الأدب الإسلامي وحب المكان
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 25/05/2022 07:43 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 124

 

من المألوف أن تنشأ بين المرء وبين مكان نشأ فيه، أو شهد فيه حدثاً؛ علاقةٌ شعورية، تحكمها ظروف النشأة، وطبيعة الحدث، فإن كانت النشأة أو الحدث سعيداً فتكون العلاقة ودودة حميمة، وإن كانت عكس ذلك رست في النفس نفرةٌ تجعل المرء يتجنبه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فالمكان مثير الذكريات، والذكريات الحلوة تبهج النفس، وتجعل كل ما يرتبط بها محبباً إليها، والذكريات المرة تملؤها ضيقاً وتبرماً، وتجعل ما يرتبط بها بغيضاً إليها تجتهد في أن تنساه أو تتناساه.


وعلى مر العصور عبر الإنسان عن هذه العلاقة بأشكال كثيرة، كان الأدب واحداً من وسائله القوية في تجسيدها، فالديار التي نشأ فيها حبيبة إلى نفسه غالباً، يحن إليها إذا اغترب عنها، والأرض التي نصبت فيه المرأة التي أحبها خيامها عزيزة عليه ولو انتقل منها ولم يبق فيها إلا علامات يتبينها بلأي كما يقول زهير بن أبي سلمى، في حين أن الديار التي أوذي فيها هو أو أحد أهله أو أصحابه شئيمة يتمنى ألا يسقيها الغمام.


وقد حفل ديوان الشعر العربي بهذه الصور والمواقف، وصار الوقوف على الأطلال وديار الحبيبة المهجورة جزءاً أساسياً من أجزاء القصيدة العربية المتكاملة امتد من العصر الجاهلي، حيث البداوة والرحلة قدر البدوي؛ إلى فترة من العصر العباسي، حيث المدينة والاستقرار، ولا خيام ولا رحلة، ولكنه الإرث الأدبي، والسير على نهج القدماء.


وأما قصائد الشوق والحنين لمرابع الطفولة وديار الأهل التي نأى عنها الشاعر فباب كبير من أبواب الشعر العربي قديمه وحديثه كان ومازال وسيبقى ما بقيت العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان، وقد أنبتت هذه الظاهرة القوية المستمرة في الشعر العربي دراسات تحليلية ونقدية واسعة أصلت لمفهوم شاعرية المكان وإيحاءاته.


ومنذ أن أشرق الإسلام في قلوب المؤمنين ظهر لون آخر من العلاقة بين الإنسان والمكان، لا تحكمه النشأة ولا الحدث، وإنما تحكمه القدسية التي أضفاها الهدي الرباني عليها، فكما اختص الله سبحانه بعض الأزمنة بفضائل تميزها كرمضان وعشر ذي الحجة والجمعة، اختص بعض الأمكنة بفضائل تميزها وهي الحرمان الشريفان، وبيت المقدس، والمشاعر وغيرها مما نصت عليه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، فقد أنبت الإيمان في القلوب التي سكنها تعلقاً بهذه الأماكن، ورغبة قوية بزيارتها، وتطلعاً إلى أيام عبادة هانئة في رحابها، يشتغل المرء فيها بذكر الله، ويتنصل ما استطاع من أوزار التعلق بالدنيا، فيصبح كل معلم من معالم تلك الأمكنة مرتبطاً بهذه المشاعر الإيمانية العميقة، وينمو حبها في نفس المؤمن، وينمو معه شوق إلى العودة إليها مرة ومرة، والتنعم بما تتركه من آثار تمتد زمناً طويلاً.


وقد ظفرت المدينة المنورة بنصيب وافر من هذا الشعر حتى ليصح أن نقول: إن في الشعر العربي منذ العهد النبوي إلى يومنا هذا، ديواناً خاصاً بالمدينة نسميه بحق المدينيات، تقرأ فيه هيام القلوب التي عمرها الإيمان بحبها، وتقرأ فيه صورة وضيئة لكل معلم من معالمها: المسجد النبوي، ومسجد قباء، وجبل أحد، وجبل سلعٍ، وجبالٍ وأوديةٍ وآبارٍ قد لا نعرفها إلا من خلال هذا الديوان العجيب.


وبين يدي قصيدة تتلبس معالم المدينة فيها برمزية تبادلية بين المعلم والحيوية، لتنتقل إلى هذه المعالم مشاعر الحب العميقة التي ألف الناس أن توجه إلى المحبوبة المرأة وحدها، ويكون المكان تبعاً لها، ولكن الرمزية التبادلية تنشئ جسراً مفتوحاً بينهما يجعلنا نحس في أعماقنا أن المقصود الحقيقي هو المدينة ومعالمها، ترسم القصيدة التي آثر صاحبها، وهو من القرن العاشر الهجري ألا يعلن اسمه، ويكتفي أن يعلن حبه وارتباطه بالمدينة ومعالمها، فرسم مشهداً من مشاهد العلاقة التبادلية، فتوجه الشاعر إلى ساكني سَلْعٍ في حين أن القصد الذي تبوح به القصيدة هو جبل سلع في المدينة المنورة، وكل معلم يرد ذكره في الأبيات، يقول الشاعر:


بين سلع والمصلى عرب                  حبذا قربهم لو وجدا

حيث صاروا ففؤادي معهم                 أتهم السير بهم أو أنجدا

يا سقى الغيث ربوعاً باللوى                كلما راح عليها أو غدا

بعدت عيني وفي تلك المنى                قرب الله لنا ما بعدا

أنشدوا قلبي في معهدكم                    فهو لا يترك ذاك المعهدا

ودعوا جفني وإن برّح بي                  ودعوا شوقي إلى أن يقدا


وعلى عادة الشعراء القدماء يستحضر الشاعر صاحباً يجعله رسوله إلى تلك المحبوبة، ويحمله أشواقه إليها، ويسأله أن يخبرها بمدى هيامه بها وشوقه إليها: فيقول:


زُرْ بنا سلعاً وسل عن جيرة                مثلهم لم تر عيني أحدا

فإذا جئت فعرّض عندهم                   بحديثي ولك النفس فدى

ورد الماء الذي في حيهم                   فهو الماء الذي يروي الصدى

بعد ذاك المورد العذب لقد                 بت لا تطلب نفسي موردا

قل لهم لا صبر عنكم فإذا                 كان بُعْد لا تطيلوا الأمدا

كيف صبري عن حبيب قد غدا            بالمعاني والمعالي مفردا

إن عيشاً قد مضى في قربه                لست أنساه وإن طال المدى


ولا يكتفي الشاعر بتحميل عواطفه لصاحبه، بل يجعلها تنتقل إلى القافلة التي تقصد ديار المحبوبة، ويسقط مشاعره على الإبل التي تستمع لصوت الحادي ينشد، ويضمن نشيده تلك المشاعر فتطرب الإبل، وينتقل إليها الشوق فتغذ السير وكأنها تتراقص في الصحراء، وتتذكر هي أيضاً –كما يتخيل الشاعر– تلك المعالم التي اعتادت السفر إليها، فيقول:


أيها الحادي دع العيس ونمْ         قد كفاها شوقها عمن حدا

رقد القوم عليها وهي من            شوقها قد منعت أن ترقدا

لو تراها راقصات في الفلا          قد شجاها صوت حاد أنشدا

ذكرت سَلْعاً وسلعٌ منتهى            أمل الساري لذا ما اجتهدا


ويكشف الشاعر أخيراً عن سبب تعلقه بتلك المعالم المدينية، وهو الفضل الذي اكتسبته باحتضان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به الرسالات، فكان له الفضل بعد الله سبحانه في هداية الناس لدين الله، وكان له الحب كل الحب، فيقول:


ختم الرسلَ به ربُّ الورى            وبه في رتبة الفضل ابتدا

وجلا عن كل قلب وَجَلاً            وفدا من ذنبه مَنْ وفدا

سلم الله على خير الورى            وعلى أصحابه أهل الندى


 

وبعد؛ فهذه الأبيات من ديوان المدينيات –إن صحت التسمية– شاهد على علاقة الحب التي يصنعها الإيمان بين الإنسان والمكان؛ ليس أيَّ مكان، بل المكان الذي خصه الله بفضائل مميزة، فكان هذا الحب باعثاً لعطاءات أدبية إسلامية، فكانت ومازالت وستبقى إن شاء الله بعضاً من فيض الوجدان المؤمن، وتجديداً دائماً لهذه المشاعر السامية.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب