وسطية الأدب الإسلاميّ في مواجهة تطرّف المذاهب الغربية (1/2)
كتب  د.وليد قصاب ▪ بتاريخ 31/07/2019 15:29 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

تمهيد

 الوسطية منهج أصيل في الإسلام، وهي تشمل جميع أنشطة الحياة ومجالاتها المختلفة. إنها من صميم العقيدة، والتمسك بها – في كل شأن من الشؤون – يعني التمسك بالإسلام الصحيح، والتزام ما أوجبه الله تعالى على عباده من غير زيادة ولا نقصان.

 إن الوسطية تعني التزام جوهر الدين، والحقيقة الربانية، لأن كل خروج عليها يعني تضييع فضيلة من الفضائل، فهي العدالة والخيرية، وهي المركز الأقوى بين طرفين، كل منهما ضعيف متهافت، بل كل منهما نقيصة من النقائص، ورذيلة من الرذائل، وهذان الطرفان هما الإفراط والتفريط، أو المبالغة والتقصير، أو التزيد والإضاعة.

 وقد أشار بعض النقاد إلى ملامح وسطية في الأدب والنقد، وعدّها من ملامح الجمال، ومن معاير الفنية والحسن، ومما يجعل الكلام أحظى بالقبول وأبعد من الاضطراب والخلل.

 ومن أبرز نقاد العرب في هذا المجال ابن طباطبا الذي ربط الحسن بالوسطية والاعتدال، فقال: "علة كلّ حسن وقبول الاعتدال، كما أن علة كل قبيح منفي الاضطراب.."([1])

 بل إن تعريف الجمال نفسه عند اللغويين قائم على وسطيةٍ تجمع بين حسن الظاهر وحسن الباطن، أي بين الخَلقِ والخُلق.

 يقول الزبيدي في تاج العروس: "الجمال: الحسن، يكون في الخَلق والخُلق..([2])"

 وفي اللسان: قال ابن سيده: الجمال: مصدر الجميل. والجمال هو الحسن يكون في الفعل والخَلق.([3])"

 وقال ابن الأثير: " والجمال يقع في الصور والمعاني..([4])"

 ويدخل في هذه الوسطية رؤية النقاد جمالَ العمل الأدبي في شكله ومضمونه.

 من ذلك مثلا قول الجاحظ: "الأسماء في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح. اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح([5])"

وكذلك قول ابن رشيق: "اللفظ جسم وروحه المعنى. وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته..([6])"

 ومن هذه الوسطية النقدية حديث النقاد عن عمود الشعر، فقد ذكر المرزوقي ستة عناصر لا يقوم الشعر العربي إلا بها، وهي عناصر استوفت مقومات هذا الفن جميعها، من غير أن تفرط بأي ركن من أركانه، أو تنحاز إلى طرف دون طرف. فالشعر الحق عند العرب: وزن، وقافية، ولفظ، ومعنى، وخيال، وعاطفة. ولكل واحدٍ من هذه الأركان معاير استحسان واستقباح.([7])"

 ومن هذه الوسطية موقف بعض النقاد من قضية "الصدق والكذب" أو قضية "الصدق والغلو"، وهو الصدق الفني المتعلّق باستعمال الخيال، فذهب بعضهم إلى أن "أعذب الشعر أصدقه"، وذهب فريق إلى أن "أعذب الشعر أكذبه".

 وقد عرض المرزوقيّ الرأيين معا، ثمّ ذكر رأيا ثالثا يتوسط بينهما، فيرى أن "أعذب الشعر أقصده"([8])

 وأشاد الجاحظ بطبقة الكتاب في عصره؛ لدرايتهم بأساليب القول، وحسن اختيارهم الألفاظ؛ فهم يختارون من الألفاظ ما كان وسطا بين الغرابة والسوقية. يقول: "ما رأيت قوما أنفذ طريقة في الأدب من هؤلاء الكتاب؛ فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعّرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا"([9])

 وإلى هذه الوسطية أشار الجرجانيّ كذلك وهو يتحدّث عمّا سمّاه السمح السهل من اللفظ، فبيّن أنه لا يعني الضعيف الركيك، ولكنه يريد الوسط، وهو عنده "ما ارتفع عن الساقط السوقيّ، وانحطّ عن البدويّ الوحشيّ"([10])

 

والخلاصة:

 

 أن "الوسطية" منهج أصيل في التصور الإسلامي، بدت واضحة في اللغة، وفي القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف، وفي أقوال الصحابة والعلماء، وفي أقوال بعض النقاد. وهي تعني جمع الحق من هنا وهناك، واستيفاء كل خير موجود في جميع العناصر. وهي عندئذ "ليست تلفيقية، أو توفيقية تكتفي بدور الوسيط، ولكنها – كما يشرحها ابن قيم الجوزية – تجري وراء الحق أين كان، ثم تجمع الحق من هنا وهناك، لتخرج في النهاية بموقف وسطي. فإذا كانت اليهودية – والمثال أورده ابن قيم الجوزية – تمثل الجلال، وإذا كانت المسيحية تمثل الجمال؛ فإن الإسلام في النهاية يجمع بينهما ليخرج بما يسميه ابن الجوزية بـ "مقام الكمال".

 ومقام الكمال هو الوسطية التي تجمع بين الفريقين في صيغة يرضى عنها الجميع ويحتكمون إليها، بحيث لو رجع إليها كل واحد منهما لوجد فيها الحقيقة التي يبتغيها..([11])

 قد تلتقي "الوسطية" أحيانا مع ما يسميه بعضهم "التوفيقية"، كأن نوفق بين ثنائيات من مثل: القديم والحديث، والعقل والعاطفة، والروح والجسد، أو العروبة والإسلام، أو ما شاكل ذلك.

 ولكن هذا لا يعني أنه يمكن دائما التوفيق بين الثنائيات، أو أن كلّ توفيقية هي وسطية.. إن هنالك ثنائيات كثيرة لا يمكن الجمع بينها، فلا يمكن الجمع بين: الحق والباطل، والإيمان والكفر، والعدل والظلم، وما شاكل ذلك، لعدم وجود خير في أحد الطرفين يضم إلى خير الطرف الثاني ليتشكل منهما طرف ثالث يجمع الخيرين معا، كما هو الشرط في الوسطية الإسلامية.

 والوسطية في الأدب، التي هي منهج الأدب الإسلاميّ، تعني عندئذ عدم التفريط بقيمة أي عنصر من عناصر العمل الأدبيّ لحساب عنصر آخر، كأن نعنى بالشكل ونهمل المضون أو العكس، أو أن نعنى بالعقل ونهمل العاطفة والخيال أو العكس، أو نعنى بالقديم ونهمل الحديث أو العكس، وما شابه ذلك ممّا وقعت فيه المذاهب الأدبية الغربية بشكل خاصّ، كما سنبيّن في هذه الدراسة.

 إن هذه الوسطية الإسلامية في الأدب تسعى عندئذ إلى استثمار الحسن الموجود في كلّ عنصر من عناصر العمل الأدبيّ، وتوظيفه في الإبداع، ليكون هذا الإبداع خيّرا إيجابيا، فيه المتعة والفائدة، والجمال والنفع، وما يخاطب العقل والحسّ والوجدان، وما يخاطب الروح والجسد، وما يخاطب بني البشر في جميع مستوياتهم.

 وإن الضابط لأي وسط يُسعى للوصول إليه هو ألا يكون عندنا – نحن المسلمين – مصادما لأي مبدأ من مبادئ عقيدتنا، أو يقدّم مجاملة لهذا الطرف أو ذاك لتحقيق مآرب من نوع ما.

 وهذه الوسطية التي ننشدها في الأدب هي سبيل مواجهة التطرف الذي قام عليه الفكر الغربيّ، كما تجلى ذلك في مذاهبه الأدبية المختلفة.

ارتباط المذاهب الأدبية بالعقائد والفلسفات:

 إن الدارس للمذاهب الأدبية الغربية يدرك أنها قد صدرت جميعا عن فلسفات وعقائد وإيديولوجيات معينة، تقدّم تصورات ورؤى عن الكون والإنسان والحياة، وتعكس واقعا معينا عاشته الحضارة الغربية، فأملى هذه التصورات.

 المذهب الأدبيّ الغربي هو ابن الحضارة التي أنتجته، إليها ينتمي، وهو يمثّلها في مراحلها المختلفة، ويمثل أزماتها ومنعطفاتها، وما يستجدّ فيها من التطوّر والتغيير، خير تمثيل.

 وإنه ليلاحظ أنه كلما كثرت القفزات في هذه الحضارة، أو تعرّضت لاهتزازات سياسية أو نفسية أو اجتماعية أو غيرها، وأنه كلما ابتعدت عن الثوابت والقطعيات، وغلب عليها الشك وانعدام اليقين؛ تعدّدت فيها الرؤى والتصوّرات، وكثرت المذاهب والتيارات، وتضاربت الفرق والاتجاهات، وضاعت الحقيقة في خضم ذلك كلّه، أو صارت رجراجة زئبقية لا يدّعي أحد أنه يستطيع الإمساك بها.

 ومع بدء عصر الحداثة في الغرب، انتشرت موجات التطرّف الفكريّ، وقويت الدعوات إلى الخروج على ما سلف، وإلى الثورة على القديم، وإلى التشكيك في الأعراف والأديان، ومضت هذه الدعوات تنزع اليقين عن كلّ شيء، وتزعزع الثقة في مصداقيته، فكان ذلك إيذانا بتبدّل كبير، وتغيّر سريع لا يكاد يُلحق في الأفكار والمعتقدات، وفي المذاهب والتيارات؛ إذ لم يعد شيء يثبت على محكّ النظر، فراحت تتوالى المذاهب والفلسفات والمناهج بسرعة جنونية، ينسف بعضها بعضا، ويلعن جديدها قديمها، وبدت هذه المذاهب كأزياء الثياب والأثاث والسيارات وغيرها.

التطرّف في المذاهب الغربية:

 ارتبطت نشأة المذاهب الأدبية الغربية بحالات نفسية معينة، وبظروف سياسية واقتصادية واجتماعية خاصّة، وعكست فلسفة واقع مرّت به الحضارة الغربية، وقد مثّل أغلبها - في معظم الأحيان – حالات من التأزم النفسيّ، وانعدام الإيمان واليقين، أو جحود أية ثوابت أو قطعيات يمكن أن يفيء إليها الإنسان؛ لتكسبه الراحة والأمان. لقد شُكّك هذا الإنسانُ في الدين، والأخلاق، والمثل والقيم الروحية جميعها، حتى بدا كالريشة في مهبّ الريح.

 وبدت المذاهب الأدبية الغربية وكأنها تنشأ ردّات أفعال على أفكار سابقة رغبة في مجرّد التغيير، بدا كل مذهب جديد وكأنه ينقض ما قبله أو يسفهه ويلغيه؛ فإذا ما كان الذي قبله في اليمين انحاز هو إلى اليسار.

 لقد كان التطرّف سمة واضحة في كل مذهب من المذاهب الغربية، وسرعان ما كان يُتبيّن عوارُه بسبب هذا التطرّف، فتظهر الحاجة إلى غيره، فيظهر مذهب جديد يكون ردّة فعل على ما سبقه، ولكنه يتسم مثله بالتطرّف والغلو.

 يقول عز الدين إسماعيل: " إن كلّ مذهب يتطرّف في اتجاهه حتى يصل إلى زمن يحسّ الناس فيه بأنه ليس كافيا للتعبير، ويمضون يبحثون عن أسلوب جديد.."([12])

 وقد شبّه العقاد – رحمه الله – ما يسمّى "المذاهب" بالأزياء والتقليعات، ونفى أن يطلق عليها اسم مذاهب أو مدارس، وقال عنها: "إن هذه الأمواج التي يلغي بعضها بعضا ليست ممّا يطلق عليه اسم الاتجاه في الأدب العربيّ، ولا في غيره من الآداب العالمية، وليست هي بالتيار الجاري في مجراه القويم.."([13]) لأن المدارس – كما يرى العقاد- تعلّم شيئا، وهذه لا تعلّم شيئا، ولا محلّ فيها للتعليم، ولأن الفنون قواعد ومقاييس، وهذه تبطل كلّ المقاييس..([14])

 الثنائيات في مذاهب الأدب الغربيّ:

 بسبب تلك الظروف والعوامل التي ذكرناها انطلق الفكر الغربيّ ومدارسه الأدبية ومناهجه النقدية من ثنائيات حادّة متصادمة لا يقبل أحدها الآخر، ولا يعترف به، ولا يحاول أن يتعايش معه، بل يعمل جاهدا على نفيه؛ وهي لذلك ثنائيات أدبية ونقدية ضدية عدائية، لا وسطية فيها ولا اعتدال، بل فيها غلو في الرأي، وتطرّف في النظر. إنها الأحادية التي طبعت – بشكل عام – المذاهب الأدبية والمناهج النقدية الغربية بطابع لا تخطئه عين الباحث المدقّق.

 وقد أشار إلى ذلك مؤسس التفكيك الشهير جاك دريدا وهو ينتقد العقل الغربيّ لقيامه على هذه الثنائيات، وإعطائها صفة القداسة، فهو - الفكر الغربيّ - قائم على ثنائية ضدّية عدائية يتأسس عليها، ولا يقوم إلا بهذه الثنائية، كثنائية العقل/ العاطفة، العقل/ الجسد، الذات / الآخر، المشافهة / الكتابة، الرجل / المرأة، وما إلى ذلك. وإن هذا الفكر دائما يمنح الامتياز والفوقية للطرف الأول، ويلقب بالدونية والثانوية على الطرف الثاني. وهذا الانحياز للأول على الثاني هو ما يسمّيه دريدا "التمركز المنطقيّ"([15])

 إن المذاهب الأدبية الغربية تقوم حقا على تلك الثنائيات المتصادمة التي لا تتفق مع الوسطية الإسلامية، ولا تقوم على القصد والاعتدال، اللذين هما من سمات أي منهج قويم.

 وإنه ليصعب في بحث كهذا الوقوف عند جميع الثنائيات التي تقتتل حولها المذاهب والمناهج الغربية، ولذا سأعرض نماذج منها للتمثيل لهذا الظاهرة البارزة، وسأبيّن وسطية المنهج الإسلاميّ من هذه الثنائيات.

1-   ثنائية العقل والعاطفة: 

تجلّت هذه الثنائية الضدّية بشكل خاصّ عند المذهبين الكلاسيكي والرومانسي، ثمّ اتسعت دائرتها، فاتخذت مناحي أكثر غلوا عند أصحاب اتجاهات أخرى.

 دعت الكلاسيكية إلى سيطرة العقل على الأدب سيطرة كاملة، وجعلت له السلطان الأكبر؛ فالحُسن ما حسّنه العقل، والقُبح ما قبّحه العقل، وهو القسط المشترك بين بني البشر جميعا؛ ولذلك يُعتمد حكمه، ويُقبل رأيه.

 وقد بلغ تعظيم الكلاسيكية العقل حدّ التقديس. يقول فليب فان تيجم: "إن العقل هو أحد المبادئ الكبرى في المذهب الكلاسيكيّ. وباسم العقل يحكم النقاد على الأدب، وتحت لوائه ينتظم دون تردّد كلّ الذين يناضلون في سبيل شعر جيّد، وهم يدّعون الحكم على العمل الفنيّ بقياسه إلى العقل فقط.."([16])

 ونُظر إلى العقل على أنه "ما يعارض الخيال، ولعبة الإلهام الحرّة"([17])، ومن ثمّ راح هذا العقل الكلاسيكيّ "يكبح الغرائز والعواطف، ويسيطر عليها، بإدراك خفاياها. وبدا الأدب الذي أنتجه هذا العقل شحيحًا في إظهار هذه العواطف، أو التحدّث عنها؛ لأن ذلك- في نظرهم – يثلم هيبة العقل، ويقدح في وقاره.

 وصحيح أن العقل الذي صدرت عنه الكلاسيكية "ليس ذلك التفكير البارد الذي لا يمكن أن يدخل في الأدب، وإنما هو عقل حار"([18]) إلا أن الكلاسيكية قد أسرفت في تقدير دور العقل في الأدب على حساب العناصر الأخرى الهامّة فيه، كالخيال، والعاطفة، وذاتية الفرد. وجعلت المشاعر خاضعة كلّ الخضوع للعقل.([19])

 وقد حملتهم هذه المبالغة في تقدير دور العقل على المبالغة في تقديس الأعراف والتقاليد، والحذر من الجديد، ومن الخروج على المألوف، وعلى تعظيم التراث القديم، وعدّه النموذج الأمثل الذي لا يجوز الخروج عليه إلا خروجًا جزئيًّا في أحسن الحالات، حفاظاً على استقرار المجتمع وثباته.

 وقاد هذا الاهتمام المبالغ فيه لدور العقل كذلك إلى الاعتداد بالصنعة والتنميق، والصرامة في مراعاة القواعد الفنية المتوارثة، على حساب الإلهام والإبداع والملكة الفردية المبدعة.

 كما قادهم ذلك إلى الاهتمام بالإنسان النمط، أي الإنسان النموذج، الذي يمثّل الإنسان في كلّ زمان ومكان، ممّا عنى إهمال الإنسان الفرد المتميّز بخصوصيته وملامحه الذاتية.

 إن الأدب الكلاسيكيّ يقدّم شخصيات ونماذج بشرية عامّة لا فرادة لها، ولذلك اتهم بإهماله المشاعر الفردية، والأزياء المحلية، والملامح القومية.

 وكان لا بدّ للرومانسية الثائرة على كلّ ما قال به الكلاسيكيون أن تنقض ذلك كلّه، وأن ترى فيه ترهات لا يمكن أن تُقبل، وإنْ من باب المماحكة على الأقل.

 إن الرومانسية - التي أفرزتها ظروف سياسية، واجتماعية، ونفسية مختلفة – والتي هي ثورة على الكلاسيكية، حتى صارت كلمة "رومانتيك" تعني كلّ ما هو مقابل لكلمة "كلاسيك"([20]) قد قابلت غلو الكلاسيكية في تقدير دور العقل في العمل الأدبيّ بغلو مماثل أو أشدّ في تقدير دور العاطفة والخيال؛ إذ كانت حركتها ردّة فعل. ومن سمات ردود الأفعال في العادة أن تتسم بالغلو والمبالغة.

 وكما قيل عن الأدب الكلاسيكيّ: إنه أدب العقل؛ قيل عن الرومانسية: إنها أدب العاطفة والخيال والتحرّر الوجدانيّ.

 وفي حين كبح الكلاسيكيون - بسبب عقلانيتهم – سلطان الغرائز، ووقفوا في وجهها؛ راحت الرومانسية "تطلق العنان للعاطفة، بل تزيدها تأججا؛ حتى لنراها تجترّ الآلام، وتتغنى بها، وترى فيها عظمة الإنسان، وموضع نبله.."([21])

 وبقدر ما كان إظهار العواطف عيبا وعلامة ضعف في الأدب الكلاسيكيّ، ولا ينبغي للبطل أن يظهرها بشكل صريح، وإذا أخرجها فكان عليه أن يهذّبها ويصفيها حتى تخرج منطقية هادئة غير مشبوبة..([22])؛ أصبح الأمر نقيضا عند الرومانسية، فقد نادت بتحطيم سلطان العقل، وتحكيم العاطفة، وإطلاق العنان للخيال الجامح المتوثب، وقالت: "إن العقل - إن كان شرح العالم الماديّ- فإنه لا يستطيع النفاذ إلى ما وراء المادة، بل ذلك منوط بالتجربة الفردية، والشعور الداخليّ أو الحدس. والخيال هبة كبرى، وهو المورد العذب لطاقة الروح، وهو سماويّ، فعالم الخيال هو عالم الخلود، وعالم الخيال دائم غير محدود، أما عالم التوالد والنمو فمحدود آنيّ.."([23])

 وقد فُتح الباب في هذا الأدب على مصراعيه أمام المشاعر الفردية الجامحة، وأدب البوح الصريح، والاعترافات التي لا تبقي على ستر، ولا تتحرّج من إظهار أي عورة أو غريزة. وسكبت العواطف – بأشكالها كافة – في هذا الأدب بلا حساب، ولا احتشام، ولا تحفّظ.

 وشاع في أدبهم ما عرف بـ "مرض العصر"، وأطلق على تلك الحالة من الشقاء الذي يولد لدى الإنسان نتيجة عجزه عن تحقيق ما يريد بسب طاقاته القاصرة وإمكاناته المحدودة..([24]).

 وحملهم الإحساس بالعجز على العزلة والهروب من مواجهة الواقع. يقول أحد الدارسين عن مدرسة "أبولو" ذات الطابع الرومانسيّ: "طابع الهروب فيها يمثّل محورًا عامّا، يتمثّل أكثر ما يتمثّل في عدم التكيف الاجتماعيّ والنفسيّ. ولعلّ أهم تلك الأساليب التي واجهوا بها مجتمعهم: الهروب إلى الطبيعة، والحبّ، والموت، والتشرّد الدائم، والتجوال الهائم، والألم الحادّ اليائس الساخط، والعزلة في عالم التصوّف، أو عالم الفكر والتأمل، أو عالم الشعر المثاليّ.."([25])

وإذا كان المذهب الكلاسيكيّ - الذي سيطر عليه العقل - قد لجم العواطف الفردية، حتى لم نعد "نرى شخصية الأديب؛ لأنها تمتزج بنتاجه، وهو لا يرينا موقفه من الموضوع، أو كفاحه العاطفيّ؛ فإن الرومانسيّ – على النقيض من هذا – يطلّ عليك خلال تعبيره، ويتوخّى أن يأتيك بآرائه وشخصيته وآلامه وآماله ومثله.."([26])

 وإن المذهب الرومانسي الذي شجع الفردية، وسفح العواطف بلا اعتدال ولا اتزان؛ قد فتح المجال أمام التضخّم الذاتي، والغرور الفردي، والنرجسية؛ حتى حسب هؤلاء القوم أنهم – عن طريق الخيال، والتأمل الشعري – يمكنهم معرفة أسرار الكون، والوصول إلى الحقيقة المطلقة.

 وخلاصة القول: إن العقل والعاطفة، والعقل والخيال، في حالة صراع عند أصحاب هذين المذهبين، وهما على طرفيْ نقيض، وكأنهما لا يمكن أن يلتقيا أبدا، أو أن يقوم بينهما وفاق، وكأن كلًّا منهما لا يعرف حدوده التي ينبغي أن يتوقف عندها، وكأن كلًّا منهما يدّعي أنه وحده الذي يمتلك الحقيقة كلّها.

العقل والعاطفة في التصوّر الإسلاميّ:

إن منهج الأدب الإسلاميّ يقوم على الوسطية والاعتدال؛ فلا إفراط فيه ولا تفريط. إنه يضع كل عنصر من عناصر العمل الأدبيّ في موضعه المناسب، ويعطيه حقّه.

 والعمل الأدبيّ المتميّز بقوم على عقل وعاطفة، وينبغي أن يقوم بينهما توازن لإنتاج عمل أدبيّ رفيع، فلا يجوز أن يغرق العمل الأدبيّ في العقلانية، والأفكار الفلسفية الغامضة، ولا أن يشطح في الخيال، ويجمح في العاطفة.

 والفنان الحقيقيّ "هو الذي يخلق لنفسه فعلا ولغيره بالقوة تجربة تأملية موحدة ذات طابع يتميّز بدرجة كبيرة من الموضوعية."([27])

 إن الموقف الأدبيّ السليم الذي يتبناه المنهج الإسلاميّ لا يميل إلى العقل ميلًا تامًّا – كما هو الحال عند الكلاسيكيين – فيصاب العمل الأدبيّ بالجفاف والخشونة، ويغلب عليه التجريد أكثر من التجسيم.

 وقد نفرت طائفة من النقاد العرب من إدخال الفلسفة والمنطق في الشعر، أو من استعمال مصطلحات علم الكلام، أو من حشو القصيدة بالحكم والأمثال، واستحسنوا أن تكون متفرّقة، لا تثقل القصيدة، ولا تطغى فيها. ولكثرة ما ورد في شعر أمثال أبي تمام والمتنبي من التفلسف والحكم والأمثال قالوا: "إن أبا تمام والمتنبي حكيمان"، وقالوا عن البحتريّ الذي لم يكن يبالغ في ذلك مبالغتهما: "الشاعر البحتريّ"، وكان البحتريّ يقول:

 كلفتمونا حدود منطقكم             والشعر يغني عن صدقه كذبُهْ

 إن العمل الأدبيّ ليس عملا منطقيا عقليا، ولكنه عمل منغمس بعاطفة الأديب، يمثّل ذاتيته ورؤيته الفردية الخاصّة للأشياء. إنه تجربة شعورية تتعلق بالروح والإحساس والوجدان، لا تخضع لقوانين العلم والمنطق والعقل خضوعا تامّا، وإن كانت لاتتمرد عليها، بحيث تبدو مجافية لها كلّ المجافاة.

 إن عنصر العاطفة شديد الحضور في الأدب، والعاطفة عنصر هامّ من عناصر العمل الفنيّ مهما كان نوعه. ومن هنا تكمن حميمية الأدب ودفئه، ومن هنا كذلك يبدو جانبه الإنساني الذي تشكلّه العاطفة التي هي حظ مشترك بين بني البشر جميعا.

 ولكن هذه العاطفة – على أهميتها- لا ينبغي أن يُبالغ فيها، وأن تنطلق في العمل الأدبي جامحة نزقة، تلغي العقل، أو تتنكر له، أو تقف منه موقف العداء، فيتحوّل العمل الأدبيّ إلى معرض للنزوات الطائشة، والانفعالات الجامحة، والعواطف الهائجة المتدفقة التي لا يضبطها عقل، ولا تحتكم إلى منطق أو عرف.

 إن العقل يحفظ العمل الأدبيّ من الاضطراب والتشوش، ويهيئ له عنصر الإقناع والوضوح، وعنصر الانضباط والتوازن.

 والعاطفة – كما ذكرنا – عنصر رئيس من عناصر العمل الأدبيّ؛ فالأدب تعبير فني عن تجربة شعورية شخصية. بالعاطفة ينبض الأدب بالحياة، ويتدفق بالحرارة والحميمية، ويصل إلى المتلقي نفّاذا مؤثرًا.

 لقد كانت الرومانسية في جموحها إلى العاطفة والخيال، وإلى الفردية والنرجسية، صرخة احتجاج على قهر الذاتية الذي مارسه الإقطاع، ومجتمع الأسياد والعبيد الذي وجدت في ظلّه الكلاسيكية. إن المذهب الرومانسيّ نشاْ في ظل الثورة الفرنسية، وما نادت به من مبادئ الديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وبتأثير فلاسفة ومفكرين دعوا إلى حرية الإنسان، وعظموا الفرد، وعدّوه مصدر القيم، ومحور الكون، وفي ظلّ الدعوات القومية، والاهتمام بالجوانب الوطنية والمحلية للشعوب. وهي عوامل ساعدت جميعها على تضخم الذات الفردية، وأتاحت لها الفرصة لتعبّر عن عواطفها الكظيمة، فنشأ ذلك الصراع الحادّ بين ماض كان يقهر الذات، ويكبت مشاعرها، وحاضر يفتح لها الأبواب على مصاريعها، لتسفح هذا العواطف بلا حساب.

 نشأ هذا الصراع بين العقل والعاطفة، وبين العقل والخيال، وهو صراع وهميّ مصطنع، لا حقيقة له في التصوّر الإسلاميّ؛ إذ إن كلا منهما يخضع لقوة أكبر هي الدين، وهو الذي يحدّد لكل منهما آفاقه وسلطانه، وهو الذي يقيم بينهما التوازن والتواؤم، فلا يطغى أحدهما على الآخر، أو يلغيه، أو يتنكر له.

 إن الأدب الإسلاميّ لا يتنكر للمواجد والأشواق والعواطف، ولا يقف ضدها، ولكنه يدعو إلى ضبطها وحمايتها بسياج من الدين والأخلاق، لتبقى إيجابية فعّالة خيّرة.

 روي أن سيّدنا عمر بن الخطاب – رضي اللّه عنه – خرج ذات يوم يطوف بالمدينة لتفقد أحوال الناس كعادته "فمرّ بامرأة مغلقة عليها بابها، وهي تقول:

 تطاول هذا الليلُ تسري كواكبُه            وأرقني ألا ضجيعَ ألاعبُهْ

 فواللهِ لولا اللهُ لا شيءَ غيرُه               لحرّك من هذا السرير جوانبُهْ

 وبتّ ألاهي غير بدعٍ ملعّنٍ               لطيف الحشا لا يجتويه مصاحبُهْ

 يلاعبني طورًا وطورًا كأنما                بدا قمرٌ في ظلمة الليل حاجبُهْ

 ولكنني أخشى رقيبا موكّلا                بأنفسنا لا يفتر الدهرَ كاتبُهْ

 ثمّ تنفست الصعداء، وقالت: لهان على ابن الخطّاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي عني، وقلّة نفقتي!. فقال لها عمر: يرحمك الله. فلما أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة، وكتب إلى عامله يسرّح إليها زوجها."([28])

 لقد استجاب عمر – رضي الله عنه – لنداء قلب المرأة المشتاقة إلى زوجها، فسرّحه من الجيش، وبعث به إليها. وقد حمله هذا البوح العاطفيّ الذي هزّ مشاعره أن يسأل ابنته حفصة - رضي الله عنها: كم تصبر المرأة عن الرجل؟ فقالت: ستة أشهر، فقال: لا جرم، لا أجمّر([29]) رجلا أكثر من ستة أشهر.

 وتغنى فقهاء وعلماء وصلحاء زاهدون بعواطفهم ومشاعرهم بقصد واعتدال، وتغزّلوا بعفة وحياء. روي أن عروة بن أذينة كان – على زهده وورعه وكثرة علمه وفقهه – رقيق الغزل كثيره، وهو القائل:

 إذا وجدتُ أوار الحب في كبدي           أقبلتُ نحو سقاء القوم أبترد

 هبني بردتُ ببرد الماء ظاهره             فمن لنار على الأحشاء تتقد؟([30])

 وكان أبو السائب المخزوميّ، وهو – رجل صالح زاهد متنفّل، يصوم الدهر- أرقَّ خلق الله، وأشدّهم غزلا..([31])

 بل إن فقهاء كبارا مشهورين من أمثال ابن حزم وابن قيّم الجوزية وضعوا كتبا تتحدُث عن الحبّ والعشق وضروبهما وأنواعهما.

 تحدّث ابن القيّم في كتابه "الداء والدواء" فيما يزيد على مئة صحيفة عن الحبّ ودواعيه وأسبابه، وعن مراتبه وأنواعه، وعن المحمود منه والمذموم. كما تحدّث عن العشق وضروبه ومفاسده ومنافعه، وعن مقامات العاشق، وأقسام الناس في العشق، واستشهد على ذلك بكثير من الأشعار والأقوال. وكان ضابطه في هذا الحديث العاطفيّ الاحتكام إلى قواعد الشرع..([32])

 لا يتنكر الأدب الإسلاميّ إذن للعواطف والأحاسيس النبيلة الخيرة، ولكنه يحوطها بسور من الدين والأخلاق، حتى لا تجمح وتطغى خارجة على العقيدة والعقل والمنطق.

 كما أن الأدب الإسلاميّ لا يتنكر للخيال، ولا يقلل من شأنه؛ فهو أحد عناصر الأدب التي لا يقوم إلا بها؛ إذ الأدب – في جوهره – عمل تخييليّ. وجميع أجناس الأدب محتاجة إلى الخيال؛ إذ هو الملكة التي تستطيع أن تقدّم المعاني في صورة شائقة مبتكرة. وهو رديف العاطفة، وعون لها على التحقّق. ومن وظائفه الكثيرة استنفادها، والتعبير عنها.

 وقد ألحّ الجاحظ على هذا الجانب التخييليّ، ولا سيما في الشعر، فقال: "إنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير"([33])

 وعرّف ابن سينا الشعر، فقال: "الشعر كلام مخيّل، مؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفّاة"([34])

 ولكن الخيال هو ذلك الشيء الممكن الوقوع، إنه واقع متخيّل، إنه ليس ضد العقل وقوانينه وأحكامه، أو ضدّ المنطق ومقتضياته، أو خارجا على نواميس الطبيعة والكون. الخيال ليس ضربا من الكذب أو الوهم. ولا ينبغي كما - أرادته الرومانسية الثائرة- أن يكون منفلتا خارج الزمان والمكان.([35])

 وقد ميّز النقاد بينه وبين الوهم، من حيث إن الوهم ضرب من الخيال يشبه حلم النائم؛ فهو لا يخضع للعقل، ولا يرتبط بقوانين المنطق، بل يمتاز بحريته المطلقة في العمل لعدم خضوعه للقوة العاقلة. أما الخيال فهو منضبط محكم، لا يسبح في الفضاء متحرّرا من العقل أو المنطق، وهو – من ثم – قوة إيجابية بانية، أما الوهم فهو سلبي، يغترّ بمظاهر الصور، وبسخّرها لمشاعر فردية عرضية.([36])

 وإذا انطلق خيال الأديب من غير ضابط من العقل الشرعيّ الذي أسسه الدين؛ كان ما يفعله هيمانا، وكان صاحبه داخلا ضمن طائفة الشعراء الذين وصفهم القرآن الكريم بقوله: (في كلّ واد يهيمون).

 وقد نفرت طائفة غير قليلة من النقاد العرب من هذا الخيال الجامح الذي يقود إلى المبالغة والغلو في القول، ويخرج إلى الكذب واللامعقول. ولكن لمّا كانت طبيعة الشعر – بشكل خاص- تقوم على التخييل، أو ما أطلق عليه أحيانا "الكذب الفني"؛ فإنهم فرقوا بين تخييل مقبول لا يتنافى مع العقل والواقع، ولا يخرج على قوانينهما، وبين تخييل يرفضه العقل والواقع. فقبلت طائفة منهم من المبالغة ما سمّوه: التبليغ، والإغراق. فأما التبليغ فهو مبالغة، ولكنها غير ممتنعة في حكم العقل ولا العادة. وأما الإغراق فهو أكثر من الأول؛ إنه مبالغة غير جارية في العادة، ولكن العقل لا يمنع من جريانها من قوم في زمن ما أو مكان ما. ولكن المرفوض القبيح هو النوع الثالث من المبالغة الذي سمّوه: الإغراق، وهو ما يمتنع حدوثه عادة وعقلا. كقول أبي نواس مثلا:

 وأخفتَ أهل الشرك حتى إنه               لتخافُك النُّطفُ التي لم تخلقِ([37])

 إن الأدب الإسلاميّ إذن لا يتنكر للخيال، هذا العنصر الفنيّ الذي لا يقوم عمل أدبيّ من دونه، وهو بستثمر طاقاته العظيمة في الإبداع، كي يكون هذا الإبداع مؤثرا فعّالا، وهو لا يجعل العقل يسيطر عليه سيطرة تامّة؛ لأن الأدب عمل تخييليّ، ولكن الأدب الإسلاميّ – في الوقت ذاته- لا يدع هذا الخيال ينطلق من غير أي ضابط له من عقل أو منطق، وإلا تحوّل إلى ضرب من الوهم، والانفعالات الجامحة، والنزوات الطائشة.

 

 



 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب