إقبال الأديب والشاعر في ميزان الدكتور عبد الوهاب عزام (2/2)
كتب  د.رانيا محمد فوزي سيف النصر ▪ بتاريخ 25/05/2022 10:34 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

  • ·       مؤلفات عبد الوهاب عزام عن إقبال، وترجماته لأشعاره:

والآن لنطف بين كتب الدكتور عبد الوهاب عزام التي ترجمها، وكتبها عن إقبال وذلك طبقا لأقدمية النشر.

  • ·       پیام مشرق:

       كان هذا هو أول عمل يقدمه د.عزام لقراء العربية عن إقبال. في البداية يقدم كيفية معرفته بإقبال، وافتتانه به وبشعره حتى وفاة الشاعر الكبير ونعي د.عزام له.

       لقد كتب المترجم للديوان ولمؤلفه مقدمة وافية بالتعريف بالشاعر وفلسفته وشعره ومصادر ثقافته؛ وبين طريقته في الترجمة بما جعل هذه المقدمة من نماذج الدراسة الأدبية التي تدور حول الشاعر وعصره وعناصر تكوينه.

بدأ د.عزام مقدمته بتفاصيل معرفته بإقبال، ثم يبدأ الجزء الآخر من مقدمة الكاتب ويحمل عنوان: ترجمة شعر إقبال، وفيه يتحدث د.عزام عن ترجمته للديوان:

(ثم قدمت باكستان سفيرًا، فتحدث الناس عني وعن ترجمتي شعر إقبال، وأحاطني وحي إقبال في بلاده، فمضيت في ترجمة جاويد نامه.  ثم بدا لي أن هذه القصة المنظومة الطويلة ليست أولى دواوين إقبال بأن تُعرف به قراء العربية. وبدا لي أن أبدأ بديوانه پيام مشرق؛ لأن به ألوانًا من الرباعيات والقصائد والقطع في موضوعات شتى وأساليب مختلفة، وكأنما كان هذا وحيًا، فأخذتُ أترجم الرباعيات، وهي القسم الأول من الديوان، فتيسر لي النظم، فأقبلت عليه فازداد يسرًا، فانشرح صدري وأسرع قلمي فيه، وصارت الترجمة سرورًا وأنسًا لا يصد عنها شغل ولا تعب. وضعت الكتاب في حجرة النوم في متناول اليد من مرقدي، فكنت أترجم قبل النوم وحين أستيقظ صبحًا، وقلَّ أن يمضي يوم دون ترجمة، وكنت إذا انصرفت إلى عمل آخر علق بنفسي البيت والبيتان من شعر إقبال، فلا أستريح حتى أترجم ما علق بنفسي، وكنت أحيانًا يدركني التعب فأصرف نفسي عن الترجمة فلا تنصرف، فأحتال حتى أصرفها عنها لأستريح.

ولما فرغت من الرباعيات، وكنت أحسبها أيسر من غيرها، نظرت في القسم الثاني وهو الافتكار، فاطردت الترجمة، وأسلست أكثر مما أسلست في الرباعيات.  كنت آخذ البيت الأول من القصيدة فأقلبه على أوزان وقواف حتى يستقيم لي وزن وقافية، فكأنما وجدت سلكًا لنظم در لا يكلفني نظمه إلا أن أسلك واحدة بعد أخرى. والحمد لله الملهم. وكنت بين الحين والحين أترك پيام مشرق إلى منظومتي اللمعات فأنظم فيها حرصًا على أن أنشرها مع الديوان، فما ختمت پيام مشرق حتى بلغت فيها حدًّا يمهد لختمها. وكان هذا توفيقًا آخر.

وهكذا مضيت في الكتاب مهتديًا بالحديث الكريم :(وكان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) حتى فرغت منه في أواخر شهر آذار بعد ثلاثة أشهر من بدء الترجمة).([1])

       هنا نلاحظ خطة منهجية في الترجمة تعتمد على التقسيمات الموجودة في الديوان ذاته، حتى تستقيم معه الفكرة، ويكون النظم أيسر. لأننا كما أسلفنا كانت ترجمة د.عزام شعراً.

يلاحظ هنا أمر مهم للغاية وهو التناص الشخصي الذي حدث ما بين د.عزام والعلامة إقبال من خلال ديوان اللمعات للمترجم. وهي منظومة من 600 بيت ألحقها د.عزام بديوان (بيام مشرق) وهو خلاصة فلسفة الدكتور واتجاهاته وتوجيهاته وصدى لالتقاء هذين الروحين الكبيرين اللذين جمعت بينهما الأذواق الصوفية والدراسات العميقة لآثار شعراء التصوف من الفرس والترك. والاتصال الوثيق بالدراسات الأوربية، والحضارة الغربية، والفهم العميق للإسلام وروحه وعقائده.

وقد أهدى المترجم هذه اللمعات إلى إقبال اعترافاً بفضله، إذ شرع في نظمها عقب قراءته لمنظومتي إقبال (أسرار خودى) أي أسرار الذاتية، و(رموز بى خودي)([2])، يقول في مقدمة اللمعات:

(بدأت هذه المنظومة حينما قرأت منظومَتَيْ إقبال (أسرار خودى)، و(رموز بى خودي)، ونشرت الأبيات الأولى منها، ثم شغلت عن إتمامها، فلبثت أعاود النظم فيها حينًا بعد حين. فلما أشرفت ترجمة پيام مشرق على النهاية، عزمت على إتمام المنظومة فتمَّت بحمدلله.)([3])

و(اللمعات) لطيف الحجم، ولكنه مليء بالتأمل والهيام الصوفي، وقضايا من العقل الواعي، وخلوص النفس من الشوائب والقيود، واستنهاض القوى الذاتية، ودفعها نحو الكمال والقوة والحرية وأشراف الأمور، والأحكام الصادقة على الأخلاق والأعمال، والتوجيهات الموفقة للشباب([4]).

وهنا سأورد البيت التي ذكر هو نفسه أنه أخذه عن إقبال. ففي بداية الديوان يدخل مباشرة بافتتاحية مطولة بدون عنوان، يقول في البيت السابع منها:

وقلوب رمسها هذي الصدور        أتراني مسمعاً من في القبور!؟ 

حيث يذكر د.عزام في الهامش:

هذا من قول إقبال: أي كرمك شبتاب سراپاي تو نوراست پرواز تويك سلسله غيب وحضور ست (يا يراعة الليل كلك نور، وطيرانك سلسلة من الغيبة والحضور...).([5])

       ورغم أن د.عزام لم يذكر سوى هذا البيت لأنه مأخوذ بشكل مباشر عن إقبال، إلا أن أفكار إقبال كانت مبثوثة في كل الديوان من خلال الرؤية الفلسفية والصوفية للدكتور عزام، والتي سار فيها على نهج إقبال، فقد كان يرى مثله أن التصوف لا يدعو للعزلة وتجنب الناس، بل العكس يدعو لإصلاحهم والانخراط بينهم ليكون الصوفي المسلم هو القدوة التي يحتذى بها. وقد منح قصائد الديوان العناوين التالية: (صغار الهمم)، (العالم معبد)، (لا رهبانية في الإسلام)، (معنى التوكل)، (غفلة) وغيرها من العناوين، إلا أن العنوان الذي يعنينا من بين تلك العناوين هو المعنون باسم (إقبال)، وهذا العنوان يوضح من خلاله أفضال إقبال وأفكاره، وهو نوع من التماهي بين الشاعر ومترجمه الذي أصبح معشوقه. وهو أعلى درجات التناص. وحسبنا هنا أن نثبت هذا التناص. ود.عزام هنا يهيم بشخصية إقبال، ويدعو الجميع للاقتداء به. تقول تلك المقطوعة:

       بين الإقبال من سر الحياة         وأزال الستر عن نور النجاة

بين الإقبال من سير الزمان        وأفاض النور من هدي القرآن

بث فى النفس كلاماً من شرر      منه عشق الحق في القلب استعر

فتَّقت نظراته كل حجاب             فرأى الدوحة من تحت التراب

ضاقت الآفاق عن نظراته          ضجت الأفلاك من أنّاته

       وصلته نفحة من ربه               فتجلى نوره في قلبه

       قد ثوى في قلبه كل الجهات        واستوى في فكره ماضٍ وآت

       سال في ألحانه دمع ودم           والتقى الماء عليها والضرم

***

       يا برود القلب خذ من ناره          فالحياة الحق في أشعاره

       يا موات القلب خذ من رجعه        يا جمود العين خذ من دمعه

       يا صغير الهم خذ من همته        يا كليل العزم خذ من عزمته

       يا أسير اليأس خذ آماله           في دجى اليأس أَثِرْ أقواله

       أيها المسلم صعِّد في السماء       وابلغن في جوها أعلى العلاء

       وخذ الإقدام منه والطماح           وجناحًا قاهرًا هوج الرياح

       ذا جلال الدين من خلف العصور   قد أتى في شعره نار ونور

       إنه الإسلام في عزته               إنه الإيمان في قوته

       إنه القرآن في أنواره                إنه الفرقان في أسراره

***

       بلغي يا ريح في شط النوى         أدمعي قبرًا بلاهور ثوى

       وامض يا برق بوجدي وهيامي     أبلغن قبرًا بلاهور سلامي

       إن إقبالاً بلاهور أقام               رحمة الله عليه والسلام([6])

       القارئ للقصيدة يشعر بمدى الانصهار الروحي الذي حدث بين د.عزام والعلامة إقبال، وهو تناص واضح لا مراء فيه.

       من الملاحظات الأخرى أن الدكتور عزام يقدم دراسته الأدبية عن إقبال بالمنهج الوصفي تارة، وبالمنهج التاريخي الذي يقوم على التحقيق والتدقيق تارة أخرى.

       فهو يستخدم المنهج الوصفي عندما يتحدث عن الديوان، يقول:

(يرى القارئ الديوان مقسمًا خمسة أقسام : شقائق الطور، والأفكار، والخمر الباقية، ونقش الإفرنج، والدقائق. القسم الأول رباعيات، والثاني أفكار شتى في صور من الوزن والقافية مختلفات، وهو أعظم أقسام الكتاب قيمة.  والثالث الخمر الباقية، وهي قصائد من الضرب الذي يسمى في الفارسية غزليات. وقد سار الشاعر فيها على طريقة حافظ الشيرازي وأمثاله في عرض أفكار دقيقة في صور شعرية جميلة يغلب فيها الرمز. والكتاب كله معان وصور يعرفها من أَلِفَ الشعر الفارسي والأشعار الإسلامية المتصلة به، ويدرك كثيرًا من مراميها Kويأنس إلى عباراتها أكثر مما يدرك قارئ العربية،

يقول إقبال في غزل من الخمر الباقية:

غاية الإفصاح رمز وكنى                  فلُغَى الخلوة رمز بعبر

ثم في پيام مشرق معان أخرى وصور يختص بها إقبال متصلة بفلسفته، ولا بد من الإلمام بهذه الفلسفة لإدراكها، ثم في بعض الأبيات لا تتضح مقاصد إقبال وضوحًا يسكن إليه القارئ، وكان همي في هذه الأبيات أن أنقل الكلام كما هو لأجعل قارئ العربية يحس ما يحسه قارئ الأصل، ويفكر كما يفكر، ويلقى من الغموض ما يلقى...).([7])

       بعد هذا يقدم لنا دكتور عزام لما قام به من مجهود فى الترجمة معرفا القارئ بالفرق بين الأوزان العربية والفارسية، وكيف كان يتصرف في هذه الأوزان حتى يستقيم المعنى، وكذلك  في إضافة بعض الكلمات، والإطناب أحياناً، والاختصارا أحياناً أخرى.

       اعتمد كذلك د.عزام على التأصيل لفلسفة إقبال تحت عنوان: فلسفة إقبال. حيث قدم للقارئ في نقاط مختصرة فلسفة إقبال، وشيوخه وطريقته في التفكير.

       وفي النهاية يعطي للقارئ قائمة بأهم التواريخ في حياة إقبال، وينهي مقدمته بالحديث عن طباعة الديوان التي تمت على عجل لتكون قبيل الذكرى الثالثة عشرة لوفاة الشاعر موضحا المساعدة التي تلقاها من جماعة إقبال ورئيسها للحاق بالموعد المحدد، وتحملهم عبء نشر الكتاب([8]).

  • ·       ضرب الكليم (إعلان الحرب على العصر الحاضر):

       هذا هو الكتاب الثاني الذى يقدمه د.عزام عن ترجمته لإقبال، وقد بدأ الحديث في مقدمته عن ترجمة ديوانه الأول، وكيف أن نقل أعمال إقبال إلى العربية كان حلماً للشاعر:

(وكانت ترجمة أحد دواوين إقبال إلى العربية تحقيق أمنية كبيرة للشاعر رحمه لله، واستجابة لأمل قديم في نفسي، وبلوغ غاية حاولت المسير إليها مرات فعوقتني الشواغل. وكان لهذه الترجمة أثر بليغ في نفوس علماء باكستان وأدبائها وساستها، وقبول حسن عند قراء العربية).([9])

       في هذه المقدمة يكتفي د.عزام ببيان الاجتماعات التي حدثت في كراتشي لقراءة الديوان مع مجموعة من الأصدقاء، على رأسهم جماعة إقبال. وكيف أنه فضل نشره في القاهرة لجودة الطباعة التي افتقدها في الديوان المترجم الأول أي ديوان ( پيام مشرق)، وأنه أسند هذه المهمة إلى (جماعة الأزهر للنشر والتأليف) بناءً على طلبهم.

       إذاً؛ المقدمة كانت قاصرة للغاية، ولكن يبدو أن هذا الأمر - كما ترى الباحثة - يعود لسببين رئيسيين هما: أنه قد اعتمد على ما كتبه في مقدمة ديوان إقبال الأول حتى لا يكرر نفسه، أو يصيب قارئه بالملل. والسبب الآخر أنه أعقب مقدمته بمدخل قدم فيه الديوان، وسبب تسمية إقبال له باسم ( ضرب الكليم)، يقول:

(والكتاب في جملته ضرب يفجر الماء من الحجر، لا موسيقى وغناء، كما قال إقبال:

       كفاح شديد وضرب سديد           فلا تبغ في الحرب عزف الوتر

ومن أجل هذا سماه ضرب الكليم؛ رمزًا إلى قصة موسى حين ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.

فلعل القارئ يقدر حقائقه في معرض من الشعر شفاف أكثر مما يلتمس فيه خيال الشعر وزينته وبهجته، ولعله كذلك يقدر عناء المنشئ والمترجم في عرض هذه الحقائق والإبانة عنها في أسلوب من الشعر الرصين.)([10])

هنا يبدأ د.عزام في استخدام منهجه النقدي المعتاد، وهو المنهج الوصفي، فيقدم للقارئ الموضوعات الرئيسية للديوان، ثم فصول الديوان:

(قسم الشاعر ديوان ضرب الكليم على ستة فصول، وقدم قبلها قطعتين وقصيدة : القطعة الأولى أبيات قدم بها الديوان إلى أمير بهوبال حميد الله خان، والثانية يخاطب فيها القراء، والقصيدة سماها تمهيدًا.

وهذه فصول الديوان : (الإسلام والمسلمون (وهو أطول الفصول. والتعليم والتربية. والمرأة.

) آداب الفنون الجميلة (وهو ثاني الفصول طولًا. وسياسيات المشرق والمغرب. وأفكار محراب جل الأفغاني.

وهذه الفصول مؤلفة من قطع صغيرة بين بيتين وعشرة أبيات تقريباً. والفصل الأخير منظومة واحدة مقسمة عشرين قسمًا تختلف أقسامها أوزانًا وقوافيَ، ولكن الشاعر جعلها منظومة واحدة وربط بين أقسامها بأعداد متوالية. والقطع في الفصول كلها،مع أقسام الفصل الأخير، مائتان واثنتان، وفي المقدمة أربع قطع...).([11])

تلا ذلك تقديم صورة مختصرة عن فلسفة إقبال، وإن كانت أكثر اختصارًا عما قدمه فى (پيام مشرق)، ثم يقدم للقارئ دراسة للمصطلحات الواردة في الديوان مع شرح لها، حتى يشرح للقارئ ما قد يستغلق عليه من مصطلحات خاصة بالتصوف. وهو بهذا يقدم دراسة أدبية ممنهجة على اختصارها. هذا بالإضافة إلى الطريقة التي اعتمدها منذ ترجمة الديوان الأول، وهي الهوامش التي يفسر بها للقارئ البيت الذي يعتقد أنه قد يستغلق عليه. ولعل السبب في هذا يعود إلى حرص د.عزام على محاولة نقل ترجمة أمينة بقدر الإمكان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى يضيء للقارئ مصابيح على جوانب الطريق فلا يضل بين الرموز والمصطلحات الصوفية، وخاصة أن تلك المصطلحات لها دلالتها في التصوف، والتي تختلف عن معناها الشائع بين الناس، مثل مصطلح الفقر، والجذب وغيرهما من المصطلحات الخاصة بالتصوف.

  • ·       محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره:

       هذا كتاب يقدم فيه د.عزام لحياة إقبال، وفلسفته من خلال شعره، كما يقدم نماذج متفرقة من شعره. والكتاب يبدأ فى طبعته الثانية بمقدمة خطها د.طه حسين عن مؤلف الكتاب، وعن العلامة إقبال، والمقارنة بين الرجلين من خلال ما قدمه كل منهما من خدمات لأمته، يقول:

(وقد استكشف فيما استكشف نابغة من نوابغ الشرق هو الشاعر العظيم محمد إقبال شاعر الهند والباكستان، فلم يختصَّ نفسه بما درس من شعره وأدبه، وإنما قدم طائفة صالحة رائعة من آثاره لوطنه وللغته العربية، وألَّف عنه كتابًا ممتعًا هو الذي أشرف بتقديمه إلى قراء العربية في طبعته الثانية.      

وهو كتاب أقل ما يوصف به أنه صورة صادقة رائعة لكاتبه ولموضوعه جميعًا. فهو لا يصور إقبالًا وحده، وإنما يصور معه مؤلفه عبد الوهاب عزام. كلا الرجلين كان عذب الروح محببًا إلى القلوب، وكلا الرجلين كان بعيد المرامي؛ لم يكن عبد الوهاب عزام يكتفي بأن يكون مصريًّا عربيًّا، وإنما كان يريد-  وقد حقق ما كان يريد- أن يكون عربيًّا إسلاميًّا، فأتقن العلم بأمور المسلمين جميعًا قريبهم وبعيدهم، وسار سيرة المسلم الصادق في إسلامه، والمتصوف المخلص في تصوفه.  ولم يكن إقبال يكتفي بأن يكون هنديًّا يفكر دائمًا في أن يستقل المسلمون بالباكستان، وإنما كان حريصًا على أن يكون كذلك، وعلى أن يكون مسلمًا صادق الإسلام ومتصوفًا خالص التصوف.

فكان لقاء هذين الرجلين الكريمين لقاء روحين ائتلفا فتحابا في ذات لله، وفي ذات الإسلام. وكلا الرجلين كان شاعرًا كاتبًا  أدَّى إقبالٌ أكثر آثاره شعرًا، وترجم عبد الوهاب عزام إلى العربية كثيرًا من آثاره شعرًا أيضًا).([12])

       وقد قسم الكاتب كتابه إلى ثلاثة أبواب، سبقتها مقدمة د.طه حسين، ثم مقدمة المؤلف. ثم خاتمة للمؤلف.

       نرى من خلال مطالعة الكتاب أن د.عزام قد استخدم المنهج التاريخي في الفصل الأول من الكتاب والذي يحمل عنوان: سيرة إقبال. وإن كان في هذا الجزء الذي يعتمد على التاريخ لم يذكر لنا مصادر كلامه، أو لم يوثق أي حدث من الأحداث التي مرت بإقبال، وهذا مما يؤخذ على الكاتب، لأنه يحول هذا الجزء من مساره التاريخي إلى أن يكون كأنه خواطر يسطرها الكاتب عن إقبال. وهذا غير صحيح، لأن هذا الجزء يخلو من هذه المشاعر، ويعتمد تمامًا على سرد الحوادث.

       يلي ذلك استخدام الكاتب للمنهج الوصفي والجمالي في البابين الثاني والثالث اللذين يحملان العنوانين التاليين: فلسفة إقبال، وشعر إقبال.

       ففي الباب الثاني الذي يحمل عنوان فلسفة إقبال يستخدم المنهج الوصفي، ويقدم صورة وافية عن هذه الفلسفة من خلال ديوان (أسرار خودى)، وبعدها يقدم باقي فلسفته التي يستخلصها من باقي أعماله.

       وفي الباب الثالث المعنون بشعر إقبال، يقدم لقارئه نماذج من شعره، يدرس من خلالها جمالية نماذج من شعر إقبال من حيث المعاني والصور والأسلوب، مدللاً على كلامه بنماذج شتى من دواوين إقبال. وقد برع في هذين الفصلين، وقدم صورة صادقة عن فلسفة إقبال وشعره أفضل مما قدمه في الباب الأول، وذلك لأنها كانت صورًا موثقة من أعمال العلامة إقبال نفسه، وليست واردة وكأنها خواطر للكاتب. 

  • ·       ديوانا الأسرار والرموز:

       وهما آخر ديوانين ترجمهما د.عزام لإقبال، وقام بطباعتهما في كتاب واحد. وكالنهج الذي اتبعه في ديوان (ضرب كليم) يبدأ بمقدمة مختصرة يسرد فيها كيف بدأ في قراءة الديوانين مع إخوانه كما يدعوهم، ثم كيف شرع في الترجمة وانتهى منها في سنتين، موضحًا الصعاب التي قابلته في الترجمة، فيقول:

(وبدأت الترجمة في شوال من السنة نفسها "تموز (يوليو) سنة 1952م"، وكنت أحسب أن ترجمة هذا الديوان "الأسرار والرموز" أيسر من ترجمة الديوانين: "رسالة المشرق" و"ضرب الكليم"؛ لأنه منظوم في بحر واحد هو الرَّمَل، على القافية المزدوجة التي تتغير فيها التقفية في كل بيت - وهي التي تسمى المثنوي في اصطلاح الأدب الفارسي-، ولكن الترجمة طالت أكثر مما قدَّرت؛ إذ كان الديوان نظمًا متصلًا، لا ينشط المترجم فيه نشاطَه حين يترجم قصيدة من ديوان، فيرى أنه أتم عملًا فيستأنف ترجمة قصيدة أخرى، فيتمها، وهلم جرًّا.

وأنهيت الترجمة على العلات، وكثرة الفَترات، وكنت أؤرخ، بين حين وحين، ما بلغت من الترجمة، وأذكر المكان الذي أترجم فيه، بين السفر والحضر، والبر والبحر، حتى تمت ترجمة المنظومة الأولى "أسرار خودى" فكتبت في كراسة الترجمة:

تمت ترجمة"  أسرار خودى"  والساعة ثلاث ونصف بالتوقيت العربي ليلة الأحد رابع أيام التشريق سنة ١٣٧٢ه- ٢٢ (آب (أغسطس) سنة ١٩٥٣م، في مدينة كراچي.

فقد ماطلتني الترجمة سنة، وكنت ترجمت "رسالة المشرق" في نحو أربعة أشهر، وكذلك ترجمت "ضرب الكليم".

ومضيت في ترجمة المنظومة الثانية حتى كتبت هذه العبارات:

"يسر لله الفراغ من الترجمة على بعد الشُّقَّة، وطول المدى، واعتراض الشواغل، وكثرة الحوائل، يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ١٣٧٤ه، الموافق ١٤ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٩٥٤م، والساعة أربع وربع بعد الظهر، في دار السفارة المصرية من مدينة كراچي.

فقد شغلتني ترجمة "الأسرار والرموز" أكثر من سنتين.)([13])

       ثم تحدث عن رغبة مجمع إقبال (اقبال اكاديمى) في أن يكون له هذه المرة شرف طباعة الديوان بعد أن خرج من تحت يده الديوانان السابقان، وتنتهي المقدمة باختصار، حيث تبعها بعد ذلك مدخل، طلب فيه من القارئ العودة لكتبه السابقة عن إقبال وخاصة كتاب: إقبال سيرته وفلسفته وشعره.

       ثم انتقل بحديثه عن الفلسفة التي سيجدها القارئ بين دفتي ديواني: "أسرار إثبات الذات" و"رموز نفي الذات"، معتمدًا في ذلك على تلخيص المقدمة التي كتبها إقبال للديوان بالأردية في الطبعة الأولى، ثم حذفها بعد ذلك، ولكن لم يذكر د.عزام سبب الحذف، ولكن نستشف مما كتبه أن السبب هو الجدل الذي ثار حول الديوان، لأن إقبال في ديوانه هذا يعمد إلى مخالفة الصوفية في بعض أفكارهم، بل يهاجم شيخهم الأثير حافظ الشيرازي، يقول:

(وزاد الصوفيةَ ثورة على شاعر الحياة والقوة أنه عمد إلى إمام من أئمتهم، وشاعر من أعاظم شعرائهم "لسان الغيب حافظ الشيرازي" فحطَّ من شأنه، وغضَّ من طريقته. ونهى الناس عنها، وحذرهم منها، وكذلك خالف محيي الدين بن عربي الملقب بالشيخ الأكبر، وغلَّطه، وقال : إن آراءه غير إسلامية.

وقد أجاب إقبال المعترضين أجوبة منها قوله في رسالة إلى الشيخ حسن نظامي:

       .... إني بفطرتي وتربيتي أنزع إلى التصوف، وقد زادتني فلسفة أوروبا نزوعًا إليه، فإن هذه الفلسفة في جملتها تنزع إلى وحدة الوجود؛ ولكن تَدَبُّر القرآن المجيد، ومطالعة تاريخ الإسلام بإمعان عرفاني غلطي، وبالقرآن عدلت عن أفكاري الأولى، وجاهدت ميلي الفطري، وحِدْتُ عن طريق آبائي.

إن الرهبانية ظهرت في كل أمة، وعملت لإبطال الشريعة والقانون؛ والإسلام في حقيقته هو دعوة إلى مخالفة الرهبانية.

والتصوف الذي شاع بين المسلمين  أعني التصوف العجمي- أخذ من رهبانية كل أمة، وجهد أن يجذب إليه كل نِحلة، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الأحكام الشرعية.

إن حالة السكر  -في اصطلاح الصوفية- تنافر الإسلام وقوانين الحياة، وحالة الصحو -وهي الإسلام- توافق قوانين الحياة، وإنما قصد الرسول صلى الله عليه وسلم إنشاء أمة صاحية، ولهذا نجد في صحابة الرسول الصديق والفاروق، ولا نجد حافظًا الشيرازي.

ولا أنكر عظمة الشيخ ابن عربي وفضله، بل أعده من كبار فلاسفة المسلمين، ولا أرتاب في إسلامه؛ فإنه يحتج لعقائده، كقيام الأرواح، ووحدة الوجود، بالقرآن مخلصًا، فآراؤه على صوابها وغلطها قائمة على تأويل القرآن. وأرى أن تأويله غير صحيح، فأنا أعده مسلمًا مخلصًا، ولا أتبعه في مذهبه.)([14])

كذلك يعرض لملخص الحوار الذي قدمه المستشرق الإنجليزى نيكلسون مع إقبال فى مقدمة الترجمة الإنجليزية للديوان، وقد قدم هذين الملخصين منفصلين عن المدخل الذي أعده وأفرده للحديث عن الجدل الذي أثاره الديوان.

وفي هذين الملخصين يقدم فلسفة إقبال ولكن على لسانه، حتى يبين للقارئ ما هو بصدده، وهذه الطريقة من التوثيق تعطي للحديث ثقله لأنها على لسان صاحبها، وليست تقولاً عليه.

كذلك استخدم طريقته المعتادة في شرح ما يظن أنه غير مفهوم من خلال الهوامش التي يلحقها بالبيت الذي يستشعر غموضه.

وأخيراً بعد أن تجولنا بين مؤلفات د.عبد الوهاب عزام عن إقبال؛ نستشعر إخلاصاً شديداً وحباً جارفاً من المترجم والمؤلف عبد الوهاب عزام لمعشوقه إقبال، ليس هذا فقط؛ بل نجد تناصاً واضحاً في مؤلفه اللمعات، الذي أهداه للعلامة إقبال اعترافاً بتأثيره عليه وعلى فكره، وعلى ما يسطره من كتابات.

  • الخاتمة:

في نهاية هذا البحث توصلنا لمجموعة من النتائج لعل أبرزها:

  • لم يكن الدكتور عبد الوهاب عزام مجرد مترجم عادي ينقل ديواناً شعرياً من لغة إلى أخرى، بل كان هو نفسه أديباً وشاعراً فذاً.
  • اتضح من خلال البحث أن تأثر د.عزام بالعلامة إقبال يصل إلى حد أن جعله معشوقه وملهمه.
  • أثبت البحث من خلال دراسة ديوان اللمعات للدكتور عزام التناص الذي وقع منه مع إقبال، وهو ليس تناصاً فكرياً فقط؛ ولكنه يصل لدرجة التماهي.
  • استخدم د.عزام في مقدمات دواوينه المنهج الوصفي لينقل للقارئ دراسة مصغرة عن الديوان الذي يترجمه، وصاحبه وأفكاره.
  • كان د.عزام يستخدم المنهج التاريخي في تحقيق بعض المواضع الواردة في مقدمته، وكذلك في كتاب إقبال سيرته وفلسفته وشعره.
  • حاول د.عزام في هوامش الدواوين التي قام بترجمتها أن يفسر للقارئ بعض المواضع التي اعتقد أنها ستستغلق عليه لتتم الفائدة.

***



([1]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، مقدمة المترجم: ص 11.

([2]) محمد خلاف، بحث بعنوان: ديوان (رسالة المشرق) لمحمد إقبال تعريب الدكتور عبد الوهاب عزام بك وديوان (اللمعات) للدكتور المعرب، مجلة الرسالة، العدد962.

([3]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د.عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، مقدمة اللمعات: ص 109.

([4]) محمد خلاف، بحث بعنوان: ديوان (رسالة المشرق) لمحمد إقبال تعريب الدكتور عبد الوهاب عزام بك وديوان (اللمعات) للدكتور المعرب، مجلة الرسالة، العدد962.

([5]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، اللمعات: ص110.

([6]) محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، اللمعات: ص 129-130.

([7]) المرجع السابق، مقدمة المترجم: ص13.

([8]) للحصول على المعلومات الكاملة انظر: محمد إقبال، پیام مشرق، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، مقدمة المترجم: ص15-18.

([9]) محمد إقبال، ضرب كليم ( إعلان الحرب على الحياة الحاضرة)، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م، ص9.

([10]) المرجع السابق، ص14.

([11]) محمد إقبال، ضرب كليم (إعلان الحرب على الحياة الحاضرة)، ترجمة د.عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، ص14-15.

([12]) عبد الوهاب عزام، محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، مرجع سابق، مقدمة الدكتور طه حسين، ص9.

([13]) محمد إقبال، الأسرار والرموز، ترجمة د.عبد الوهاب عزام، مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة، القاهرة 2012م، ص:8-9.

([14]) محمد إقبال، الأسرار والرموز، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، مرجع سابق، ص12.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب