الْـهُدْهُدُ الْـحَكِيْمُ..
كتب  د.ياسر بن إسـماعيل عباس ▪ بتاريخ 25/05/2022 08:49 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

 

 

يَعِيْشُ الْـهُدْهُدُ فِي غَابَةٍ جَـمِيْلَةٍ يَـحْكُمُهَا مَلِكُهُمُ الْأَسَدُ، وَقَدْ كَانَ الْـهُدْهُدُ مُـجْتَهِدًا وَمُعْتَكِفًا فِـي دِرَاسَتِهِ وَاطِّـلَاعِهِ فِي مَـجَالِ الْأَرْصَادِ الْـجَوِّيَّةِ وَالظَّوَاهِرِ الطَّبِيْعِيَّةِ، حَتَـى صَارَ عَالِـمًا وَبَارِعًا فِيهَا، وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ أَمْطَارًا قَلِيْلَةً سَوفَ تَهْطِلُ فِي مَنْطِقَتِـهِمْ، ثُـمَّ يَلِـي بَعْدَ ذَلِكَ جَفَافٌ طَوِيلٌ، فَأَسْرَعَ إِلَـى مَلِكِ الْغَابَةِ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَبِنَتَائِـجِ دِرَاسَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ، وَاقْتَرَحَ لَهُ بِأَنْ يَتَـعَاوَنَ الْـحَيْوَانَاتُ جَـمِيْعًا قَبْلَ أَنْ تَأْتِـيَ الْأَمْطَارُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَـحْفِرُوا الْـكَثِيرَ مِنَ الآبَارِ لِـجَمْعِ الْـمَاءِ، ثُـمَّ يَضَعُوا غِطَاءً فَوْقَـهَا حَتَّـى لَا يَـجِفَّ الْـمَاءُ بِسُرْعَةٍ.

 


فَقَالَ الْأَسَدُ: أَشْكُرُكَ عَلَى هَذِهِ الْـمَعْلُومَةِ، سَأَسْتَشِيرُ وُزَرَائِـيَ فِي الْأَمْرِ.


جَـمَعَ الْأَسَدُ وُزَرَاءَهُ وَاسْتَشَارَهُـمْ.


فَقَالَ الذِّئْبُ: إِنَّـنَا الْآنَ مَشْغُولُونَ بِأَعْـمَالِنَا مِنْ زِرَاعَةٍ وَحِرَاثَةٍ وَصَيْدٍ، فَلَيْسَ لَدَيْنَا الْوَقْتُ الْكَافِـي لِـحَفْرِ الْآبَارِ.

وَقَالَ الضَّبْعُ: إِنَّ حَفْرَ الْآبَارِ عَـمَلٌ يَـحْتَاجُ إِلَـى مَهَارَةٍ. نَـحْنُ الضِّبَاعُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُومَ بِهِ.


ثُـمَّ قَالَ الْـحِمَارُ: مَا رَأْيْتُ أَنْ حَدَثَ جَفَافٌ فِي بِلَادِنَا مِنْ قَبْلُ، فَأَنَا أَرَى أَنَّ كَلَامَ الْـهُدْهُدِ لَيْسَ دَقِيقًا وَلَيْسَ صَـحِيحًا. فَـسَمِعَ الْـمَلِكُ كَلَامَ وُزَرَائِهِ، وَلَـمْ يَأْمُرُ بِـحَفْرِ الآبَارِ، وَلَا بِـجَمْعِ الْـمَاءِ.


       وَحَدَثَ مَا كَانَ قَدْ تَوَقَّعَهُ الْـهُدْهُدُ، فَقَدْ هَطَلَتِ الْأَمْطَارُ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُـمَّ تَوَقَّفَتْ. وبَعْدَ ذَلِكَ بَدَأَ مَوْسِـمُ الْـجَفَافِ الطَّوِيلِ وَالْـحَرِّ الشَّدِيدِ. فَفَسَدَتِ الْـمَحَاصِيلُ، وَجَفَّتِ الْأَشْـجَارُ، وَعِنْدَمَا شَاهَدَ الْـهُدْهُدُ هَذِهِ الْكَارِثَةَ طَارَ وَسَافَرَ خَارِجَ الْبِلَادِ، لِيَبْـحَثَ عَنْ حَلٍّ أَوِ اسْتِنْـجَادٍ.


وَبَعْدَ فَتْرَةٍ نَادَى الْأَسَدُ جَـمِيعَ الْـحَيْوَانَاتِ لِيَتَنَاقَشُوا عَنِ الْـحُلُولِ الْـمُمْكِنَةِ لـِهَذِهِ الْـمُصِيبَةِ.


فَقَالَ الذِّئْبُ: إِنَّنَا الْآنَ مُسْتَعِدُّونَ لِـحَفْرِ الآبَارِ.


وَقَالَ الضَّبْعُ: نَـحْنُ الضِّبَاعُ رَأْيُنَا أَنَّ حَفْرَ الآبَارِ عَمَلٌ سَهْلٌ جِدًّا.


فَقَالَ الْـمَلِكُ لَـهُـمَا، وَلِـمَ لَـمْ تَسْمَعَا كَلَامَ الْـهُدْهُدِ مِنْ قَبْلُ؟


ثُـمَّ تَفَقَّدَ مَـجْمُوعَةَ الطُّيُـورِ، وَقَالَ: مَا لِـيَ لَا أَرَىَ الْـهُدْهُدَ؟ لِـمَ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ؟.


فَقَالَ الْـحِمَارُ: إِنَّهُ هُدْهُدٌ أَنَانِـيٌّ، لَقَدْ طَارَ وَسَافَرَ لِيَـنْجُوَ بِنَفْسِهِ، وَنَسِـيَ مُصِيبَتَنَا.   


وَفَـجْأَةً نَزَلَ الْـهُدْهُدُ وَوَقَفَ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ مَـجْلِسِهِمْ، وَقَالَ:


أَحَطْتُ بِـمَا لَـمْ تُـحِيطُوا بِهِ عِلْمًا، وَجِئْتُكُـمْ مِنْ وَاحَةٍ خَضْرَاءَ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّـي وَجَدْتُ مِيَاهَـهَا غَزِيرَةً، وَحَوْلَـهَا أَشْجَارٌ كَثِيرَةٌ، وَمَنْظَرٌ عَظِـيمٌ. إِنَّـهَا تَبْعُدُ مَسِيرَةَ خَـمْسَةِ أَيَّامٍ مَشْيًا بِأَقْدَامِكُـمْ، فَاسْتَعِدُّوا لِلْاِنْتِقَالِ إِلَـيْهَا.


قَالَ الذِّئْبُ: لَوْ كَانَ سَفَرًا قَرِيبًا لَاتَّبَـعْنَاكَ، وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْنَا الْـمَسَافَةُ.


وَقَالَ الضَّبْعُ: إِنَّنَا لَا نَقْوَى عَلَى السَّفَرِ وَالتِّرْحَالِ، خَاصَّةً فِي أَوْقَاتِ اللَّيَالِـي.


وَقَالَ الْـحِمَارُ: أَمَا وَجَدْتَ مَكَانًا أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ؟


فَـهَدَّدَهُمُ الْـهُدْهُدُ قَائِلًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ الْـهَلَاكَ وَالْـمَوْتَ؟! إِنَّ الْـجَفَافَ قَدْ حَلَّ بِأَرْضِكُمْ، وَإِنَّ الْـجُوعَ وَالْعَطَشَ قَدْ عَـمَّ فِي دِيَارِكُـمْ، فَأَحْسِـنُوا فِي اخْتِيَارِكُـمْ، فَإِمَّا التَّعَبُ ثُـمَّ الْعَيْشُ فِـي الْوَاحَةِ الْغَنَّاءِ، وَإِمَّا الْكَسَلُ ثُـمَّ الْـمَوْتُ الْبَطِـيءُ وَالْفَنَاءُ.


عِنْدَئِذٍ أَدْرَكَ الْأَسَدُ الْـمَلِكُ الْـخُطُورَةَ الَّـتِي تُـهَدِّدُهُـمْ، وَعَرَفَ الْـحِكْمَةَ مِنْ هُدْهُدِهِمْ، فَأَمَرَ كُلَّـهُمْ بِأَنْ يَـتَأَهَّبُوا سَرِيعًا، فَهَاجَرُوا وَنَـجَوْا جَـمِيعًا.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب