خطيب الأندلس المنذر بن سعيد البلّوطي
كتب  د.عبدالقدوس أبو صالح ▪ بتاريخ 25/05/2022 08:18 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

 

    كان المنذر بن سعيد البلوطي خطيباً مِصْقَعاً وشاعراً بليغاً ونحوياً فاضلاً، رحل حاجاً سنة 308هـ، فأقام في رحلته أربعين شهراً أخذ بها عن بعض علماء مكة ومصر، ثم عاد إلى الأندلس وتقلب في مناصب القضاء إلى أن صار قاضي الجماعة في قرطبة، وألف كتباً في علوم القرآن والسنة والرد على أهل الأهواء والبدع.


      وقد اتصل المنذر بن سعيد بالخليفة عبد الرحمن الناصر فَحَظيَ عنده، ثم عند ابنه الحكم من بعده. وكان سبب اتصاله بالناصر ما ظهر من بلاغته في الخطبة التي ارتجلها يوم الاحتفال بدخول سفير قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينية مع وفود سائر ملوك الإفرنجة، فقد قُدِّمَ أبو علي القالي ليخطب في هذا الحفل فأُرْتِجَ إليه وانقطع وبُهِر، فلما رأى ذلك المنذر بن سعيد وكان حاضراً قام من ذاته وارتجل خطبة بهر بها العقول، وكان الخليفة الناصر أشد الحاضرين تعجباً وإعجاباً به، فسأل عنه وقرَّبه وولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء، ثم ولاه قضاء الجماعة بقرطبة.


      وكان المنذر بن سعيد شديداً في دينه لا تأخذه في الله لومة لائم، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ومن ذلك أن الناصر أسرف في بناء مدينة الزهراء واستفرغ جُهده في إتقان قصورها وزخرفة دورها، فأراد القاضي تنبيهه بالموعظة. فابتدأ خطبته أمام الخليفة الناصر بقوله تعالى: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين..."، ثم وصله بقوله تعالى: "قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى"،  ثم أتى بما يناسب المقام من التخويف بالموت والدعاء إلى الزهد في الدنيا، والإقصار عن اللذات والشهوات واتباع الهوى، وأورد أحاديث وآثاراً في ذلك كله، حتى خشع الناس وبكوا وأعلنوا التوبة والاستغفار، وأخذ الناصر من ذلك بأوفر حظ، وقد علـم أنــه المقصود بالموعظة فبكى وندم على ما أفرط وفرّط، إلا أنه وجد في نفسه على المنذر بن سعيد لما قرّعه به، فقال لولده الحكم: والله لقد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري فأسرف وأفرط في تقريعي، ثم أقسم ألا يصلي خلفه صلاة الجمعة خاصة، وترك الصلاة بالزهراء، فقال له ابنه الحكم: ما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك والاستبدال به إذ كرهته؟ فزجره الناصر وانتهره قائلاً: أمثل المنذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه –لا أُمَّ لك– يُعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟. هذا ما لا يكون. وإني لأستحيي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعاً مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكنه أحرجني فأقسمت.. بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى، فما أظننا نعتاض عنه أبداً.


     وكان المنذر على متانته وصلابته حسن الخلق كثير الدعابة، فربما ساء ظن من لا يعرفه به لدعابته، فإذا رأى ما يخلّ بالدين قَدْر شعرة ثار ثورة الأسد الضاري وتبدلت بشاشته عبوساً، وأنكر المنكر بقلب ذكي جريء، ومقال كحد السيف الفاصل، وهو القائل في ذلك عن نفسه:


مقالي كحدِّ السَّيْف وَسْطَ المحافـل         

                         أَميزُ به ما بين حق وباطـــلِ


بقلب ذكيٍّ قد توقَّد نــــورُه       

              كبرقٍ مضيءٍ عند تَسْكاب وابل


فما زَلِقَتْ رجلي ولازلَّ مِقْـولي        

              ولا حار عقلي عند تلك الزلازل


وقد حَدَّقَتْ حولي عيون إِخالـُها         

                كمثل سهام أُثبتت في المقاتــل

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب