أحمد بسيوني والمسرحية الإسلامية
كتب  د. سعد أبو الرضا ▪ بتاريخ 31/07/2019 15:27 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

أحمد بسيوني فنان متعدد المواهب، له عدة مسرحيات متعددة الفصول، وعدة مسرحيات من فصل واحد، وعدة روايات، وعدة دواوين شعرية. ويهيمن على إنتاجه التوجيه الإسلامي، وقد سبق أن قمت بتحليل ثلاثة مسرحيات له في كتابي الأدب الإسلامي والمسرح الذي نشرته مكتبة الرسالة في بنها 1433هـ، 2012م، وهذه المسرحيات هي:

1- النبوءة.

2- لؤلؤة الشروق.

3- عاشق في غير زمن العشق.

ويتواصل إنتاجه المسرحي والعمل الذي نتناوله هنا مجموعته المسرحية ذات الفصل الواحد وعنوانها: رياح الشقاق على جزيرة العشاق الذي نشرته مكتبة الآداب، القاهرة 2014م.

وهو يتألف من ثماني مسرحيات، اعتمد كاتبها على الرمز والعَلَمية فيما يتعلق بأسماء الأماكن والشخصيات، فالمكان هو "جزيرة العشاق"، التي تتألف من عدة إمارات، أكبرها إمارة "غرامستان" وعاصمتها "بحر الهوى"، التي يسكنها العشاق والمحبون، وقد تنشأ بينهم منازعات، من ثم تعرض على المحكمة الخاصة بهذه الإمارة وهي "محكمة الوفاق العاطفي"، التي يتألف مجلس القضاء فيها من: قاض رجل، وقاضية امرأة، ومراقب لمتابعة المحاكمات وما فيها من حوار، من ثم يبدي الملاحظات، بالإضافة إلى أمين سر المحكمة(1).

ولعلنا نلاحظ في أسماء الأماكان وكما سيكون في الشخصيات أيضاً هيمنة المشاعر والوجدانيات والحب بإرهاصاته ونتائجه على حركة الشخوص والأحداث(2)، برغم مثاليتها التي تتمثل في وحدة المكان، ووحدة المشاعر التي تنبض بها جزيرة العشاق ودستورها في الحب، والكاتب يوظف الشعر الحر في صياغة مسرحياته، ليقدم معالجة إنسانية درامية، لمشكلات اجتماعية، بعضها لقطاع مهم من الشباب، وهم طلاب وطالبات الجامعة، مثل المسرحية الأولى في هذه المجموعة وعنوانها: "اغتال در نفائسي"(3)، والمسرحية قبل الأخيرة، وعنوانها "في مرمى العيون الساخرة"(4)، وإذا كانت أولاهما تناقش العلاقة المنفتحة بين الطالب والطالبة، التي تتجاوز الأصول والأعراف والدين، فإن ثانيتهما، تعرض لما بين الطالب والطالبة من اتفاق على الزواج من ثم تكون "الخطوبة" التي سريعاً ما تنفك لتطلع أحدهما لغير الآخر، وما يثيره هذا الموقف من حرج ومشكلات، وبعض هذه المسرحيات يتعرض لمشكلات الأزواج والقوانين التي تتناول حياتهم، كوجود العصمة بيد الزوجة، مثل "طلقتني عنوة"(5)، وعمل  الزوجة ومن ثم إهمالها لشئون بيتها وأولادها، كما في مسرحيته "ذاك حق زهورنا"(6) و"الخلع" كما في مسرحيته الرابعة "لن أواصل رحلتي"(7)، كما أن هناك مسرحية تعالج ما يقع بين الزوجين من سوء ظن واتهام بالخيانة، خاصة عندما يتهامس الآخرون بهذا الظن السيء، مثل مسرحيته : "من همس النساء"(8).

وثمة مسرحية أخرى تتناول الثقة بين الزوجين خاصة عن ما يوكّل الزوج زوجته في توكيل عام لتتصرف كما تشاء فيما يملك نتيجة لانشغاله أو مرضه، مثل مسرحية: "قصر نظر"(9) كما أن هناك مسرحية تناقش قوامة الرجل على المرأة، وهي المسرحية الأخيرة في هذه المجموعة، وهي قضية تثار في كثير من المجتمعات المسلمة، وهكذا يحاول أحمد بسيوني مناقشة هذه القضايا الحساسة المثيرة.

لكن هل تنجح المسرحية في مناقشة هذه القضايا الاجتماعية الإنسانية، وتحقق هدف معالجتها في ترشيد المجتمع وهداية المتلقين؟

وما أكثر الفلاسفة وكبار الأدباء الذين يبغون ترشيد المجتمع ومعالجة قضاياه، وقد نشروا مذاهبهم الفلسفية وفكرهم عن طريق المسرح: سارتر في مسرحيته "الذباب"، وبريخت في "دائرة الطباشير القوقازية"، وهنرك إيبسن في "بيت الدمية"، وتشيكوف في "الشقيقات الثلاث"، لكن أحمد بسيوني الأديب المسلم أراد أن يفيد من مبادئ وقيم الإسلام أولاً ومن جهود هؤلاء الفلاسفة والكتاب الذين قرأ لهم ولغيرهم، ليسهم في ترشيد المجتمع وخدمة قضاياه ويثري فكر المتلقين ويمتعهم.

 

وكنت قد طلبت من الأستاذ أحمد بسيوني سابقاً أن يهتم بمناهج كتابة المسرحية عند هؤلاء الفلاسفة والكتاب، ولكنه ما يزال يؤثر المنهج الأرسطي، برغم ما يملأ الحياة من متغيرات فنية في هذا المجال، وحبذا لو اتصل بها واستوعبتها كتاباته المسرحية حتى يحقق لنا ما نرجوه منه وما هو مؤهل له من إبداع.

ونظراً لأهمية دور الشباب في حياة المجتمعات، فسأعرض للمسرحيتين الأولى، وما قبل الأخيرة، لتناولهما  قضايا أساسية في حياة الشباب، وهاتان المسرحيتان برغم استقلالهما فنياً، فهما يمكن أن يتكاملا إنسانياً ومعرفياً، لاختصاصهما بما يقوم بين الشاب والفتاة من علاقات إنسانية، قد توجدها زمالة العلم في الجامعة، وما قد يترتب على ذلك من صلات واتصالات، قد تؤدي إلى الزواج إن استقامت على طريق الشرع والاعتداد بالتقاليد والأعراف السوية، وقد تنحرف عن ذلك فيكون ما لا تحمد عقباه، وإذا كان بلزاك الفيلسوف والناقد الفرنسي قد كان حريصاً على تشريح المجتمع بغية ترشيده واستقامته، وبناء الحياة بناء يدعم الإنسانية وتقدمها، فهناك من انحرف بهذه العلاقة، وأتصور أن أحمد بسيوني أراد أن يساهم في تحرير هذه العلاقة الإنسانية بين طلاب الجامعة وطالباتها ليأخذ بها نحو الخير والحق وبناء المجتمعات السوية بدعم قيم الإسلام ومبادئه.

المسرحية الأولى: "اغتال در نفائسي"

وهي القضية التي تقدمت بها طالبة جامعية ضد زميلها في كلية "العشق المعاصر"، فرع جامعة "الوداد العاطفي"، وقد اعتدى عليها في غمرة فيض المشاعر بين شاب وفتاة، وقد خرجا بذلك على الشرع، وعلى كل الأصول والأعراف، لكن الكاتب يصورها في شعره وقد تعفف في صياغته كل التعفف، وهو يناقش هذا الموقف في "محكمة الوفاق العاطفي" الخاصة بـ"جزيرة العشاق" ذات المبادئ السوية في تقرير شريعة الحب الطاهر العفيف القرين بالزواج الشرعي، وتأمل بقية معالم هذه القضية، في الحوار الذي يجسد وحدة الحدث والمكان والزمان، وما يدور من انفعالات في نفوس شخوص هذه المسرحية التي أحسن الكاتب اختيار هذه المعالم وتوظيفها، وقد اتخذ من ساحة هذه المحكمة سبيله لإحكام هذا الحوار: قاضٍ يسأل ومعتَدى عليه يوجه التهمة ضد خصمه، الذي يحاول دفع هذه التهمة عن نفسه، وقاضية تؤازر القاضي في إدارة الحوار، ومراقب يراقب الادعاء والدفاع المتمثل في محاميين عن الخصمين، فقد يعينا القاضي والقاضية، ثم أمين المحكمة الذي يرصد كل ذلك.

"هدير السنا" المدَّعية، و"رهان الحظ" الخصم المتهم المدّعَى عليه، وهما من "كلية العشق المعاصر" وكل ذلك أمام "محكمة الوفاق العاطفي"، فهل أراد الكاتب توظيف العلمية في الشخوص والمكان إدانة هذا السلوك المنحرف خاصةً وهو ينسبه إلى المعاصرة، وكأنه وهو يجعل المدَّعية والمدَّعي عليه من كلية "العشق المعاصر" يدين هذه السلوكيات التي ربما تكون بعض متغيرات الحياة اليوم قد ساعدت عليها، من ثم فهو يحذر منها، ترشيداً للمجتمع وحثاً للمتلقي على إعادة النظر في هذا السلوك الشائن.

"يسأل القاضي المدعية" : يا هدير وضحي للمحكمة أي الجواهر تقصدين؟

وهنا نجد المؤلف يفتتح المسرحية بعقدتها مباشرة والأزمة قريبة من نهايتها، وبعفة ظاهرة أرادها الكاتب، دون أن يتجاوز الجُرم، كما يتحرى التقاليد المرعية في مثل هذه المواقف المنحرفة، وباحتشام قدر الإمكان، إذ تقول المدَّعية، مجيبة على سؤال القاضي عن قضيتها.

"هدير السنا: "اغتالني يا سيدي وبخدعته

إذ كنت عذراء إلى وقت قريب

ثم صيرني امرأة

ورماني في عرض الطريق مضيعة"(10)

وتأمل أيضاً فيما سبق إيقاع الأسطر الشعرية بمفرداتها المختارة التي تجسد الحدث وإيقاعه للتأثير به في المتلقي.

ويتواصل الحوار في ساحة المحكمة وتحت مرأى ومسمع من القاضي والقاضية والمراقب وأمين المحكمة، لتتجلى بالتدريج والتتابع وقائع هذا الاعتداء ودون أن يخرج الحوار عن الذوق واللياقة والعفة، لكنه يكشف الجريمة التي تشكل "حدث المسرحية".

- "القاضي (يهز رأسه) قائلاً: قد فهمت.

- القاضية: لكن فقولي يا هدير:

كيف سلمت الجواهر عن رضا

للمغتصب

- هدير السنا (تبكي وتتكلم في حرج)

إني غلبت

وكان ضعفي آفتي في محنتي

- محامية الفتاة: (تستأذن المحكمة في الحديث فيؤذن لها)..

  بعد إذن المحكمة..

- يا سيدي..

في لحظة قد غاب فيها الوعي..

ضيعها الفتى عمداً..

ولم يرحم هناك ضحيته..

والآن يأبى أن يقر ويعترف بجريمته".(11)

وهكذا يتواصل الحوار بين هيئة المحكمة، والدفاع، والخصمين، لتجسيد جسم الحدث في نمو، وبلغة ممتعة، وبتشويق يستثير المتلقي لإعادة النظر في أنواع السلوكيات المعاصرة المنحرفة التي تتجاوز الشرع والأصول والأعراف، خاصةً في بعض البيئات الجامعية اليوم، وذلك للتخلص منها.

وخلال ذلك يتصاعد الحدث مؤذنا بنهايته، خلال حوار يصور خداع المعتَدي وسلبية المعتَدَى عليها، واستجابتها لإغراءات المعتدي.

وإذا كان القاضي قد حملها أيضاً مسئولية هذه الجريمة، كما قال لها المراقب:

"يا هدير: أنت السبب..

فرطت فيما تملكين برغبتك، وأنا أرى أن المفرط في الجريمة..

ضالع كالمعتدي"(12).

ولقد حاولت هدير السنا تسويغ موقفها قائلة: "قد كنت أعشق لحنه..

تغريده في كل يوم

في الغدو وفي الرواح

بلا ملل"،

فتقول القاضية: (هازئة بكلامها):

"حتى فقدت إرادتك..

وتحولت عذريتك..

مسخ امرأة".(13)

فإذا ما بكت هدير، فإن القاضي يبين لها أنا قد سلمت كنزها بإرادتها، وهي تحاول تبرئة ساحتها بالإشارة إلى مخادعاته لها، بمتابعتها في كل مكان، ومجالستها كي يثير مشاعرها بلغة الثعالب والهوى.

وبرغم أن القاضي والقاضية يكشفان أخطاءها في عدم صده عنها، بينما هي تواصل كشف مراوغاته وخداعه وغشه، خاصةً عندما حسبته فارسها المقدام، بينما الأخريات تتنافسن في إرضائه، والتقرب إليه، بل إنها عندما حاولت الفرار والهروب، لكنه كان قد أحكم إغلاق باب الغرفة، فكانت الجريمة.

وبرغم اعترافه بالزواج منها كتابةً، لكنه قد سلب منها هذه الورقة، وبذلك فقد وقف مدافعاً عن موقفه باتهام ضحيته ببطلان ادعائها، وكذبها وأنها لا تملك ضده أي دليل أو شهود، وأنها هي التي أغرته كغيرها من الزميلات اللائي كان يقطع الوقت معهن في البوفيه، ودهاليز الطرق.

ولقد كشفت المسرحية أن رهان الحظ قد قضى سبع سنوات في كليته حتى وصل إلى الفرقة الرابعة، ومن ثم فقد قدمت المسرحية صورة دقيقة لعبثه، وأنه لم يكن جاداً في دراسته، فلم يعبأ بالليسانس، فذلك لا فائدة منه في نظره سوى أنه سيزيد عدد العاطلين.

وبرغم أنه يعترف بالورقة التي كتبها، لكنه سريعاً ما ينفيها، مما جعل محامية هدير السنا تتلقف هذا الاعتراف، وقد طلب منه القاضي الإقرار بذلك، حتى يزوجهما شرعاً، وينهي المسألة، وهكذا يدخل الخصمان أمام القاضي والقاضية في تبادل ادعاء كل منهما أنه أغرى الآخر، وخدعه، ومن ثم تُبرز هدير السنا موقفاً اجتماعياً يتصل بموقف المرأة الضحية في مثل هذه المواقف قائلة: (إني أنا المجني عليها

والمدانة دائماً في المجتمع)(14)

الإحساس التراجيدي:

ويقترن بهذا العرض ما يثيره من إحساس تراجيدي بأزمة هذه الفتاة التي ضيعها العبث والاستهتار، والبعد عن التعقل والتفكير السوي في مثل هذه الأمور، والبعد عن الدين، مما يجعل المتلقي يمكن أن يشارك في التفكير في الحل ومواجهة هذا السلوك غير السوي.

وكأني بالكاتب يبرز بهذه المسرحية ومناقشة جوانب علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع، أن يعيد المجتمع النظر في مثل هذه المواقف، لترشيد السلوك الإنساني في هذه القضية، وإثارة كيفية مواجهتها، من ثم فإن القاضي عندما خلت القضية من الدليل، أو الشهود أو الاعتراف، قد أجل جلسة الدعوى - بعد أن تناقشت هيئة المحكمة - ثلاثة أشهر، حتى تستطيع هدير المدعية أن تأتي إلى المحكمة بشاهدين على الأقل، أو نسخة فيها اعتراف من رهان الحظ. (15)

وهكذا تنتهي المسرحية نهاية مفتوحة، وهي ما يمكن أن يتناسب مع ملابسات هذه القضية منطقياً وفنياً، كما يجلي استثارة المتلقين لإعادة النظر فيما قد يحدث بجامعاتنا من علاقات بين الطلبة والطالبات بعيدة عن الشرع والأصول والأعراف السوية، كما يمكن أن يشارك المتلقي في الحل.

اعتماد الكاتب على العَلَمية:

ومن هنا يتضح أن اعتماد الكاتب على توظيف العلمية في هذه المسرحية وأمثالها كان لهدف إنساني، فالمكان "جزيرة العشاق"، وأكبر أماراتها "غرامستان"، وعاصمتها "بحر الهوى"، والمحكمة هي "محكمة الوفاق العاطفي"، والكلية هي "كلية العشق المعاصر"، فرع "جامعة الوداد العاطفي".. وكل هذا دعم للحب بين الناس، وإثراء للمشاعر الإنسانية الراقية بينهم... لكن هذا لم يجعل الحب والالتقاء الوجداني بين البشر قادراً على نقاء الحياة من المشكلات، وتحقيق الأمن والأمان واختفاء العدوان، مما يتطلب إعادة النظر فيما بين البشر من علاقات ولقاءات حتى تتحقق السعادة بينهم، وذلك مما يجعل المجموعة المسرحية لأحمد بسيوني "رياح الشقاق على جزيرة العشاق" عملاً فنياً إنسانياً، وإسهاماً حضارياً راقياً.

في مرمى العيون الساخرة:

أما المسرحية الأخرى في هذه المجموعة، وهي ما قبل الأخيرة، وعنوانها "في مرمى العيون الساخرة"، فهي تشترك مع مسرحية "اغتال در نفائسي" في: بنائها الدرامي القائم على الوحدات الثلاث، وحدة المكان، والزمان، والحدث، والإحساس التراجيدي، كما أنها تعالج جانباً من جوانب العلاقات بين الطلبة والطالبات بالجامعة، من ثم فهما تتآزران في كثير من الجوانب الإنسانية التي تثيرهما هاتان المسرحيتان، بل يمكن أن نقول إنهما يمكن أن تتكاملا، فإذا كانت مسرحية "اغتال در نفائسي" تتحدث عن العلاقة المفتوحة بين الطالب الجامعي والطالبة التي انتهت بتجاوزهما للشرع والأعراف والتقاليد، حتى وقعا في المحظور إلا بالزواج.

فإن مسرحية في "مرمى العيون الساخر"، تتناول العلاقة بين الطالب الجامعي وزميلته التي يعجب بها ثم يتقدم لخطبتها، لكن ما تلبث هذه العلاقة أن تنفك، بعد أن أعلنا الارتباط بينهما، فلا يجدان بعد ذلك إلا الحرج وسخرية الآخرين منهما، بل تشويه سمعة الفتاة(16)، وقد قدمه الكاتب بلغته التصويرية على لسان هذه الفتاة واسمها نشوى روحي إذ تقول، مجيبة على سؤال مراقب المحكمة لها: ما الذي أدى إلى هذا التجافي فجأة

هل من سبب؟(17)

"نشوى روحي: قد هزني هذا التناسي والهرب

فعلى شطوط الحب عشنا فترة وردية

تختال قصتنا بزهو في رحاب المجتمع

ولصدمتي وأنا أراه يخونني

مما يحط بقدرنا في المجتمع"(18).

وإذا كانت المسرحية السابقة "اغتال در نفائسي" قد انتهت هذه النهاية المفتوحة التي أشرت إليها سابقاً، فإن هذه المسرحية "في مرمى العيون الساخرة"، قد انتهت نهاية مغلقة بعد أن حضرت إحدى الطالبات من "كلية العشق العصري" متطوعة للشهادة، وهي يسرا الأمير، وقد تعرض لها "أكرم عصري" خصم هدير السنا، كما حاول مغازلتها، لكنها ردته برغم تولهه بها، بعد أن عرفت قصة انصرافه عن "نشوى روحي"، وخديعته لها، وانصرافه عنها، فقد توقعت منه تكرير موقفه السابق مع "هدير السنا"، وهي عزيزة النفس لا تحب أن تبني سعادتها على فشل غيرها، كما أعلنت ذلك في المحكمة(19)، مما جعل هدير أيضاً تربأ بنفسها عن الاستمرار في التعلق بـ"أكرم عصري"، متمسكة بكرامتها حتى لو جاءها يحبو، وقد أعلنت ذلك في المحكمة، برغم أنها قد تقدمت شاكية، مما جعل القاضي يؤيد موقف الفتاتين، ويواجه رفض "أكرم عصري" لقانون الجزيرة في دعم الحب، ويوصي بعقد اجتماع لنقابة العشاق لفحص كل اللوائح والنصوص الخاصة بجزيرة العشاق بغية تعديلها للمصلحة إذا رأى المجتمعون ذلك.

وكأني بالكاتب يدعو المتلقين لإعادة النظر فيما قد يتم من علاقات بين الطلبة والطالبات بجامعاتنا، وترشيدها ليحرصوا على العلم والجد في استيعابه، ويرقوا بهذه العلاقات التي قد تقوم بينهم، بعيداً عما يخالف الشرع والأعراف السوية، والتقاليد المرعية، التي تسهم في استقرار المجتمع، واستقامة العلاقات الأسرية، وتوجيهها الوجهة الصالحة لبناء الأسرة السوية نواة المجتمع الرشيد والأمة القويمة المسلمة.

لغة مسرحيات أحمد بسيوني الشعرية:

ومما يلفت النظر في لغة هذه المسرحيات حرص أحمد بسيوني الشاعر على البناء الدرامي الذي يؤثر الواقعية الفنية، فالمسرح فن، ولا يرقى بالفن إلا اللغة الجميلة التي تحقق واقعية السلوك لا حرفية اللغة، كما تثرى الفكر وتمتع الوجدان، وتعالج قضايا الإنسان، وترشيد سلوكه حيثما كان، وجمالية لغة الأدب قاسم مشترك بين معظم النقاد ولذلك نجد ت. إس. إليوت وهو يحرص على أن يستخدم الأديب اللغة العادية في حواره، لكنه يشترط أن تكون ذات مسحة جمالية، ولا ننسى أن المسرحية اليونانية منذ نشأتها كانت تستخدم الشعر لغة لها منذ أرسطو، كما أن المسرحية الشعرية بجمالياتها تؤثر في المتلقي بمستوييها الدرامي والشعري.

ولا أنسى أن أشيد بالدراسة المقارنة التي كتبها د. توفيق علي منصور وألحقت بهذه المسرحيات، وهي مقارنة بين مسرح الشاعر الإنجليزي مارلو ومسرح أحمد بسيوني، وإن كان د. توفيق أكثر وفاء لثقافته الإنجليزية.


الهوامش

1-        أحمد بسيوني: رياح الشقاق على جزيرة العشاق، مكتبة الآداب القاهرة ط 2014م.

2-        انظر السابق ص 3.

3-        انظر السابق نفسه ص 7.

4-        السابق نفسه ص 169.

5-        السابق نفسه ص 39.

6-        انظر السابق نفسه ص 76.

7-        السابق نفسه ص100.

8-        السابق نفسه ص 123.

9-        انظر السابق نفسه ص 144.

10-  السابق نفسه ص 9.

11-  السابق نفسه ص 9، 10.

12-  السابق نفسه ص 10، 11.

13-  السابق نفسه والصفحة نفسها.

14-  انظر السابق نفسه ص 34، 35.

15-  انظر السابق نفسه ص 37.

16-       السابق نفسه ص 180.

17-       السابق نفسه ص 181.

18-       السابق نفسه ص 181، ص 182.

19-       السابق نفسه ص 190.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب