في ظلال الكعبة للأستاذ الدكتور الحاج عبد الملك كريم أمر الله (حمكا) ترجمة: د.معهد مختار
كتب  عبد الملك كريم أمر الله (حمكا) ▪ بتاريخ 25/05/2022 08:52 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

 

 (3)

حينما جاءت أيَّام العطلة، رجعتُ إلى قريتي وكانت الشمس مشرقةً تُلقي على طريقي أضواء سرور، وهي تصاحب كلَّ خطواتي إلى رحاب القرية العزيزة. وإنِّي أشكر الله تعالى الذي جعل ما كنتُ أحلم به حقّاً. فرأيت دموع أمِّي تسيل من شدَّة الفرح، ورأيتُ بسمة الحاجِّ جعفر ترتسم على شفتيه لـمَّا شكرتُه على إنفاقه لدراستي وإقامتي في فادنج فانجنج. ورأيتُ وجه السيِّدة عائشة ناضرًا لـمّا سمعَتْ تفوُّقي في طلب العلم، ووصفتني بأنِّي بارٌّ لأمِّي ولمن أحسن إليَّ لأنَّني لم أدَعْ جهودهم كرماد اشتدَّتْ به الريح في يوم عاصف، بل جزيتُها بما تقرُّ به الأعين، وتطيبُ به الأنفس.    

        ولكنَّ لساني لم ينطلق عند لقاء زينب! أين الفصاحة!؟ بل أين الشجاعة؟! سألَتْني زينب:

-       متى عدتَ يا عبد الحميد؟ فأجبتُ:

-       في الساعة العاشرة صباحًا.

-        وكيف أحوالك؟ سألتني ثانية.

-       الحمد لله...أنا بخير.

ولم تخرج بعد ذلك من فمي لفظة ولا حرفٌ،  وغابَتْ عن ذاكرتي تلك العبارات التي نظمتُها قبل اللقاء. ورأَتْني زينب على هذه الحالة وهي تنتظر منِّي حديثًا عجز عنه لساني. ومضَى ربع ساعة بدون كلامٍ. ثم قالت:

-       أدعو الله تعالى لك بالخير، وأرجو أن تتردَّد على بيتنا ما دمتَ هنا.

 كانت تلك هي الكلمات الأخيرة قبل أن تنصرف زينب إلى غرفتها. فقمتُ، وأخذتُ قلنسوتي، وغادرتُ البيت دون إبلاغ ما يكمن في قلبي.

        وخطر ببالي أن أبعث إلى زينب رسالة تعبِّر عمّا أضمرتُه في قلبي من الحبِّ لها. وكان في وسعي أن أكتب تلك الرسالة باللغة الهولنديَّة لكيلا يفهم فحواها سوى زينب نفسها... ولكن، كيف لي السبيل إلى ذلك وعلاقتنا لا تعدو أن تكون علاقة أخويَّة بين الأخ وأخته الصغيرة!؟. وكيف يتأتَّى للفقير أن يتَّخذ أميرة جميلة عروسًا له؟! ومع ذلك، ألَـمْ تر أنَّ الحبَّ يطير بجناحين. وكيف نفصل بين الجناحين والحبِّ!؟ إذا طار بجناح واحد فإنه حتمًا سيسقط، ويموت غرقًا في بحر الحبِّ وحيدًا! فهل للجناح الأيمن فضل على الجناح الأيسر!؟ إنّ الحبّ يجمع الفقير والغنيّ ويجعلهما يحلّقان في سماء الوجد. فكيف يكون الغنيّ غنيًّا عنه!؟ وكيف يكون الفقير فقيرًا به؟! 

إنَّ حبِّي لزينب مفتاح الأمل لمستقبل حياتي. وكيف تكون حياتي يا ترى إذا ما فقدتُه!؟ هذا السؤال لم يخطر ببالي قبل هذه اللحظة، ولكنَّني أخذتُ أفكِّر فيه بعدما عظم عليَّ ألم الفراق، وذقتُ مرارة الحب!.

بعد انتهاء شهر رمضان، رجعتُ إلى بادنج بانجنج. وقبل الرجوع قابلتُ زينب ووالديها، فنصحني أبوها قائلاً:

-       اجتهد في دراستك يا بُنَيَّ لتكون مرجعًا في علوم الدين، ولعلِّي أقدر على مساعدتك حتى تحصل على الشهادة. فأجبتُ:

-       إن شاء الله سأبذل أقصى جهدي ليتحقِّق ما نحلم به...

 بعد ذلك غادرتُ البيت، وحينما ألقيتُ نظرة أخيرة؛ رأيت زينب تقف عند الباب، وبدا من عينيها ألم الفراق. وأدركتُ أنَّه حين صار الكلام سجين اللسان أصبح رسول العين طليق البيان. وكيف لي أن أسلِّيها! لقد تبددت جرأتي، وذهبت أدراج الرياح. فانصرفتُ تاركًا من ورائي الحبَّ الخالص لأهل هذا البيت، والذكر الدائم لوردته.

        وبعد أشهر، فاجأتنا تلبية الحاجّ جعفر نداء ربِّه، ويفارق هذه الحياة!. وما كنت أحسبه سينتقل إلى جوار ربِّه بهذه السرعة، ولكنَّ ربَّه قد أحبَّ لقاءه. فناداه!. وكيف للعبد أن يردَّ نداء ربِّه!؟ فرجعتِ النفس المطمئنة إلى ربِّها راضية مرضيَّة. فزادت مِن مولاها قُربًا، وزدتُ عن دار مولايَ بُعدًا. وكيف لا.. وقد تركني من تولَّى رعايتي وذهب معه بمفتاح كنتُ أفتح به باب بيته!؟. فكيف لي مؤانسة أهل هذه الدار الشريفة وقد أغلقت المنيَّة بابها، وأخذ سيِّدها!؟. وبدونه، تعذَّر عليَّ لقاء أهل بيته مثلما كان في قيد الحياة، فعدتُ إلى حيث أتيت... إلى بيت فقر وغربة.

        ولكنَّ هذا البيت الفقير لا يقتنع بفقره الذي كساني منذ ولدتني أمِّي. فإذا رسول المنيَّة يأخذ منه آخر ما بقي من نبضات قلبي... تلك الأم الحنون التي أخذت بيدي للعبور من سواد الليل إلى بياض الصبح. ولكن، حين أوشك الصبح أن يأتي بفجر منير، تركتني وحيدًا متحيِّرًا... كيف يا ربِّ أسير على وجه الأرض وقد ضاعت مني عصاي التي كنتُ أتوكَّأ عليها، وانطفأت شَمْعتي التي أنارت لياليَّ حينما غشيتها هموم وأحزان! وبدونهما ثقلت خطواتي، ولم أعد أرى في عين الشمس ضوءًا، ولا في وجه البدر جمالاً! ما أكرم المصيبةَ عليَّ! وما أسخاها!

قبل انتقال أمِّي إلى جوار ربِّها، دعتني إلى جنبها، وقالت:

- بُنَيَّ! بدا لي أنَّك تُخْفِي سريرةً من وراء عينك القريرة!.

- ما هي يا أمَّاه؟!

- إنَّك تحبُّ زينب!

- لا يا أمِّي! إنَّ ذلك من الـمُحال، بل إنَّه مـمَّا أخاف منه...وإنِّي مدرك تماما أنَّه لو أحببتُها، فكأنِّي خططتُ بالماء كلمة الحبِّ على حَجَرٍ صَلْدٍ. فهل ينفع هذا العمل إلاّ أن أسمع لنفسي صريراً أسلِّي به نفسي، ولا يبقى لي بعد ذلك سوى قلب مهموم. فإلى أين أذهب به؟!

- يا له من رونق البيان! إنَّ كلماتك تدلُّ على أنَّك مُغرَمٌ بسراب يحسبه الظمآن ماء حتَّى إذا أتاه لم يجده شيئًا. قرَّةَ عيني! لقد خَبِرْتُ سرائر الحياة، فلا تُسِرَّ عني شيئًا. لقد جرَّبتُ الحياة قبل أن ترى نور الوجود. ضعُف بَصَرِي ولم تضعُفْ بصيرتي! أنصحك أن تطفئَ نور الحبِّ من قلبك قبل أن يصبح نارًا تَحرِق بها نفسك. ألم تر أنَّ زينب من دار الغنى، وقد أضاء لنا أبوها طريق الـمُنى؟!

- صحيح يا أمِّي! ولكنَّني كلَّما ألقيتُ نظرة على بيتها، أو لمحتُ وجهها، أو سمعت اسمها.. أخذ قلبي يخفق وينبُتُ فيه شعورٌ بالحنين إليها. وكلَّما حاولتُ أن أمسح صورة الحبِّ التي ارتسمت في أعماق قلبي؛ عادت مرَّة أخرى من جديد بصورة أوضح، بل أروع من قبلُ حتَّى تعب الفؤاد في إبعادها...

- ما أعمق حبَّك لزينب يا عزيزي! ولا تدري هل هي في الوادي الذي تكون فيه أم ترقى إلى سماء الخيال وحدك!؟

- أصبتِ يا أمِّي! لو عرفتُ أنَّ حبِّي وجد ساقيَه لما اشتدَّ ظمئي... وإنِّي في الحقيقة، لم أكن لأحبَّ زينب إلاّ لـمَّا رأيت في خُلُقِها حُسنًا، وآنستُ في عينيها نورًا يتفجَّر من الحبِّ الخالص الذي لا تشوبه شهوة دنيَّة، ولا رغبة دنيويَّة.. حُسْنُ الـخُلُقِ هو الذي أنبت الحبَّ في قلبي..وليس جمالَ الخَلْقِ...

- لقد ورثتَ من أبيك سحر البيان، ولا أطيق مواصلةِ كلامي.. أدعو الله أن يحفظك ويسدِّد خطاك، وكم أرجو أن لا يكون حبُّك هذا خيالاً يتخلّى عنك مع اختلاف الليل والنهار.. إنَّني أحبُّك يا عزيزي، وعزيزٌ عليَّ ما تعانيه من الآلام.

تلك هي نصائح أمِّي الأخيرة التي ما زالت تتردَّد في سمعي، وكأنَّ طاقتها نفدت بعدما أبلغت تلك الكلمات... وفي ذات ليلة، حينما كنتُ أجرِّعُها الدواء، نظرتْ إليَّ نظرة الوداع، ثم لفظت بالكلمة الطيِّبة، وفارقت الدنيا لتنتقل من عالم الفناء إلى عالم البقاء... انطفأت شمعتي التي كانت تنير لياليَّ، وتحرق نفسها لمؤانستي.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب