداية معرفته بأعماله وسماع اسمه. وقد تحدث عن هذا الأمر في مقدمة كتابه عن إقبال، ولندعه يقص علينا هذا الأمر:

(سمعت أول ما سمعت بمحمد إقبال وأنا في لندن قبل عشرين عامًا. سمعت كلامًا مبهمًا موجزًا عن شاعر صوفي في الهند اسمه إقبال، لم يُعرفني هذا الكلام بإقبال، ولم يشوِّقْني كثيرًا إلى معرفته.

وأذكر أن شابًا من مسلمي الهند تكلم يومًا عن إقبال في مدرسة الدراسات الشرقية من لندن، ولكن لهجته وعجلته في الكلام، وغموض الموضوع، حالت دون أن نعرف إقبالًا من كلامه. 

وأتذكر أن أستاذنا سير دنسن روس قال لي بعد المحاضرة: إنه لم يدرك منها شيئًا. ومرت الأيام مرورها، ولا أدري كم طوت من السنين قبل أن أطلع على شعر إقبال.

وكان محمد عاكف — رحمه لله — الشاعر الكبير، الذي يسمى في تركيا شاعر الإسلام، صديقًا لي، وكنا نقيم في مدينة حلوان، فنلتقي بين يوم وآخر، ولا يمر أسبوع دون اللقاء مرة أو أكثر. وكنا حين نلتقي نتذاكر الآداب العربية والفارسية والتركية، وأقرأ عليه شعره أحيانًا. وذات يوم أرانى ديوانًا اسمه "پیام مشرق" للشاعر محمد إقبال،  فقرأنا معًا فكان أول شعر لإقبال قرأت، راقني الشعر وشاقني إلى الاستزادة منه؛ إذ رأيت ضربًا من الشعر عجيبًا، يُذَكِّر بحافظ الشيرازي، وشعراء آخرين من الصوفية، ولكن فيه ما لم نعهد في شعر هؤلاء من فلسفة يصورها الشعر نورًا ونارًا في عين القارئ وقلبه.

ورأى شاعر الإسلام شغفي بالكتاب، فأعارني إياه، فكان الكتاب عارية لم تسترد، فلا تزال النسخة عندي ذكرى لأول قراءة في شعر إقبال، وتذكارًا للصديق محمد عاكف، وعلى حواشي الكتاب كلمات لعاكف في مواضع إعجابه من شعر إقبال.

       ثم أهداني أحد معارفي من مسلمي الهند المقيمين في القاهرة المنظومتين "أسرار خودى" و"رموز بى خودى"، فقرأتهما قراءة المشوق المترقب والوارد الظمآن، وزدت إكبارًا لإقبال، ومعرفة به، وحبًّا له. وشرعت أحدِّث الناس عن إقبال في مجالسي وفي مجلة الرسالة، وأحاضر في شعره. وعرف الناس حبي إقبالًا وتشوقي إلى كتبه، فأرسل إليَّ من يعرفني ما عنده من دواوين إقبال، حتى أَهدَى إليَّ صديق في مكة منظومتي إقبال "مسافر" والمنظومة التى عنوانها "پس چه بايد كرد"....).([5])

       نلاحظ هنا اللغة التى استخدمها د.عزام وما تحمل في طياتها من حب وإكبار لإقبال يصل لدرجة العشق، بل إن هذه العلاقة التي بدأت منذ وقعت عينا د.عزام على كتابات إقبال ليست خافية على أصدقائه ومعارفه، فأصبح كل من يريد إكرامه يهديه كتابًا من كتب إقبال.

       كذلك نلاحظ أن حب د.عبد الوهاب عزام لإقبال لم يكن مجرد حب قارئ لشاعر عظيم، ولكنه حب عالم استطاع أن يرى في كتابات إقبال ما لم يره حتى في كتابات شعراء الشرق المجيدين أمثال حافظ الشيرازي وغيره من أعلام الصوفية. ولم يدع هذا الحب قاصرًا عليه فقط، بل نقله إلى قرائه من خلال ترجمة شعر إقبال، وكتابٍ عن سيرته.

       وقد التقى د.عزام بشاعرنا الكبير في القاهرة، ولندع له سرد تفاصيل هذا اللقاء مع معشوقه، فكلماته أبلغ، وعباراته أمتع:

(وكان من سعادة الجَدِّ وغِبطةِ العين والقلبِ، أنْ قدِم إقبال مصر في طريقه إلى المؤتمر الإسلامي الذي اجتمع في المسجد الأقصى سنة ١٩٣١م. ودَعَتْ جمعية الشبان المسلمين إلى الاحتفال بالرجل العظيم. واقترح أستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار — رحمه لله — أن أقُدِّم محمد إقبال إلى الحضور؛ إذ كنتُ — على ضآلة معرفتي — أعْرَفُ الحاضرين به. وكان هذا شرفًا لي وسرورًا، وفاتحةً من عالم الغيب لصحبةٍ طويلةٍ، صحبة المُريدِ للمُرشد، والتلميذ للأستاذ، ومُقدمةً لجهدٍ مديد في الكتابة عن الشاعر والحديث عنه، وترجمة دواوينه إلى العربية.

تحدثْتُ ما وسعت معرفتي، وأنشدْتُ أبياتًا من ديوان رسالة الشرق عَلِقتْ بذهني. وهي بالعربية فيما أتذكرُ:

يا من يطلب في المدرسة المعرفة والأدب والذَّوق! إن أحدًا لا يشرب الخمر في مصنع الزجاج،

قد زادت دروس حكماء الفرنج عقلي، وأنارت صحبة أصحاب البصائر قلبي،

أخرج النغمة التي في قرار فطرتك،  يا غافلًا عن نفسك! أخلِها من نغمات غيرِك([6]).

وكذلك أنشدتُ هذه الشطرات:

يالك من يراعة            تصورت من نور

مسيرها سلسلة              الغياب والحضور

وسنّة الظهور

وقلتُ له حين انفضَّ المجلس: لا تؤاخذني، ليس في وسعي أن أنشد شعرك خيرًا مما أَنشدت. فقال: حسن! أنشدتَ صحيحًا.  ووقف إقبالٌ بعد أن عَرَّفتُ الحاضرين به تعريفًا موجزًا، فتكلم بالإنكليزية في أحوال المسلمين وتطور الفكر الإسلامي، وأفاض ما شاء علمه وبيانه. ومما وعيتُه من هذا الكلام قوله عن الصوفيَّة : إنَّهم علماء النفس بين المسلمين.

وقد وُكل إلى الأستاذ محمد الغمراوي أن يسجِّل خلاصة خطاب إقبالٍ ويقرأها على الحضور. فكتب وحاول أن يترجم ما كتب ارتجالًا، ثم رأى أن يترجم على روِيَّة وينشر الترجمة في مجلة الشبان المسلمين.  وقد حرصت على لقاء الشاعر من بعد، ولكن ضِيق الوقت قبل سفره إلى القدس لشهود المؤتمر الإسلامي لم يُبلِّغني ما حرصتُ عليه إلا لقاء للوداع في محطة القاهرة).([7])

وقد دعي د.عزام لينعى معشوقه، وملهمه وهو في بيت المقدس:

(ولما توفي إقبال دعيت إلى بيت المقدس لأذيع حديثًا عنه، فتحدثت في سيرته وشعره، وقلت: إن شاعر الإسلام العظيم جدير أن ينعى إلى المسلمين جميعًا من بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى).([8]) 

كما قام د.عبد الوهاب عزام بتأبين شاعر المشرق في أكثر من مناسبة، فقال:

(ولبثتُ أكتبُ عن إقبالٍ، وأترجم من شعره ما وسع وقتي، وعلى قدر فقهي وعلمي بسيرته حتى نُعِيَ إلينا في نيسان من سنة ١٩٣٨م.  فكان كما قال أبو تمَّام:  

أصم بك النَّاعي وإن كان أسمعا.

وقد احتفلت جماعة الأخُوة الإسلامية بتأْبينه — وكنت يومئذٍ رئيس الجماعة —فكان لها حفلتان بقبة الغوري وجمعية الشبان المسلمين، وتكلمتُ في الحفليْن وأنشدتُ من منظومة اللمعات التي نظمْتُها وأهديْتُها إلى إقبالٍ. وأنشدت قصيدةً ترجمتُها من ديوانه "بانگ دارا". وكان مما قلت في أحد خطاباتي في تأبين الشاعر العظيم:

في اليوم الحادي والعشرين من شهر نيسان/أبريل سنة ١٩٣٨م، والساعة خمس من الصباح، في مدينة لاهور، مات رجلٌ كان على هذه الأرض عالمًا روحيًّا يُحاول أن يُنشِّئ الناس نشأة أخُرى، ويسنَّ لهم في الحياة سُنَّة جديدة. وسكنَ فكرٌ جوَّال جمع ما شاءت له سعته من معارف الشرق والغرب، ثم نقدها غير مستأسر لما يُؤثَر من مذاهب الفلاسفة، ولا مستكين لما يُروَى من أقوال العظماء.

ووقف قلبٌ كبير كان يحاول أن يصوغ الأمة الإسلامية من كل ما وعى التاريخ من مآثر الأبطال وأعمال العظماء.

وقرت نفسٌ حرة لا يحدُّها زمان ولا مكان، ولا يأسِرُها ماضٍ ولا حاضرٌ. فهي طليقة بين الأزل والأبد، خفَّاقة في ملكوت الله الذي لا يُحَدُّ.

فاضت روح الرجل الكبير المحبوب في داره بلاهور، ورأسه في حجر خادمه القديم علي بخش، وهو يقول: إني لا أرهب الموت، أنا مسلمٌ، أستقبل المنيَّة راضيًا مسرورًا.

قرأتُ كلام إقبال في الحياة والموت، ورأيت استهانته بالحِمام، واستهزاءه بالذين يَرهبونه.  ما كان هذا خُدعة الخيال، ولا زخرف الشعر؛ فقد صدَّق إقبالٌ دعوته في نفسه حين لقِيَ الموتَ باسمًا راضيًا.

جدَّ المرضُ بإقبالٍ وكان يقترب إلى الموت وهو مُتَّقِدُ الفكر قويُّ القلبِ، يَصوغ عقله كلمات يُوقظ بها النفوس النائمة، وينثر قلبه شررًا يُشعل به القلوب الخامدة.  وكان في شغلٍ بنَظْم ديوانه الأخير "أرمغان حجاز" هدية الحجاز، وكان قلب الشاعر يهفو ؛ إلى الحجاز.  وكم تمنى أن يموت فيه.  وقد ضمَّن هذه الأمنية دعاءه في كتابه رموز بي خودي.

    ومما قال في أشهره الأخيرة:

آية المؤمن أن يلقى الردى        باسم الثغر سرورًا ورضا

وقد أنشد هذين البيتين — وهما مما أنشأ أخيرًا — قبل الموت بعشر دقائق وترجمتهما:

        نغمات مضين لي هل تعود         أنسيم من الحجاز يعود

       آذنت عيشتي بوشك الرحيل          ألعلم الأسرار قلب جديد؟)([9])    

    وعندما سافر إلى الهند – قبل قيام باكستان زار ضريحه:

(ولما قدمت الهند سنة ١٩٤٧م، قبل قيام دولة باكستان بأربعة أشهر، سافرت من دهلي إلى لاهور لزيارة ضريح إقبال وداره، ورؤية أولاده، واتفق أن كان ذهابي إلى لاهور قبل ذكرى وفاته بأيام قليلة.  وكان احتفال بي وبوفد إيراني رئيسه الصديق علي أصغر حكمت عند ضريح إقبال، وألقيت هناك كلمة عربية تنشر في رحلاتي الثانية، وأنشأت في دهلي أبياتًا عربية نقشت في لوح من الرخام، وحملتها إلى لاهور لتوضع عند قبر إقبال. وقد وعد أوصياء إقبال أن يضعوها في جدار حجرة الضريح حين يتم بناؤها وهذه هي الأبيات:

         عربي يهدي لروضك زهرًا        ذا فخار بروضة واعتزاز

         كلمات تضمن كل معنى          من ديار الإسلام في افتخار

         بلسان القرآن خطت ففيها        نفحات التنزيل والإعجاز

         فاقبلنها على ضآلة قدري         فهي في الحق "أرمغان الحجاز")([10])

 



[1]) ) اعتمدت في هذه الدراسة على كتاب د. عبد الوهاب عزام عن إقبال، وكذلك مقدمات دواوينه الشعرية التي كتبها عن إقبال، حتى يتسنى لنا رؤية كاتب كبير في شاعر عظيم ما زال ما كتبه عنه هو من المراجع الرئيسية لدارسي إقبال ومحبي شعره حتى اليوم.

([2]) عبد الوهاب عزام، محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة 2014م، مقدمة دكتور طه حسين: ص 1.

([3]) عبد الوهاب عزام، محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، مرجع سابق، مقدمة دكتور طه حسين: ص 7.

([4]) المرجع السابق، مقدمة المؤلف: ص 12.

([5]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة 2013م، مقدمة المترجم: ص 7-8.

([6]) نشرت من بعد مع ترجمة رسالة المشرق في كراجي سنة ١٩٥٠م. انظر: عبد الوهاب عزام، محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، مرجع سابق، مقدمة المترجم، ص: 12.

([7]) عبد الوهاب عزام، محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، مرجع سابق، مقدمة المترجم، ص: 13-14.

([8]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، مقدمة المترجم: ص9.

([9]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، مقدمة المترجم: ص 8-9.

([10]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، مقدمة المترجم: ص 8-9.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب