تأملات تربوية في وصايا لقمان الحكيم (2/2)
كتب  د.عبد الله رمضاني ▪ بتاريخ 25/05/2022 09:57 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ))(44)، يتابع لقمان وصيته لابنه، فيعظه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا إنما يريد به أن يمتثل ذلك هو في نفسه، ويزدجر عن المنكر، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع(45). فتكاليف العقيدة تقتضي منه ذلك بحسب طاقته وجهاده.

ويستشف من هذا مبدأ تربوي آخر يجعل الفرد يشعر بمسؤوليته الاجتماعية في التغيير في مختلف مرافق الحياة، إذ من الطبيعي أن يجد الإنسان بعض الانحرافات في المجتمع الذي يعيش فيه، الأمر الذي يتطلب تدخله آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ، ويستفاد من الوصية، أيضا، جانبها العملي والسلوكي، فلقمان ما أمر ابنه إلا بعدما تمثله هو في نفسه، أي كان له قدوة فيما يدعوه إليه؛ فعلى كل مربٍّ كيفما كان موقعه الاجتماعي والعلمي، اقتداء بلقمان، أن يكون أنموذجا لأفراد المجتمع في تعامله مع الناس، لما لذلك من وقع في نفوس الآخرين. ولعل هذا هو السلوك التربوي الذي ينبغي أن نربي عليه أطفالنا، ونغرسه في قلوب وعقول طلبتنا. يجب أن يعلموا أنه لا يمكن تحقيق ما يهدف إليه الإنسان من إصلاح وتوجيه إلا إذا كان يتمتع ذاته بحسن الخلق. وقد عرف الغزالي حسن الخلق بقوله: وحسن الخلق من الناس ألا تحمل الناس على مراد نفسك، بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع(46).

وبمثل تلك السلوكيات الرفيعة يستطيع الإنسان أن يكون قريبا من قلوب الناس، وبالتالي يكون قادرا على التأثير فيهم، والتصدي لما يجده فيهم من انحرافات. فكان لابد للمربي من التركيز على ترسيخ هذا المبدأ وترجمته عمليا في نفسه أولاً، يفرضه عليها ضمن خطة تضمن الاستقامة في الحياة، ثم يعوَّد عليه المتعلم والطالب، حتى يتحول إلى جبلة في نفسه، ويصبح عنصرا إيجابيا داخل المجتمع، وذا شخصية قادرة على البيان والإفصاح عما يريد. ولن يكون عمله ناجحا ما لم يصل إلى هذا المستوى من السلوك الرفيع.

ولقد أحسن من قال(47):

وابدأ بنفسك فانهها عن غيها      فإذا انتهت عنه فأنت حکیم

إن تربية النشء على الشعور بالمسؤولية في مختلف المرافق، وحثه على القيام بهذه المسؤولية حتى تسود الفضيلة، وتستأصل شأفة الرذيلة، سيسهم بقدر كبير في تنمية روح الغيرة والرغبة في الإصلاح في نفسه، كما سيؤصل فيه الجرأة الصائبة التي تستجمع شروط الأمر والنهي.

8- الصبر على البلاء: ((وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ))(48). إن القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي من المرء التسلح بالصير، لذا نجد هنا لقمان يوصي ابنه بذلك. فهو إشعار له بأن الغير يؤذي أحيانا، وقد تواجهه متاعب صعبة من جراء التواء النفوس وعتادها، وانحراف القلوب وإعراضها. فهو يعظه بالتجمل بهذا الخلق، لما فيه من فائدة عظيمة في تربية النفس، وتقوية الشخصية، وزيادة قدرة الإنسان على تحمل المشاق، وتحديد طاقته لمواجهة مشكلات الحياة وأعبائها، ونكبات البشر ومصائبه.

والصبر يعلم المرء المثابرة على العمل، وبذل المجهود لتحقيق الأهداف العلمية والعملية، وإنجاز الأعمال العظيمة، وبلوغ الغايات العالية. وإذا تربى الطفل بالصبر على تحمل مشاق الحياة، ومصائب الدهر، والصبر على أذى الناس وعداوتهم، والصبر على الطاعات ومقاومة الشهوات والانفعالات.. فإنه يصبح إنسانا ذا شخصية متزنة مستقيمة منتجة وفعالة. ويصبح عصيا على القلق، وفي مأمن من الاضطرابات النفسية(49). هذا ما يجب على الفاعلين التربويين أن يعوه جيدا. فلولا الصبر ما وصلت إلينا هذه الرسالة السمحة، ولا سمق أجدادنا في العلم والمعرفة، وما كان لهم ما كان من الحفاوة والدرجة المثلى بين سائر الأمم والحضارات الأخرى؛ لذلك نجد القرآن الكريم يدعو في مواضع كثيرة إلى التحلي بالصبر والتجمل به. فقد كان نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم إماما في الصبر، وتحمل الصعاب والشدائد.

9- الثبات وعدم التردد: ((إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ))(50). بعدما توضحت معالم الطريق نصب عيني الولد، يعظه أبوه أن يثبت على الحق، ويستمر في طريقه بعزيمة قوية وإرادة ثابتة دون تردد أو تململ. فحقيقة الإيمان تقتضي منه امتثال ما عزمه الله وأمر به، فذلك طريق النجاة مع أهل العزم والحزم. وقيل: إن إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر من عزم الأمور، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة(51). ومن هنا حث المفكرون المسلمون المتعلم على أهمية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة، ويخلص فيها، فإنها تعلي همته، وتزيد استعداده لبذل الجهد.

10- التواضع وعدم التكبر: ((وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ))(52). الصَّعر: الميل، وهو داء يصيب الإبل فیلوي أعناقها(53). وتصعير الخد دليل على الكبر. وشبه به الرجل المتكبر. ومنه قول الأعرابي: وقد أقام الدهر صعري، بعد أن أقمت صعره. ومنه قول عمرو بن لحي التغلبي:

 وكنا إذا الجبار صعر خده        أقمنا له من میله فتقوم(54)

وقال أبو طالب في شعره:

       وكنا قديماً لا نقر ظلامة     إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها(55)

يتابع لقمان وعظه لابنه فيوصيه بألا يميل خده للناس كبرا عليهم، واحتقارا لهم، وألا يعرض عنهم بوجهه إذا كلموه أو كلمهم، وأن يقبل عليهم متواضعا مؤنسا مستأنسا. وهنا دعوة صريحة إلى ترك الكبر والعجب بالنفس، لأنهما يمثلان انحرافا خُلُقيا يجنح بالإنسان عن سبيل الحق، ومن أخطر العوامل التي تؤدي إلى الانحراف الفكري، وغمط الحق، وطمس معالمه. وهذا إذا وجد في المربين فإنه يكون خطيرا، لأنهم يفقدهم صفتهم كقدوة، والمتعلمون والطلبة يقتدون بهم. وفي الحديث النبوي الشريف: (يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر). وفي الحديث أيضا: (كل صعَّار ملعون) أي كل ذي أبَّهة وكبر(59).

ومن الآثار السلبية والخطيرة للكبر والعجب، أنه ينزع بالعالم أو المربي إلى الخوض فيما ليس يعلمه ولا يعرفه، وهو لا يدري أن العلم ليست له نهاية, ومن كان حاله هذه لا يصلح لوظيفة التعليم والتربية، وفي نفس الوقت يفقد قوة القدوة والأسوة الحسنة.

 العجب آفة النفس، ومعول هدم لصاحبه، كما أنه عائق من التحصيل والاستفادة في الطلب. والعجب أيضا دلالة على الجهل، لأن العلم لا حد له، والمتعلم مهما أوتي من علم فقد خفي عليه الكثير، وسعة العلم مع العجب هلاك ووبال على صاحبه. وعلاجه التواضع. فبالتواضع ينال المتعلم حظه من العلم، ويأمن كثيراً من الشرور والأذى، لذا قالوا: المتواضع من طلاب العلم أكثر علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء(57). وقيل لبزرجمهر: ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها؟ قال: التواضع، قيل له: فما البلاء الذي لا يرحم عليه صاحبه؟ قال: العجب(58). وكفى بلاء بالعجب أن يحمد التواضع مع السخافة والبخل، قيل: التواضع مع السخافة والبخل أحمد من الكبر مع السخاء والأدب. فأعظِمْ بحسنة عفت عن سيئتين!.. وأفظع بعيب أفسد من صاحبه حسنتين!..(59)

والتواضع باب عظيم من أبواب الآداب الإسلامية الرائعة، وقد شغل حيزا كبيرا ضمن مؤلفات وكتب علمائنا الأجلاء السابقين، وأكدوا على ضرورة أن يتخلق به العالم والمتعلم سواء.

 إذاً.. فمن أهم السمات التي يجب على المربي أن يتصف بها، هو أن يكون متواضعا وقدوة حسنة لتلاميذه، لأن التواضع عطوف، والعجب منفر، ولأن العجب نقص ينافي الفضل(60)، وفي المثل: إن الطباع تسرق الطباع.

وأود أن أختم الحديث عن هذا المبدأ التربوي الذي أوصى به لقمان ولده، بكلام أعظم المتواضعين سیدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو نعم القائل: (إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد)(61)، و(ما تواضع أحد لله إلا رفعه)(62).

11- السكينة والوقار وعدم الاختيال: ((وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ))(63).

يوصي لقمان ابنه بألا يمشي في جذل وتبختر وتكبر وقلة مبالاة بالناس، وهي هيئة كريهة يمقتها الله، ويمقتها الخلق. وهي تعبير عن إحساس مريض بالذات، يتنفس في مشية الخيلاء! وأهل هذا الخُلُق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرِح مختال في مشيته.

في هذه الوصية إشارة صريحة إلى نبذ الفرح والفخر والتجبر والعناد في أثناء المشي، والتحلي بخُلُق السكينة والوقار. وقد جعل العلماء من السكينة والوقار صفتين من صفات عباد الرحمن الواردة في آيات سورة الفرقان: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) (سورة الفرقان:63)(64).

وقد دعا المفكرون المسلمون إلى هذا الخُلُق الرفيع، وأحد الآداب المهمة في الفكر الإسلامي التي ينبغي أن يتحلى بها كل من العالم والمتعلم سواء. وهو من الصفات النفسية التي تجعل المتصف بها يحظى بالقبول والاحترام من قبل كافة الناس، فصاحب السكينة والوقار يكون قريبا من الله، وقريبا من الناس.

ولعل ما ورد في نصيحة لقمان لولده، وما تناقلته كتب السير والسنة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم يبين لماذا احتل هذا الأدب مكانة في الفكر التربوي الإسلامي ليصير إحدى السمات والآداب التي ينبغي على كل من العالم والمتعلم أن يتخلق ويتحلى بها.

12- الاعتدال في المشي: ((وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ))(65). مع النهي عن المشية الذميمة والممقوتة مشية المرح والمختال، بيانٌ للمشية المعتدلة والقاصدة. والقصد هنا هو التوسط في المشي، أي ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل تكون عدلاً وسطاً(66). وهنا دعوة صريحة إلى ابنه بالتزام المشية القاصدة إلى الهدف في بساطة وانطلاق دون تخايل ولا تبختر.

والقصد في المشي والاعتدال فيه من أهم سمات الشخصية المتزنة، وقد أعلى الإسلام من قيمة هذا الأدب، ورفع شأن المتصف به، فخليق بكل مربٍّ أن يعتدل في مشيته دون تصنع أو تماوت أو رياء، فقد كان سيد ولد آدم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره السلف الصالح المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً، فقال له: ما بالك؟ أنت مريض؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدرة، وأمره أن يمشي بقوة(67).

13- عدم رفع الصوت: ((وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ))(68).

في هذه الوصية ينصح لقمان ولده بأن يخفض صوته، وألا يطلق العنان لحبائله الصوتية فيما لا فائدة فيه. هذا أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، إذ الصوت المرتفع بغير ضرورة دليل على الضعف. فما يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب، أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه، فهو يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والمبالغة في الكلام.

والأسلوب القرآني يمجُّ هذا الفعل ويرذله في صورة منفرة بشعة، ومشهد مضحك يدعو إلى السخرية والهزء والبشاعة، حيث يعقب عليه بقوله: ((إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ))، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، وهو سلوك بغيض إلى الله تعالى، لأن الحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه. ولأن العرب، أيضا في الجاهلية كانت تفخر بجهارة الصوت وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، حتى قال شاعرها(69):

جهير الكلام جهير العُطاس         جهير الرُّواء جهير النَّغَمْ

ويعدو على الأين عدوى الظليم      ويعلو الرجال بخُلْق عَمَمْ(70)

لذلك جاء النهي في هذه الآية مشينا هذا السلوك الجاهلي الذميم، فلو أن شيئا يهاب لصوته لكان الحمار، فجعل الله المتصف بهذا الخلُق في المثل سواء.

وفي هذا السياق روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (وإذا سمعتم نهیق الحمير فاستعيذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شیطانا)(۷۱).

وعليه، ينبغي على كل مسلم أن يتخلق بأدب هذه الآية الكريمة، فيترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم، وينأى بنفسه عن هذا الخلُق الجاهلي، ويكون قدوة لغيره في هذا الأدب الرفيع داخل البيت وخارجه، كما يجب على المربين أن يحرصوا على تربية الصبيان والمتعلمين على هذا السلوك الجميل، ويعوِّدوهم على تمثله في حياتهم العامة حتى لا يشملهم المثل الذي ضربه الله في الآية السابقة.

***

الأساليب التربوية الموظفة في وصايا لقمان

ومن مظاهر حكمة المربي مراعاته للخصائص النفسية والعقلية والاجتماعية والمسلكية التي يعيشها المغربي، نلحظ ذلك في الأساليب الآتية:

1-أسلوب الموعظة:

ويتجلى في قوله تعالى: ((وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه)).... ويقصَد بالعظة والموعظة هنا النصح والتذكير بالعواقب، قال ابن سيده: هو تذكير للإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب.(72)

وأسلوب الموعظة المؤثر يفتح طريقه إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان، ويهزه هزا. ويثير کوامنه(73)، وحين يوجد هذا الأسلوب التربوي فإن الموعظة تكون ذات أثر بالغ في النفس، وتصبح دافعا من أعظم الدوافع في تربية النفوس. ففي النفس دوافع فطرية في حاجة دائمة للتوجيه والتهذيب، كما فيها استعداد للتأثر بما يلقى إليها من الكلام. لذلك فلابد في هذا من الموعظة. فقد لا يلتقط الإنسان القدوة الصالحة، أو قد لا تكفيه بمفردها.. والموعظة وسائل مختلفة لا وسيلة واحدة. والقرآن مليء باللمسات الدقيقة اللطيفة الموحية المؤثرة التي تهز الوجدان وتؤثر فيه بكل وسائل التأثير.

2-أسلوب التودد والمحبة:

ونجده في تكرار الخطاب بقوله: "يا بُنَيّ". وهو نداء المحبة والإشفاق، وأن تصغير "بُنَيّ" للتحبيب والملاطفة والحنو. ويسهم هذا الأسلوب التربوي في نجاح مهمة المربي النفسية والاجتماعية، وهو، أيضا، مظهر من مظاهر التواضع وخفض الجناح للناس على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم. وقد حث المفكرون المسلمون المربي والمعلم على أن يتودد لأفراد مجتمعه، بمن فيهم الأطفال الصغار، وألا يستعمل ألفاظا نابية وجارحة، يقول ابن جماعة: (ولا بأس أن تكلم الأطفال، وتمسح رؤوسهم)(74).

فالتودد إلى الأطفال والحنو عليهم يغذيهم نفسيا بما يحتاجون إليه من حنان وعطف، ولنا في رسول الله صلى الله علیه وسلم الأسوة الحسنة في ذلك.

ويعتبر هذا الأسلوب التربوي، كذلك، من الوسائل الهامة التي استخدمها القرآن لإثارة الدافع للتعلم، وذلك لما يثيره من التشويق لدى المتعلمين، ولما يستدعيه من الانتباه إلى تتبع الأحداث التي تروى وتسرد. وكأن القرآن يبث من خلاله ما يريد أن يبلغه للناس من أغراض دينية متعلقة بالعقائد، أو من عبر وحكم يريد أن يعلمها لهم.

3-أسلوب التعليل والتدليل:

يلاحظ أن لقمان حينما نهى ابنه عن الشرك لم يكتف بمجرد النهي فحسب، بل بين السبب، وأوضح العلة، وشرح الحكمةن فقال: ((لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظیم))، وهذا أسلوب تربوي رصين قوي، يدل على أنه يعطي القيمة لعقول الأطفال والتلاميذ، حيث لا يفرض عليهم المعلومات، بل تشرح لهم مع أسبابها وحكمها، فيكون ذلك أدعى للقبول.

4-أسلوب التنفير من الأعمال المستقبحة:

يبدو هذا الأسلوب واضحا في نصيحة لقمان لولده حيث قال: ((ولا تصعر خدك للناس))، ((ولا تمش في الأرض مرحا))، ((واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)).

إن هذا الأسلوب القائم على استهجان الأعمال المستقبحة عامل مهم في التعلم واستيعاب الدروس وفهمها وتعلمهان إذ يجعل الأطفال يعدلون عن الأفعال البغيضة، ويتصدون للاستجابات الهجينة، ويقلعون عن سوء الأدب، وبالتالي يتعودون على ضبط سلوكهم، وتقويم تصرفاتهم.

وعليه، فليحرص كل مربٍّ أن يستهجن الأعمال والسلوكيات السيئة في نفوس الأطفال ووجدانهم، وأن يجعل أسلوبه هذا في التقبيح والتنفير أداة تربوية فعالة مشحونة بالمحبة والمودة، وابتغاء الخير والفضيلة.

5-استعمال أسلوب الحوار والسؤال:

إن ابن لقمان سأل أباه حينما رأى البحر المتلاطم الأمواج فقال: يا أبتاه!.. لو وقعت حبة في هذا البحر أيعلمها الله تعالى؟ فأجاب لقمان بقوله: ((يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير))، فأجاب إجابة دقيقة، فذكر بدل الحبة مثقال حبة من خردل وهي غاية في المبالغة في الصغر، كما ذكر بما يدل عليه بطريق أولى فقال: (يأت بها الله) أي قادر على أن يأتي بها.

وهنا إشارة واضحة إلى أهمية السؤال في اكتساب العلم والمعرفة، أو فيما استعصى واستشكل فهمه ومعرفته والإحاطة به.

إن السؤال في العملية التعليمية من أهم التقنيات (البيداغوجية) التدريسية التي ركز عليها الفكر التربوي الإسلامي عند جملة من العلماء الذين تصدوا لهذا الجانب، باعتباره شكلا من أشكال التواصل بين المفيد والمستفيد. كما يعتبر هذا الأسلوب التربوي من أهم ملامح التفاعل بين المتعلم أو الطفل؛ والمعلم أو المربي، ومن خلاله يستطيع أن يقيس فهم المتعلم واستيعابه.

ويجب على المتربي أن يأخذ الدرس والعبرة من هذا السلوك فيلتزم بأدب السوال مع مدرسه ومربيه. وأدب السؤال يقتضي من المتعلم الاستعداد للسماع، ولا يتأتى له هذا السماع إلا إذا التزم الصمت بكل ما يحمله الصمت من دلالات، من أجل استيعاب المسموع، ولأجل التفكير والتفكُّر، لأن السماع هو، أيضا، إحدى وسائل التعلم. ولعل هذا ما جرى بين الابن وأبيه لقمان.

6-إعطاء البديل المناسب للسلوك المنهي عنه:

بعدما نهى في لقمان ابنه عن الخلق الذميم من التكبر ونحوه؛ رسم له الخُلُق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله، فقال: ((واقصد في مشيك))..، و((واغضض من صوتك)).... والمراد من ذلك كله هو غرس خلق التواضع والوقار والسكينة في نفس المسلم، لذا يجب على المربين أن يتأسوا بهذا الأسلوب التربوي الرائع، ويوجدوا البدائل المقبولة لكل المنهيات المستهجنة. ومن فضل الله تعالى أن ديننا يقوم على ذلك، فإنه لم ينه عن شيء إلا أتى بأحسن وأفضل، ودعا المسلمين إليه، وحضهم على الالتزام به.

7-استعمال لغة مفهومة وواضحة في مخاطبة الأطفال:

وهذا ما فعله لقمان في وعظه لابنه حينما تحدث عن الأصوات المرتفعة الكريهة شبهها بأصوات الحمير، وذلك لأن أصوات الحمير مفهومة جدا للأطفال ومزعجة، فاستخدم وسيلة التقبيح الواضحة والمفهومة لديهم.

إن توظيف هذا الأسلوب التربوي يتطلب من المدرس أن يراعي في خطابه مستوى المتعلم القبلي بالنسبة للغة والتعابير التي يستعملها، إذ هي المادة المعرفية، حتى يستطيع أن يخاطبه على قدر فهمه وعقله ومخزونه المعرفي، لأن التواصل الناجح مبني على وضوح الخطاب بين المرسِل والمرسَل إليه.

8-أسلوب الإقناع:

من نماذجه أن لقمان الحكيم حينما كان يورد الأمر أو النهي کان يتبعه بالشرح والتبرير.. مثلاً نجد لقمان يحذر ابنه من الشرك ويبرره مباشرة بكونه أعظم الظلم. ثم يعظ ابنه بألا يصعر خده للناس، وبألا يتكبر، فيبين له أن ذلك السلوك يمقته الله تعالى بقوله: ((إن الله لا يحب كل مختال فخور)). ولما أمره بالغض من صوته والاعتدال فيه، أتبع ذلك بقوله: ((إن أنكر الأصوات لصوت الحمير))، حتى تعاف النفس هذا الصوت، وتفر منه، فيتحرى الإنسان عدم التشبه بالحمار في رفع الصوت. وقد كان، قديما، يعد في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة؛ فكيف للمرء أن يحاكيه في شيء من أفعاله؟!

إن هذه الوسائل الإقناعية ليست محصورة فيما ذكر، بل هي متنوعة تشمل الوسائل العقلية والعاطفية والمادية، وكل الوسائل المعاصرة، لذا، فمن الضروري أن يهتم بها المربون والمعلمون، ويتمكنوا منها جيداً، ويراعوا فيها عقول المتربين والمتعلمين حتى تكلل أعمالهم التربوية والتعليمية بالنجاح والتوفيق.

9-أسلوب التدرج

نلحظ هذا الأسلوب من خلال تقديم لقمان وصاياه لابنه، حيث تدرج من تثبيت العقيدة المبنية على توحيد الله والشكر له، ثم الدعوة إلى البر بالوالدين والشكر لهما. أما الخطوة التالية فهي التوجه إلى الله بالصلاة، والتوجه إلى الناس بالدعوة إلى الله تعالى، والصبر على تكاليف الدعوة ومتاعبها. بعد ذلك ينتقل إلى ذكر الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها الداعي إلى الله، وتتمثل في خلق التواضع والسكينة والوقار، والقصد في المشي، والغض من الصوت،... وهي كما يلاحظ ثمار للإيمان الصادق والعبادة الخالصة.

إن هذا الأسلوب الذي يعتمد على التدرج في الخطاب، وتقديم المادة الخطابية كيفما كان نوعها وطبيعتها؛ حري بكل مربٍّ ومدرس أن يسلكه في حياته المهنية، ويهتدي به في عمليته التعليمية والتربوية، فهو أجدى وأنجع في التواصل مع الأطفال والمتعلمين، وله آثار نافعة وفعالة في تحصيلهم العلمي والمعرفي. فالمادة العلمية أو المعرفية أو الأخلاقية المقدمة للأطفال والمتعلمين ينبغي أن تخضع لهذا الأسلوب التربوي القمين. وقد أكدت الدراسات التربوية والنفسية الحديثة مدى نجاعة هذه التقنية التربوية في عملية التواصل، وتدريس التلاميذ والمتعلمين، ومن يطلع على تراثنا التربوي وما ألفه علماؤنا المسلمون في هذا المجال يجده زاخرا بالإشارات اللطيفة، والشواهد من الكتاب والسنة، ومن مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم، كلها تلح على ضرورة نهج أسلوب التدرج، وتؤكد عليه، وكفى ذلك شاهدا على فعالية هذا الأسلوب وقيمته.

وأخيراً؛ فهذه وصايا قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، ويجعلوها نبراسا متميزا في حياتهم. ثم إن الوعظ الذي يقدمه الوالد، أو المربي ينبغي أن يكون شاملا لجميع ما يحتاج إليه المتربي من خلال خطة زمنية، ومن خلال فقه الأوليات، ولذلك شملت وصايا لقمان لابنه: الجانب العقدي، والجانب الأخلاقي، والجانب العملي.

ولا ريب أن التربية، تقتضي مؤهلات خاصة، أهمها قوة التحصين بالإيمان، وقوة الدفاع بالاستقامة، واقتفاء وسائل الحكمة والموعظة الحسنة. ولن يكون المربي مؤهلا لهذا إلا إذا استطاع أن يكون حكيما في وعظه وإرشاده، ومثالا في احتفاظه بهدوئه واتزانه الانفعالي في عمله التربوي والتوجيه والإرشادي، ونموذجا طيبا للناس بسلوكه العام، وتصرفاته في المواقف المختلفة. وهو بتقديمه هذا النموذج الطيب يدفع الناس إلى التحلي بكريم الصفات وجميل الأخلاق، اقتداء به ومنهجه، ولا شك أن للقدوة في هذا المجال أثرا لا ينكر.

إضافة إلى ما سبق، فإن كل مربٍّ أو داعٍ إلى الله هو في حاجة إلى تدبر الأسلوب القرآني العجيب الذي تولى عرض هذه الوصايا والمواعظ وهو يخاطب الفطر والقلوب والألباب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

44-           سورة لقمان، الآية17. 

45-           الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/479.

46-           أيها الولد، الغزالي، ص131.

47-           الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/479.

48-           المحرر الوجيز، 4/351.

49-           القرآن وعلم النفس، ص271.

50-           سورة لقمان، الآية17.

51-           الجامع لأحكام القرآن، 16/480.

52-           سورة لقمان، الآية۱۸.

53-           تفسير القرآن العظيم، 6/339.

54-           الشعر والشعراء ابن قتيبة، ص13.

55-           السيرة النبوية، ابن هشام، 1/269.

56-           الجامع لأحكام القرآن، 16/481.

57-           جامع بیان العلم، ابن عبد البر، 1/142.

58-           المصدر السابق، 1/142.

59-           المصدر السابق، 1/142.

60-           أدب الدنيا والدين، الماوردي، ص80-81.

61-           رواه مسلم.

62-           رواه مسلم والترمذي وأحمد.

63-           سورة لقمان، الآية۱۸.

64-           سورة الفرقان، الآية63.

65-           سورة لقمان، الآية19.

66-           تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/339.

67-           المصدر السابق، 6/122.

68-           سورة لقمان، الآية 19.

69-           المحرر الوجيز، 4/352.

70-           البيتان للراجز العماني كما في البيان والتبيين، 1/126. وقال الجاحظ: الأين: الإعياء. والظليم: ذكر النعام.

71-           رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

72-           لسان العرب، 15/345.

73-           منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، 1/187.

74-           وصية أبي حنيفة، ص12.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب