صلاح الدين الأيوبي في ذاكرة الشعر الإسلامي
كتب  عبد القادر عبار ▪ بتاريخ 31/07/2019 15:10 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

الأمة الإسلامية هي أمة جهاد ومجاهدة: على مستوى النفس والميدان. وتاريخها تاريخ جهاد بما فيه من عدّة وعتاد وكرّ وفرّ ونصر وفتوحات وبطولات وملاحم ومرابطة.

وقائمة الخالدين من عظمائها وأعلامها وقادتها، تتصدّر مراتب الشرف فيها أسماء المجاهدين والشهداء ثم الذين يلونهم من العلماء والصالحين.

ومن هنا كانت أفراح النصر وأخبار الفتح وآيات البطولات الرائعة وأحاديث الملاحم النادرة وهموم الجهاد.. تشغل مساحة هائلة من ديوان الشعر الإسلامي - إلى جانب غيرها من المواضيع الاجتماعية والإنسانية والحضارية -.. ومع الاهتمام طبعا بالشخصيات التي كانت وراء تلك الانتصارات والفتوحات والبطولات التي زيّنت واجهة التاريخ.. وتركت بصمات مشرقة وشاهدة في سجلات الإصلاح والتغيير..  

فمما يلفت النظر عند دراسة التراث الشعري القيّم الذي تمخضّت عنه القريحة الإسلامية على مدى قرون من التاريخ الإسلامي، تردد بعض الأسماء الكبيرة لأقطاب العلم والتقوى وأعلام الجهاد والإصلاح: مدحا ورثاء وتمجيدا وتخليدا.. ولعل اسم صلاح الدين الأيوبي هو أكثرها ورودا خاصة في منظومات الشعر المعاصر. فلأي ميزة في شخصية هذا القائد المجاهد تنشغل ذاكرة الشعر الإسلامي بترديد اسمه وذكر أخباره وأحواله في قصائد يتغنّى بها القاصي والداني؟؟

 


 صلاح الدين... في شعر معاصريه:

 

 لعل أبسط تعريف لصلاح الدين رضي الله تعالى عنه، أو بعبارة أخرى: إن التعريف التاريخي والشعبي لصلاح الدين هو أنه بطل الحروب الصليبية.. إلا أن شخصية هذا القائد المجاهد في تقدير الشاعر هي أعمق وأبعد وأحب من أن يحصرها ويفي بحقها هذا التعريف العادي والمحدود. ومن ثم تراه يضفي عليه من جوامع الأوصاف وكبير الألقاب وبديع الكنى كل ما من شأنه أن يبرز هذا البطل الفذّ في صورة الذات المسلمة المبدعة في مواقفها، النادرة في جهادها والفريدة في أخلاقها، مما ينمّ - في نظري- عن مدى التقدير والتوقير والإعجاب الذي يكنّه الشاعر إزاء هذه الشخصية من جهة، وعن مدى التأثير العميق والجاذبيّة القوية التي يتميّز بها صلاح الدين.. من جهة أخرى.

فهذا الشاعر أبو علي الحسن الجويني يعرّفه بقوله:  

الهمام الغضفر الملك النّــ           ــاصر مولى الورى صلاح الدين

يا مليكا  أضحى  الزمان  ينا     جيه بلفظ المذلّل المسكين

يا مليكا يلقى الحروب بحول الله     مستعصما وصدق  اليقين([1])

 

وهذا الشاعر يوسف بن حسين المجاور يعرّفه قائلا:  

ملك إذا أم  الملوك  جنابه        لاذوا بأكرم من يؤم ّ وأشرف

وإذا أتوا أسرى على أبوابه        وقفوا بأعظم من يصول وأرأف

مولى غدا للدين أكرم والد        حدب  على  أبنائه  مترفرف([2])

و أما أسامة بن منقذ فيلقبه بناصر الإسلام ومظهر الإيمان([3]): 

يا ناصر الإسلام حين تخاذلت     عنه الملوك ومظهر الإيمان

 

 ولن نستنجد بالخيال لنصور المكانة العالية التي تنفرد بها شخصية صلاح الدين العظيمة في وجدان معاصريها. إذ في مصادر التاريخ الصحيحة والموثوقة ما يغني عن ذلك: إذ تنقل لنا هذه المصادر لوحات حيّة نابضة ومشاهد واقعية صريحة، تعبّر بحق وبصدق عن القيمة النفسية والبطولية التي حازتها شخصية هذا القائد الرسالي في قلوب معاصريه، وتترجم بعمق مدى الإجلال والتوقير المبصر والإكبار والإعجاب الواعي الذي يكنّه المسلمون للمجاهد الربّاني الذي ردّ النصارى على أعقابهم وأعاد- بما حقق على أرض الواقع من بطولات وانتصارات ومروءة وشهامة..- الاعتبار إلى أمة الإسلام كأمة شاهدة ذات عزّة وسلطان.. حتى أن موت صلاح الدين- في إطار هذا الإعجاب والحب والإكبار- لا يعني عند شاعر كعماد الأصفهاني، موت شخص واحد بل يعني عنده موت أمة بأكملها وسبب ذلك راجع إلى المكانة المعنوية التي كان يمثّلها هذا القائد وهو أنه كان رمز قوة هذه الأمة ورمز وحدتها، والذي حققّ لها الحياة بشكلها الإسلامي الصحيح والفاعل: حياة العزّة والوحدة والقوة والنصر:  

بالله أين النّاصر الملك الذي       لله   خالصة   صفت  نيّاته

أين الذي مازال  سلطانا  لنا      يرجى نداءه و تتّقى  سطواته

في نصرة الإسلام يسهر دائما      لتطول في روض الجنان سناته

لا تحسبوه ممات شخص واحد     فممات  كل  العالمين  مماته([4])

وفي اللوحة النابضة التي ينقلها لنا أبو شامة في الروضتين عن يوم فاجعة الأمة بموت قائدها المجاهد، دليل واضح عن علوّ المكانة وسموّ المقام الذي يتبوّؤه هذا الرجل العظيم (رضي الله عنه) في ضمير الأمة الإسلامية. يقول أبو شامة([5]): كان يوما لم يصب الإسلام والمسلمين بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين، وغشي القلع والبلاد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وتاالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداء من يعزّ عليهم بنفوسهم فكنت أحمل ذلك على ضرب من التجوّز والرخص، إلا ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدى بالنفس.. ثم يسترسل مبيّنا حالة الناس عند توديع الجثمان:.. حتى أن العاقل يتخيّل أن الدنيا كلها تصبح صوتا واحدا، وغشى الناس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة، وصلى الناس عليه أرسالا.

 

الشاعر يرثي صلاح الدين:


وإزاء هذا الموقف الجليل، ما كان للشاعر المسلم، المتميز بشفافية الحسّ ورقّة الوجدان وسرعة الـتأثر.. أن يلزم الصمت ويلوذ باللامبالاة، مع العلم وأن الموت نهاية كل حيّ ولا مفقود أعز من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن الشاعر ينبري بحساسية الشاعر الملهم والتزام الجندي المخلص ووفاء المواطن الصالح.. ليملأ أذان الدهر بقصائد تسيل رقة وشفافية وصدقا، مترجما انفعال الشعور العام الإسلامي وتأثر ضمير الأمة بموت قاهر الصليبيين وناصر الإسلام.

من للعلا من للذّرى من للهدى    يحميه من للنّاس من للنّائل؟

طلب البقاء بملكه في آجــل        إذ لم يثق بقاء ملك عاجــل

بحرّ أعاد البـرّ بحرا بــرّه      وبسيفه فتحت بلاد الساحـل([6])

 

أو بمثل:

شمل الهدى والملك عمّ شتاته     والدهر ساء وأقلعت حسناته

أين الذي من لم يـزل مخشيّة        مـرجوّة رهبـاته وهبـّاته

أين الذي كانت له طـاعـاتنا        مبذولة ولـربّه طـاعـاته([7])

 

بمثل هذه الأبيات الصارخة والصادقة بكى الشعراء قائدهم.. وقد يرى البعض أن فيها شيئا من التهويل والمبالغة.. إلا أن مكانة الرجل قلوب مواطنيه تعذر للشعراء شدة تأثرهم وعمق تحسّرهم وطول بكائهم.. وكما يقول الدكتور محمد عي الهرفي([8]): قد كانت وفاة صلاح الدين كارثة عظيمة على الأمة الإسلامية كلها، وترك خلفه فراغا هائلا يصعب ملؤه ولذا كان من الطبيعي أن يبكيه الشعراء ويحزنوا لوفاته وكان من الطبيعي أيضا أن يعبّروا عن آلام الأمة الإسلامية التي أصابتها في الصميم.

وفي الحقيقة، أن المكانة التي يحظى بها صلاح الدين في قلوب المسلمين والإكبار الذي يوليه هؤلاء لهذا البطل القائد، مردّه - في تقديري - إلى سببين هما: الجاذبية الخلقية والجاذبية العملية اللذان انفرد بهما صلاح الدين عن باقي معاصريه من الملوك والأمراء.

 

 

الجاذبية الخلقية:

فقد لمس الشعراء في هذا القائد جماع الخصال العالية والخلق السامي من تقوى وورع وإخلاص وتجرّد وسماحة ومروءة وعفو وجود وإحسان ورجولة وشهامة وبطولة وهي من مقوّمات الأسوة الحسنة ومستلزمات القدوة الصالحة التي يحنّ إليها وينجذب إليها الضمير المسلم..

حتى قال أحدهم:

رأيت صلاح الدين أفضل من غدا       وأشرف من أضحى وأكرم من أمسى

وقيل لنا في البحر الأرض سبعة أبحر      ولسنا نـرى إلا أنامله الخمسا

سجيّته الحسـنى وشيمته الرّضى           وبطشته الكـبرى وعزّته القـعسا([9])

 

وقال آخر:

ملك إذا علقـت يد بزمـامه               علقت بحبل في الحـفاظ متين

والبحر لو مزجت به أخـلاقه             لـغدت مياه البحر غـير أجون

والأرض لو شيبت بطيب ثناه لم          تنبت سوى الخيريّ والنسرين([10])

 

الجاذبية العملية:

ولعل أهم ما رفع من قيمة صلاح الدين وأعظم قدره عند المسلمين إلى جانب ما ذكرنا من خلقه وسلوكه، هو جهاده الخالص الصادق في سبيل الله وعزمه وحرصه على نصرة الدين وتحرير القدس: فقد رأى فيه المسلمون منقذا للدّيلى الإسلامية وثائرا لكرامة الأمة وقائدا شهما لكتائب الجهاد، في وقت تخاذل فيه الكثيرون عن الحركة والجهاد وأحدقت بالمسلمين جيوش الصليبين وشرار النصارى فما كان من صلاح الدين إلا أن ردّهم على أدبارهم ولم ينالوا خير ولقّنهم درسا في القتال لم يعهدوا مثله.. وبذلك أعاد الثقة والعزّة والقوة إلى المسلمين.وإلى أمة الإسلام المجد والنصر والتمكين.

وفي الشعر الإسلامي إشارات واقعية صادقة لأعمال القائد العملاق وجهاده:

يا ناصر الإسلام حين تخاذلت     عنه الملوك ومظهر الإيمان

بك قد أعـزّ الله حزب جنوده      وأذلّ حـزب الكفر والطغيان

وغضبت لله الذي أعـطاك فصـ    ــل الحكـم غضبة ثائر حرّان([11])

 

أو مثل:

ملك إذا علقت يد بزمامـه         علقت بحبل من الحفاظ متين

قاد الجياد معاقلا وأن اكتفى       بمعـاقل من رأيه وحصون

وأعدّ للأعـداء مـهنّد               ومثقّف ومضـاعف موضون([12])

 

وفي ظلال جهاده الطويل المبارك وفتوحاته المبينة استعاد المسلمون مكانتهم وقرّت أعينهم بما رأوا من إعزاز لدين الله ونصر لشريعته وتطهير لقدسه من روث الكفّار وحقد الصليبين:

فلا يستحقّ القدس غيرك في الورى       فأنت الذي من دونهم فتح القدسا

ومن قبل فتح القدس كنت مقدّسا       فلا عدمـت أخلاقك الطهر والقدسا
وطهّرتـه من رجسهم بدمـائهم             فأذهبت بالرجس الذي ذهب الرجس

 

وبذلك استعاد القدس ذاتيته الإسلامية وملامحه الإيمانية، وارتفع به الأذان عاليا بعد أن جلجلت فيه نواقيس النصارى:

نزعت لباس الكفر عن قدس أرضها      وألبستها الدين الذي كشف اللّبسا

وعادت لبيت الله أحكام دينـه            فلا بطـرقا أبقيت فيه لا قسّا

وقد شاع في الآفاق عنك بشارة          بأن أذان القدس قد بطل النّقسا([13])

 

وهكذا بتلك الأعمال الصادقة والخالصة وبذلك الجهاد الطويل المضني وبتلك الغضبات الربانية والبطولات الرائعة وبذلك الخلق السّامي والسلوك العالي.. حبّب الله تعالى عبده صلاح الدين إلى قلوب عباده المؤمنين ومكّن له في وجدان المسلمين أيّما تمكين وكما يقول الدكتور الهرفي: لقد حظي صلاح الدين الأيوبي بعناية فائقة من الشعراء والأدباء لم يحظ بها أحد غيره من أبطال الحروب الصليبية على الإطلاق وما كان له أن يحصل على هذا لولا فتحه القدس.

 

صلاح الدين... في ذاكرة الشعر الإسلامي المعاصر

 

إذا كان صلاح الدين هذه الشخصية التاريخية الفذّة النادرة قد نالت مكانة تحسد عليها في وجدان العالمين، واعتنى بمدحه ورثائه وتمجيده وتخليده كثير من شعراء عصره فذلك أمر طبيعي، نظرا لما لمسوا من عظيم جهاده وما عاينوا من جليل أعماله وما علموا من كريم خصاله.. أمّا أن يشغل اسمه ذاكرة الشعر المعاصر على عمق المسافة الزمنية الفاصلة فهذا أمر يستدعي البحث.

وفي تقديري، هناك سببان رئيسيان وراء هذا الإهتمام من طرف شعرائنا المعاصرين بشخصية صلاح الدين وإدراج اسمه في كثير من قصائدهم.

أما السبب الأول: فمردّه إلى طبيعة حاضر الواقع العربي والإسلامي الذي يعيش في ظلاله الشاعر والمتّسم بالتخلّف والسقوط والذي يعيش منذ بداية القرن مرحلة القصعة إن صحّ التعبير: حيث تتربص القوى العالمية الملحدة على اختلاف توجّهاتها وانتماءاتها بالمسلمين، لترميهم عن قوس واحد، مسخّرة في سبيل ذلك كلّ آلياتها وعلومها.. في محاولات متكررة ومتجدّدة ومدروسة لدحر الإسلام وذبح المسلمين وافنائهم: فمن محاولات الاستعمار العسكري إلى محاولات الاستيلاء الاقتصادي إلى الاستعمار الثقافي.. إلى الجرثوم الصهيوني في الجسد الإسلامي.

وهكذا نرى التاريخ يعيد نفسه كما يقال وتعود هذه المرّة دبابات اليهود ومصفّحاتهم، بدل خيول النصارى.. لتعربد فوق الأرض المقدسة وتذبّح وتدمّر وتشرّد..

حتى إذا حانت من الشاعر التفاتة واعية إلى هذه الجهة أو تلك من الوطن الإسلامي الذبيح.. صدمته مشاهد الذلّ والهوان وعصره الألم والحزن لما يرى من تغيّر الحال بهذا المكان المقدّس، خاصة، وما لحقه من مظاهر الإذلال والهزيمة...

وفي كل يوم له صرخـة      وفي كل يوم يقاسي العـذاب

يعيث بساحته المفسدون    ولا من حساب ولا من عقاب

وكم مرّة حاولوا نسفـه      ولكن تخيب مساعي الذئـاب([14])

 

ويمتد الحزن عمقا في وجدان الشاعر وتزداد وطأة الإحساس بمرارة الواقع على القلب المرهف.. كلما حاول تقليب صفحات من دفتر المعاناة الإسلامية والمعاناة الفلسطينية بصفة خاصة إذ تروّعه مشاهد اللاجئين والمشرّدين وصورة الطفولة المحرومة الضائعة واليتم المبكّر الذليل والعرض المهتوك..

أما فلسطين فسيل دمـائها         لم ينقطع وعيونها لم ترقـد

اللاجئون وهذه أكواخـهم         كالعار عن أنظارنا لم يبـعد

في كل كوخ لوعة ومنـاحة          من طفلة تبكي وشيخ مقعـد

ويتيمة تلوي إليك بجـيدها         تشكو الهوان بحسرة وتنهّد

وكريمة لعب اليهود بطهرها         وبها تمتّع رائح أو معـتد([15])

 

إنها هموم الوطن الذبيح ومعاناة الأمة المجروحة تعصف بوجدان الشاعر عصفا مبرحا فتؤرقه وتذهله عن نفسه وأهله وخلاّنه.. وكيف لا!؟ وفي كل ناحية من وطنه بيت يقوّض وأرواح تزهق ودماء تسيل وأعراض تدمى..

وجع ألم فغبت في أحزاني          وذهلت عن أهلي وعن خلاّني

يا أيـها الذبيح وإنّها                لخناجر الأحبار والرهبـان

في كل ناحية دماء ضـحية          وركام بيت غاب بين دخـان

ماذا أقول عن الجريمة إنّـها         فوق الحروف وفوق كل بيان

ماذا أقول وكل حرف في فمي      حجر فهلاّ تنطـق الشفتان

من ثلث قرن والعذاب يسوطني   وأنا أجالدهم على الغـدران([16])

 

هذا الوضع القاتم المضطرب بكل ملامحه المحزنة، والذي يعيش في أحضانه الشاعر.. يذكّر المسلمين اليوم بأيام سلفهم إبّان الغزو الصليبي الحاقد عندما وطئت خيل النصارى رحاب الأقصى وتوزّع البغاة الأشرار بين الدّيار الإسلامية ينشرون الرعب والدمار..

كما يتذكّرون معه ذلك الفجر الساطع الذي أعقب ذلك الليل البهيم وطلعة ذلك القائد المنقذ - صلاح الدين - الذي دحر العدو الكائد واستردّ راية النصر ليرفعها عالية في الفضاء الإسلامية.

وأما السبب الثاني: فهو راجع إلى خلوّ الساحة الإسلامية من قدوة جهاديّة قياديّة فذّة في مستوى متطلبات المرحلة.. تعيد ماء الوجه إلى الأمة المجروحة، وترفع الغبن عن الذات الإسلامية: فكلما تأملنا في واقعنا العربي والإسلامي المعاصر وبحثنا عن نماذج حيّة لتلك القيادات الرائعة التي نحتفظ بصورها في وجداننا، تثأر للشرف الإسلامي وترفع راية الدين، وتجمع شتاتنا وتوحّد طاقاتنا وقوانا.. اصطدمت أنظارنا بصور باهتة وأنماط هشّة من زعامات لا تملك من مواصفات القيادة وفاعليتها وخصائصها شيئا.. إنمّا هي:

رتب وتيجان وسلطان وأخبار طويله

              وتخيفهم يا للفضائح والأسى عصب دخيله..

وقد اختارت موقف "الجلوس على الربوة" رغم حساسية الوضع وخطورة المرحلة.. لاهية بما توفّر لها من أسباب الخمول والقعود.. عن اقتحام الميدان وخوض وطيس المعركة:

والقدس في أسر اليـهود     وهم علـى دنّ وراح

والمسجد الأقصـى غدا     في الأرض مغلول السّراح

لندائه فـي كل قلـب        مـؤمن وخز الرمــاح

أين الذين يقودهـم          للبذل ذبحي واجتياحــي

ويقول هل من ضمضم     عن طهر أمته يلاحـي

وتلفّت الميدان هـل         من طارق هل من صـلاح؟([17])

 

إذن في غياب هذه القيادة الجهادية الميدانية المنشودة.. وفي قتامة هذا الوضع العربي الإسلامي الراهن.. ومع تحدّيات العصر الضاغطة.. يجد الشاعر الإسلامي المعاصر نفسه مدفوعا إلى ابتعاث صورة ذلك القائد الهمام، بطل المواقف: صلاح الدين الأيوبي رضي الله تعالى عنه، ومناجاته وترديد ذكره في كثير من القصائد التي ترسم معاناة الأمة الإسلامية وتترجم هموم المسلمين.. كمحاولة لملأ الفراغ القيادي الحاصل واستفزاز المسلمين وتحريضهم وحثّهم على التأسّي والإعتبار..

 

شواهد شعرية:

 

إن اسم صلاح الدين يرتبط ارتباطا وثيقا بالقدس: فهو الذي حرّرها من أسر الصليبيين وكيدهم.. وردّها إلى حظيرة المسلمين بعد جهاد طويل... واليوم القدس في أسر اليهود ترنو إلى من ينقذها ويفكّ أسرها من مخالب الصهيونية الحاقدة. ويطرد عنها جيوش الغاصبين، إنها تتطلّع إلى صلاح الدين كي يحرّرها مرّة أخرى من براثن الأعداء:

فالمسجد الأقصى المبارك يستغيث أتسمعون

والناس كل النـاس في أوطاننا يتصـايحون

قم يا صلاح الدين إذ بني العروبة نائمـون

قم فالصليبون عادوا كالأفاعي ينهشــون

فاخلع نيوبهم التي بسمومها يتحرّكــون([18])

 

وكأني بصلاح الدين يسمع الشكوى وتحزّ في نفسه البلوى.. فيمتطي صهوة جواده مدجّجا بسلاحه وعتاده.. ويشرف على الأقصى يناجيه:

ولست أنسى صلاح الدين وهـو   على مشارف المسجد الأقصى يناجيه:

جئنا إليك فصبرا إن أمتنـا         رأت لعمـرك رأيا سـوف تمضيه
جئنا إليك نردّ الغاصبين ومـا       قد هدّموا منـك بالأرواح نبنيـه

فشعبنا في سبيل الله قد غضبـت   منه الحواضـر واهتزّت بواديـه

والشرق ثار فلا عرب ولا عجم    بل مسلم واضـح من غير تمويـه

فازينّت أرضنا من بعد غصّتها     وهللّ المسجد الأقصى ومن فيه([19])

 

هكذا سيظل صلاح الدين: القائد الإسلامي الفذ يعيش في وجدان الشاعر ويتردّد ذكره في أشعاره لمّا غنّى عن المعاناة الإسلامية في فلسطين المغتصبة.. إلى أن يأتي من يحتلّ مكانه.. وما ذلك على الله بعزيز



([1]) شعر الجهاد في الحروب الصليبية- الدكتور محمد علي الهرفي- ص 159.

([2]) المصدر نفسه- ص 162.

([3]) المصدر نفسه - ص 163.

([4]) شعر الجهاد في الحروب الصليبية - الدكتور الهرفي- ص 183.

([5]) الروضتين للمقدسي- ج 2، ص 213-214.

([6]) شعر الجهاد في الحروب الصليبية - الدكتور الهرفي - ص 181.

([7]) المصدر نفسه - ص 182.

([8]) شعر الجهاد في الحروب الصليبية - الدكتور محمد علي الهرفي - ص 164.

([9]) شعر الجهاد في الحروب الصليبية -للدكتور محمد علي الهرفي - ص 164.

([10]) المصدر نفسه - ص 161.

([11]) شعر الجهاد في الحروب الصليبية - ص 163.

([12]) المصدر نفسه - ص 161.

([13]) المصدر نفسه - ص 165.

([14]) مجلة الأمة - عدد 43 - ص 64.

([15]) ديوان الزوابع لوليد الأعظمي- ص 58.

([16]) مجلة الأمة - عدد 38- ص 32 - من قصيد: الوطن الذبيح.

([17]) شعراء الدعوة في العصر الحديث- ج 6- ص 106

([18]) شعراء الدعوة - ج 2 - قصيد: وعد بلفور.

([19]) شعراء الدعوة - ج 2- قصيد: إلى الأمهات المسلمات- للشاعر: محمد صيام.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب