الغربــــــال
كتب  صورية مروشي ▪ بتاريخ 30/07/2019 07:33 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

طوقت نجوى ذراعي أمها وهي تقول ضاحكة:

- أنا سعيدة جدا يا أمي.. سعيدة بوجودي في هذه الحياة، وبكل شيء حولي!

سألتها الأم:

- وما سر سعادتك يا حبيبتي؟

- صديقاتي هن سبب سعادتي.. إنني أملك صديقات رائعات، تمتد علاقتي ببعضهن إلى أيام الطفولة، والبعض الأخريات إلى مراحل الدراسة المختلفة، أما صداقاتي بالجامعة فهي أكثر عمقا، وأشد رسوخا؛ لأنها تكونت في مرحلة من أهم مراحل الحياة.

ابتسمت الأم ابتسامة هادئة وهي تسأل مرة أخرى:

- وكم عدد صديقاتك يا عزيزتي؟

أجابت نجوى متفاخرة:

- عدد كبير، وكلهن قريبات من قلبي... لكن الأقرب حقا يتجاوزن العشر، وأنا أحبهن كثيرا، وأشركهن كل آمالي وآلامي!

اختفت ابتسامة الأم فجأة، وأطرقت تفكر في صمت، فقالت نجوى:

- فيم تفكرين يا أمي؟

ردت وهي تداعب خصلات شعرها الطويل:

- ألا تعتقدين أن هذا العدد من الصديقات كثير؟! هل كلهن مخلصات لك، صادقات معك؟ ويقدِّرن فعلا ما تكنينه لهن من ود؟

انطلقت نجوى تتحدث بيقين:

- أنا واثقة من عمق صداقتنا يا أمي، لقد مررنا بتجارب كثيرة كشفت عن صدق نياتنا، وعشنا لحظات خالدة من المغامرات المشتركة ما كانت لتكون لولا قلوبنا المتآلفة.

قالت الأم في شبه همس:

- ربما معك حق.. لكن الدنيا علمتني أن الصداقة شيء ثمين جدا ونادر، ومحظوظ من وجد صديقا واحدا مخلصا، صادقا ووفيا.. لكن أن يكون لديك أكثر من عشر صديقات فهذا ما لا أستطيع تصديقه!

ردت الابنة باعتزاز كأنها وهبت ما لم يوهب لغيرها فكانت من زمرة المحظوظين حقا:

- ستؤكد لك الأيام صدق كلامي، فعلاقتي بحبيباتي ستدوم العمر كله، هذا ما تعاهدنا عليه، ولا يمكن لشيء أن يقف في وجه صداقتنا.. لا شيء..

سكتت الأم ولم تعقب. فهي لا تريد أن تفسد فرحة ابنتها بتوقعات قد تكون مخطئة فيها، ثم إنها تعرف ابنتها جيدا، فرغم أنها على وشك التخرج من الجامعة إلا أنها لا تزال تحمل بين ضلوعها قلبا ساذجا بريئا يحسن الظن بكل من حولها حتى بأعدائها! إنها لا تحب إلا بصدق، ولا تعطي إلا بسخاء، وتصدق في سهولة ويسر ما تتفوه به الشفاه من مجاملات وكلمات معتقدة أن اللسان رسول القلب ومرآته، ولا يتبادر إلى ذهنها أبدا أنهما قد يكونان مختلفين تماما، فقد يمدح اللسان والقلب يذم، وقد يكره القلب ويحقد فينطلق اللسان معبرا عن حب عميق وود مكين، وشتان بين هذا وذاك!

كان عام التخرج عسيرا على نجوى وصديقاتها، فهو عام الدراسة المكثفة، وعام الوداع والفراق أيضا.. فبعد أن تغربت كل واحدة منهن عن بيتها وأهلها سنوات قضينها في طلب العلم عشن خلالها أجمل الذكريات، هاهن أولاء يتهيأن لمغادرة المكان الذي جمعهن وألف بين قلوبهن. وكانت نجوى الأكثر تضررا من الفراق، فمنذ بداية العام وهي ترقب نهايته بخوف وهلع مشفقة على نفسها من الآلام التي ستتكبدها لفراق أحبتها، فهي الأعلم بقلبها المرهف وحساسيتها المفرطة تجاه لحظات الوداع.

جاء اليوم الموعود، فذرفت الأعين دموعا ساخنة، وتعانقت الفتيات عناقا طويلا، وقبل أن يغادرن المكان تواعدن على أن يبقى الهاتف جامعا لأصواتهن البعيدة، وتظل الرسائل حبل الوصال بينهن، أما عن اللقاء الحقيقي فقد عرضت نجوى فكرة رحبن بها جميعا، أن يلتقين كل ثلاث سنوات بفناء الحي الجامعي الذي أقمن فيه، وأن يقضين تحت ظلال أشجاره الباسقة يوما خالدا من العمر، ولم تفترق الفتيات إلا وقد تعاهدن على تنفيذ هذه الفكرة الرائعة والحضور في الموعد المحدد مهما تكن الظروف.. ووحده الموت سيفرق بينهن!

في بادئ الأمر كانت الاتصالات الهاتفية مكثفة بين نجوى وصديقاتها، مما خفف عنها ألم الفراق وحرقة البعاد، لكن مع مرور الأشهر غرقت كل واحدة منهن في دوامة الحياة اليومية، ولم يبق على العهد غير نجوى التي ظلت تكتب الرسائل وتتصل بالهاتف بنفس الحرارة والصدق.

مرت ثلاث السنوات، وجاء موعد اليوم المتفق عليه للقاء، فشدت نجوى الرحال إلى مدينة العلم والعلماء، قسنطينة..، وإذا بها بعد أكثر من ساعتين سفر تجد نفسها بفناء الحي الجامعي تتجول بين بناياته وأشجاره، وتتأمل طالباته وعماله فشعرت بسعادة غامرة، وقفزت ذكريات الأيام الخوالي أمام ناظريها، فدبت فيها الحياة من جديد فكأنها لا تزال طالبة بتلك المدينة تزخر نفسها بالآمال الكبيرة والأحلام الساحرة.

مرت الساعة والساعتان ولم يأت أحد للموعد. اتصلت ببعضهن فلم تجد لديهن غير أعذار واهية وحجج لم ترجعها إلا لعدم رغبتهن في المجيء، إذ لا شيء يقف أمام ما نريده حقا وبقوة، ومن يرد يستطع حتما، ومن يحبَّ يدفَعْه الشوق للقاء من يحب!

كان قلب نجوى ينزف وهي تنتظر، ورغم أن الموقف كان جديرا بأن يستدر دمعها إلا أنها لم تبك يومها، فقد بلغت بها خيبة الأمل حدا جعل الدموع تتحجر في مقلتيها والمشاعر تتبلد في أعماقها..

في حافلة العودة جلست قرب النافذة تسائل نفسها الساذجة:

- لم لم يكن الحرص متبادلا بيننا على اللقاء؟ إذا كان الحب الصادق والشوق الجارف دفعاني للمجيء، ألم يدفع بواحدة منهن على الأقل لتقاسمني اللقاء فلا أشعر بهذه المشاعر السوداء من الألم وخيبة الأمل؟ لماذا ندعي الصداقة ونتشدق بعبارات الود إذا لم نبذل شيئا من أجل أحبتنا؟ إذا لم تتحول الكلمات إلى أفعال وتضحيات؟!

وهي تدخل البيت، بدأ شيء مقدس يتهاوى في أعماق نجوى كشظايا الزجاج المكسور مخلفا إحساسا مريرا بالبرود والجفاء.. ما أتعسنا حين يخذلنا الأحبة ويخيبُ ظننا بالأصدقاء!

وما أشقانا حين لا يقدر أحد صفاء قلوبنا، وصدق مشاعرنا، وقيمة عطائنا! فنحن نهب ما هو أهم من أموال الدنيا وكنوزها، ولكن.. هل من مقدر؟!

كانت تلك أفكار نجوى وهي قابعة بغرفتها لا تكلم أحدا عندما دخلت عليها والدتها محاولة أن تخفف عنها، فقد عرفت بحدسها وخبرتها بالحياة والناس أن لقاء قسنطينة لم يتم، وأن ابنتها تكبدت عناء السفر بدافع نبيل لم يعد يؤمن به أحد في دنيا المادة والمصالح.

- أرجوك يا ابنتي لا تضخمي الأمور، أخبرتك سابقا أنه لن يذهب للقاء غيرك ولم تصدقيني.

ردت نجوى وقد زال التحجر الذي بداخلها وبدأ اضطراب مشاعرها:

- اعتقدت أن صداقة حقيقة كالتي عشتها بالجامعة ستمتد بعد تخرجنا.

- التمسي لهن الأعذار، فلكل واحدة ظروفها.

صرخت نجوى كأن حية لدغتها:

- ولماذا كن يأتين دائما أثناء سنوات الدراسة ولا يتأخرن أبدا؟ لماذا كان اجتماعنا أكيدا عندما كانت تجمعنا مصلحة واحدة هي الحصول على شهادة التخرج؟.. بت أؤمن أنه لم تجمعنا لا صداقة ولا حب، بل جمعنا هدف مشترك، ومصلحة متقاسمة، فلما بلغنا الهدف انتهى كل شيء وانمحى كل ما ادعيناه خلال سنوات.. وإلا، بماذا تفسرين انقطاعهن الكامل عن الاتصال أو المراسلة وعدم الاهتمام باللقاء؟ يا لغفلتي وسذاجتي، كم يلزمني من الوقت حتى أدرك حقيقة الأشخاص والأشياء حولي؟

لم تتفوه الأم بكلمة، فما تقوله ابنتها هو الحقيقة المرة التي لا سبيل لإخفائها أو إنكارها.

واصلت نجوى تقول بحرقة:

- هل تعرفين يا أمي ما أراه بين عيني الآن؟

- ماذا ترين؟

سألتها الأم مشفقة على حالها. فردت:

- أرى صديقاتي اللاتي عرفتهن طوال حياتي في غربال قد جمع أعدادهن الكبيرة، ثم هاهن يتساقطن الواحدة تلو الأخرى عبر ثقوبه الصغيرة، فلم يبق فيه سوى عدد قليل هن كل ما تبقى لي من الصديقات الآن!.

كانت الحكمة مخبأة في صمت الوالدة التي لم تتفوه بكلمة، بل اكتفت بابتسامة شيعت بها ابنتها، وهي تخرج من غرفتها. فقد بدأت نجوى تتعلم دروسا قاسية من الحياة، ومثل هذه الصدمات كفيلة بتغييرها، وهذا ما كانت ترجوه الأم وتتمناه.

- ألو.. نجوى، أنا نجاة، كيف أحوالك؟

- بخير ولله الحمد.

- أتصل بك لدعوتك لحفل خطوبتي يوم الخميس المقبل، هل ستحضرين؟

- بالطبع سأحضر، إنك صديقة عزيزة على قلبي، ولا يمكنني أن أتأخر عن مناسبة سعيدة كهذه.

- لست صديقتي فحسب، بل أنت صديقة لعائلتي أيضا منذ سنوات، وكلنا حريصون على حضورك كي تقاسمينا فرحتنا.. سننتظرك.. إلى اللقاء.

كان حفل الخطوب صغيرا لم تدع فيه نجاة من صديقاتها غير نجوى مما زاد من أواصر المحبة بين الصديقتين، وجعل نجوى تشعر بالاعتزاز أن خصتها بالدعوة دون غيرها.

بعد أيام قليلة من الحفل، التقت نجاة بسلوى، وهي إحدى الصديقات المقربات، فما إن تبادلتا السلام والسؤال عن الأحوال حتى بادرتها سلوى:

- لن أسامحك أبدا على عدم دعوتك لي لحفل خطوبتك.. لقد خاب ظني فيك.

أجابت نجاة بمكر:

- كانت الحفلة صغيرة للمقربين من أهلي فقط ،لم أدع إليها أحدا من الصديقات.

- ونجوى؟ لماذا دعوتها؟ لا تنكري أنها حضرت الحفل!

بهتت نجاة وتلعثمت، لكن سرعان ما انفكت عقدة لسانها، فخرجت كلماتها كالسهام المسمومة ترد التهمة عنها:

- بالطبع حضرت.. لكن..

- لكن ماذا؟

حاصرتها سلوى. اقتربت منها نجاة وقالت في شبه همس كأنها تتكتم على فضيحة مخزية:

- أنا لم أدعها، لقد حضرت دون دعوة مني.. وقد أشعرتني بالحرج عندما أبلغوني بوصولها فلم أجد بدا من استقبالها.. لقد فرضت نفسها فرضا، فما عساني أفعل لها، هل أطردها؟!

فتحت سلوى عينيها عن آخرهما، وهي تقول:

- هل فعلت ذلك حقا؟ أحسبها مهذبة وتعرف الأصول فكيف..!؟

قاطعتها نجاة:

- أنا أيضا حسبتها كذلك، وها هي ذي تضعني في موقف حرج مع صديقاتي.. حتى أهلي ضاقوا ذرعا بها، فالمناسبة كانت عائلية بحتة!!!

وأضافت تقول بأسى:

- من المؤكد أن لا أحد سيصدق أنها جاءت دون دعوة مني!

وصل الحديث إلى نجوى كما هو، ورغم أن الخبر وقع منها موقع السكين من جرح لم يلتئم بعد، إلا أنها رأت صاحبتها تحزم أمتعتها لتسقط من الغربال هي أيضا غير آسفة عليها!

التقتها بعد أيام في السوق فإذا بنجاة تقبل نحوها فاتحة ذراعيها تقلبها وتضمها كأنها تقابل عزيزا غاب منذ دهر. لم تستطع نجوى أن تبادلها حرارة اللقاء، وطنين تلك الكلمات لا يزال يتردد في أذنيها، بل لم تتمكن حتى من رسم ابتسامة مزيفة على وجهها المضطرب.

كانت واقفة دون حراك تتأملها وهي تتساءل: هل يمكن للإنسان أن يكون منافقا إلى هذا الحد؟ ترى من منهما الكاذب: ما تراه عيني الآن أم ما سمعته أذني قبل أيام؟ وأي وجه هو الحقيقي، هذا الوجه الذي يهش للقائي أم الوجه الآخر الذي طعنني في الظهر؟ هل لسانها الآن ترجمان قلبها أم أنها تنطق بما ليس في أعماقها؟

لاحظت نجاة شرود صديقتها، فقالت تهز كتفيها برفق:

- إيه، نجوى! نحن هنا... ما الذي يشغل تفكيرك؟

طأطأت نجوى، ولم تقل شيئا، إنها لم تمر في حياتها بموقف كهذا، وقد خانها ذكاؤها ولم تعرف كيف تتصرف. هل تتعامل معها وكأن شيئا لم يكن أم تخبرها الأمر؟ ولأول مرة تتساءل في حيرة: هل الصراحة مفيدة في مواقف كهذه أم عليها التكتم والفصل في علاقتها دون أن تدخل معها في متاهات نقاش لن يجدي نفعا؟

افترقتا ذلك اليوم دون أن تجد نجوى أجوبة لأسئلتها المؤرقة. ولم تطمئن نجاة حتى جاءت لزيارتها في بيتها، وقد أوجست خيفة من تغيرها المفاجئ.

- أخبريني ما بك يا نجوى؟ منذ التقينا آخر مرة وأنا قلقة بشأنك. هل حدث شيء غيرك نحوي؟

- لم يحدث شيء، أنا متعبة وبحاجة إلى الراحة والعزلة.

- لكنني صديقتك ولابد أن أعرف ما بك؟ أم أنك لا تثقين بي؟

همست نجوى تقول:

- مشكلتي أنني أثق في كل من حولي.

- بم تتمتمين؟

أضافت بصوت مرتفع:

- ومشكلتي الأخرى أنني أحب بصدق!

وضعت نجاة يدها على جبهة صديقتها وقالت:

-أنت اليوم غير طبيعية أبدا.. أرجوك أن تخبريني عما بك لعلي أستطيع مساعدتك. نظرت في عينيها نظرات حادة وقالت:

-تريدين حقا أن تعرفي ما بي؟

-طبعا، ولن أخرج من هنا حتى أعرف كل شيء.

- حسنا... استمعي جيدا، وسأحكي لك تفاصيل كل شيء.

وبدون مقدمات روت نجوى حديث سلوى كما نقلته لها، فما إن أكملت حتى تغير لون نجاة وطأطأت رأسها كطفل صغير أذنب ذنبا، وينتظر العقاب. بعد لحظات صمت مهيبة قالت نجوى:

- سؤال واحد أرجو أن تكوني في مثل صراحتي وتجيبيني عليه بكل صدق.. هل كل ما نقل عنك من كلام صحيح أم لا؟

همست نجاة:

-       حسابي مع سلوى سيكون عسيراً!..

 - دعينا من سلوى الآن.. أجيبي بنعم أم لا.

حاولت نجاة مداراة خطئها لكنها لم تستطع الإنكار، وقد تلفظت شفتاها بكل كلمة قالتها.

همست والخجل يزاحم جوابها المخزي:

-       لم أقصد الإساءة إليك.. لكن..

-       نعم أم لا؟ لا أريد شرحا أو تبريرا للأمر.

-       نعم.. كل ما وصلك صحيح.. اسمعيني.. لقد...

ابتسمت نجوى وهي تقول:

-       هدئي من روعك يا صديقتي، فهناك أمور إذا حدثت لابد أن نعترف بها، نواجهها ثم نتقبلها بصدر رحب.

-       سامحيني يا صديقتي إن آذيتك، لم أقصد.. صدقيني..

-       لقد أحببتك أنت وعائلتك بصدق، وكان مجيئي لزيارتكم مصدرا لسعادتي.. لكن ما قلته أحدث شرخا في قلبي لا سبيل لمحوه. تمنيت فقط لو قلت الحقيقة ولم تتهميني بتلك التهمة الجائرة.. لقد خسرت قلبا مخلصا أحبك بصدق، وموقف كالذي صدر منك أنهى -للأسف الشديد- صداقة كانت ستستمر العمر كله.

مسحت نجاة دموع الندم، وقالت متحسرة:

-       ماذا تقصدين؟!

ردت نجوى وهي تودعها:

- قلوبنا ليست ملكا لنا، ولا يمكننا أن نجبرها على أن تحفظ المشاعر ذاتها لمن آذونا، كما أني لا أملك سوى وجها واحدا، ولا أحسن استبدال الأقنعة، أما لساني فلا ينطق إلا بما يشعر به قلبي.. لذلك كله، اعذريني، لم يعد الأمر بيدي..

خرجت نجاة على أطراف أصابعها تاركة نجوى شاخصة البصر تنظر فلا ترى شيئا، في حين كانت صاحبتنا ترى ببصيرتها صديقتها للمرة الأخيرة وهي تهوي من ثغرة الغربال إلى هوة سحيقة مخلفة وراءها ذكريات باردة خالية من طعم الحياة.

كانت لنجوى صديقة أخرى تدعى "سهام"، لم تدرس معها بنفس الجامعة لكنهما بقيتا على اتصال دائم، ولطالما تبادلتا رسائل طويلة تقاسمتا فيها الآمال والأحلام. وقد تزوجت سهام وأقامت بمدينة أخرى بعيدة وواصلت دراسة الماجستير ثم الدكتوراه وأصبحت تدرس بالجامعة وتحظى بحياة ميسورة مع زوجها وأولادها.

كانت سهام شديدة الحرص على صداقة نجوى، فهي تدرك أنها لن تجد قلبا مخلصا كقلبها كان دائما مستودعا آمنا لأسرارها، وأن أحدا لن ينصحها كما تنصحها أو يقف إلى جانبها في آلامها كما فعلت دوما. فإذا ماحدث ما يحزنها حادثتها على الهاتف ساعات طويلة حتى يذهب عنها حزنها، وكانت الرسائل بينهما لا تنقطع لذكر التفاصيل التي لا يحتملها الهاتف.. ورغم البعد بين المدينتين، إلا أن سهاما كثيرا ما تلح على زوجها فيحضرها إلى بيت صديقتها تنعمان باللقاء بضع ساعات ثم تفترقان مرة أخرى.

تم الإعلان عن مسابقة للماجستير في مجال اختصاص نجوى بالمدينة التي تقطن بها سهام وفي الجامعة التي تدرس أستاذة فيها، ففرحت نجوى، واعتبرتها فرصة ثمينة للقاء صديقتها الحميمة.

اتصلت بها وأخبرتها الخبر قائلة في آخر حديثها:

- سأكون سعيدة جدا بلقائنا في الجامعة، فقد اشتقت إليك كثيرا، وسيكون هذا الامتحان فرصة لنقضي وقتا ممتعا معا.

كانت المسابقة بعد عدة أسابيع من الإعلان عنها، قضتها نجوى تحضر لها باجتهاد، وعندما اقترب الموعد اتصلت بصاحبتها لتتفقا على تفاصيل اللقاء، لم تجدها يومها، ولا في الأيام التي تلتها، فأحيانا يجيب زوجها وأخرى أولادها، وهي حينا في الحمّام، وحينا آخر في الجامعة، ورغم تكرار اتصال نجوى في مختلف ساعات النهار إلا أنها لم تستطع الحديث إليها.. ولا مرة واحدة! في غرفتها التي شهدت الكثير من آلامها، شعرت بقلبها ينزف مرة أخرى:

- لماذا تتهرب مني سهام؟ ولم هذا التغير المفاجئ في معاملتها معي؟!

قالت الأم وهي تضغط على يد ابنتها.

- ربما لديها أسبابها وأعذارها.

انتفضت نجوى:

- لا يا أمي، لا ينتبه لمثل هذه الأمور إلا مغفل كبير.. صحيح أنني ساذجة وأحسن الظن بكل من حولي لكني لست غبية ولا مغفلة إلى هذا الحد..، ففي البداية صدقت فعلا أنها غير موجودة لكني بعد ذلك شعرت بقوة أنها لا تريد محادثتي..، إنني أثق في مشاعري، فهي كالمرآة تعكس بصفاء ما يحدث حولي، ولم يسبق أن خانني شعوري.

- وبم تفسرين تصرفها هذا؟

- لإلحاحي في الاتصال بها، ربما اعتقدت أنني أطلب مساعدتها في امتحان الماجستير، وربما بدا لها أنني سأنزل ضيفة عندها في بيتها، فكرهت هذا الأمر أو ذاك.

- لكنها صديقتك، وواجب الضيافة والصداقة يقتضي أن تكرمك حين تنزلين بالمدينة التي تسكن فيها. أما المسابقة، فهي تعرفك وتعرف أنك لا تعتمدين إلا على الله ثم على جهدك، ولا يمكنك أن تطلبي عونها في أمر كهذا.

أخفت نجوى وجهها بين راحتيها، وهي تقول باكية:

- لا أدري لماذا يخذلني الصديقات الواحدة تلو الأخرى؟ لماذا تدوس الأقدام بقسوة، على كل ما هو جميل في حياتنا؟.. لماذا؟

- لا تسبقي بحكمك عليها حتى تلتقي بها، حينها فقط سيتضح لك كل شيء.

في الصباح الباكر لليوم الموعود سافرت نجوى في حافلة أوصلتها إلى المدينة البعيدة، ثم أقلتها سيارة أجرة إلى مدخل الجامعة. وبينما هي تبحث عن مكان الامتحان إذا بسهام مقبلة وهي في عجلة من أمرها، والتقتها وجها لوجه.. تظاهرت سهام بالفرحة لرؤية صديقتها، لكن نجوى بحدسها التقطت عكس ذلك، وكأنها لم تحسب حساب لقائها فجأة هكذا وفي حرم الجامعة.. بادرتها سهام:

-في الحقيقة يا نجوى أتمنى لك التوفيق من أعماق قلبي، لكن تعرفين أنني لا أستطيع مساعدتك، فوضعي بالجامعة...

قاطعتها نجوى وقد تأكدت شكوكها الأولى:

- لم أطلب مساعدتك يا سهام، فقد حضرت للمسابقة جيدا، ولست أعتمد على أحد سوى الله، ألا تعرفينني بما يكفي لتوقني أنني أبدا لن أضعك في موقف حرج كهذا؟!

 استبشرت سهام خيراً أن تخلصت من مخاوفها بصراحة نجوى المعتادة، وبعد أن تهيأت للانصراف قالت تودع صديقتها:

- وددت لو استضفتك عندي هذين اليومين، لكننا مسافرون لزيارة أهل زوجي بالريف.. أرجو أن تعذريني ياحبيبتي..

لم تعد نجوى تشعر بشيء أمام مواقف كهذه، لذا فقد ابتسمت وهي تودعها بدورها:

- لا عليك يا سهام، فالبقاء بالحي الجامعي ممتع جدا بالنسبة لي لأنه يذكرني بدراستي الجامعية.

سارعت سهام بالانصراف، وقد تخلصت من عبء توهمت أنه سيثقل كاهلها، في حين بقيت نجوى تتأملها كأنها لم تعرفها يوما.. لم تبك، لم تنفعل، بل شعرت بجرحها يلتئم، ويتوقف النزيف أخيرا ربما إلى الأبد. وانتابتها رغبة في الضحك وهي ترى سهاما متعلقة بثغرات الغربال لتسقط بعدها إلى عالم النفايات البشرية حيث يأكل الناس بعضهم بعضا، وما أكثر طرق الأكل وأساليبه ووسائله!

حين عادت نجوى إلى البيت بدت أكثر ارتياحا واطمئنانا مما جعل الوالدة تعتقد أن ظنونها بشأن صديقتها لم تكن في محلها، لكن عندما أخبرتها بما حدث قالت في أسى:

- تغيرت لمجرد اعتقادها بأنك قد تكونين بحاجة إليها، وتنكرت لك لأنها بخلت عليك بحسن الاستقبال وكرم الضيافة.. هؤلاء هم اللئام حقا! لكن لا تبتئسي يا ابنتي، فالكرام هم الأغنياء، واللئام هم الفقراء.. إنها لن تتذوق طعم السعادة وهي تأخذ فقط ولا تعطي!

توالى سقوط صديقات نجوى من الغربال واحدة تلو الأخرى مع مرور السنوات، حتى لم يبق على سطح غربالها سوى صديقة واحدة.. "حنان". ولفرط حساسية نجوى تجاه هذا الموضوع فقد راودتها الشكوك حول صدق حنان في صداقتها، ورأتها مرات عديدة تتدلى من ثقب الغربال، وربما بقيت على وضعها أياما حتى تتضح لنجوى الرؤى، وتتأكد من صدقها فلا تراها بعدها إلا مستلقية داخل الغربال آمنة مطمئنة تحظى بكل الحب والتقدير.

- هل تعرفين يا أمي، لم يبق في غربالي غير صديقة واحدة فقط.. حنان.. وقد اعتقدت أني ملأت يدي بالصديقات!

- ألم أقل لك إن الصداقة الحقيقة شيء ثمين ونادر.

- معك حق. كان لابد أن أمر بتجارب قاسية حتى أدرك حقيقة الدنيا والناس.

صمتت هنيهة، ثم أضافت تقول وقد بدأت تكتسب بعض حكمة أمها:

- علمتني تلك الدروس أن أكتسب بدل غفلتي وسذاجتي فطنة وذكاء، وأن لا أبالغ في حبي وتضحياتي وحسن الظن بالآخرين، فمع المبالغة تدوسنا الأقدام، ويحتقرنا الناس.

ألم يربط المثل الفرنسي بين الطيبة الكبيرة والبلاهة الشديدة؟ لذا يجب أن نتحرى الاعتدال في كل شيء حتى في مشاعرنا.

قالت الأم الحكيمة:

- المغفل الصادق خير من الفطن الكاذب، لأن الله مع الأول، سيتكفل بحمايته والدفاع عنه لصدقه، أما الثاني فعليه كذبه ولن تنفعه فطنته.. ويكفي أن الأول سيحشر مع الصادقين ولو عانى من غفلته، أما الثاني فيكفيه أنه سيحشر مع الكاذبين ولوعاش مزهواً بفطنته.

ثم أضافت:

- احمدي الله على أن تبقى في غربالك صديقة واحدة وإلا لخرجت من تجاربك كلها صفر اليدين!

بدا على نجوى الشرود إثر سماعها كلمات أمها، فكلامها كبير يستدعي التفكير الطويل.. قالت الأم محتارة:

- هل قلت شيئا آلمك؟

أمعنت نجوى النظر إلى عيني والدتها، وقالت ببعض الحزن:

- سأكون أكثر صراحة معك يا أمي.. في الحقيقة حتى حنان لا تكون دوما عند حسن ظني بها، ولا أجد ما أنتظره منها في كثير من المواقف، إنما ألتمس لها الأعذار دوما، وأقول: إن الكمال لله وحده.

سكتت الأم ولم تقل شيئا، فيبدو أن معاناة ابنتها أشد عمقا وتأثيرا. لكن نجوى انبسطت أساريرها فجأة وهي تقول:

- يجب ألّا آخذ الأمور بهذه الحساسية المفرطة، وإلا فلن أرضى عن صديقة أو قريب. فبعد تفكير عميق وصلت إلى حل جذري لا يريحني فحسب، بل يذيقني سعادة أعظم!

- ماذا تعنين؟

سألت الوالدة مندهشة للتغيير الذي طرأ على ابنتها فجأة.

ردت نجوى مطمئنة وموضحة:

- سأدرب نفسي على أن أحب في الله حبا خالصا لا شائبة فيه، وسأحاول أن أكون أوسع قلبا، وأرحب صدرا، وأكثر حلما، ولأغض الطرف عن عيوب صديقاتي ومعارفي وأخطائهم، ولا أطالبهم بما ليس في مقدورهم، ولأعطي كما تعودت دون أن أنتظر منهم شيئا مادام عطائي لوجه الله تعالى خالصا، فإن خذلني الناس لا يخذلني رب الناس.

لم تعتقد الأم أن يصل تفكير ابنتها إلى هذا الحد من النضج، فقالت مهنئة:

- بارك الله فيك يا ابنتي، فما ضاع سدى ما كان لوجه الله تعالى خالصا.. الآن فقط اطمأننت عليك، فقد وجدت طريقك الصحيح في الحياة.

ملأتها التهنئة غبطة وسرورا، فشجعها ذلك على أن تضيف قائلة:

- وعلى هذا الأساس فقد امتلأ غربالي بالصديقات من جديد، ولن ألوم أحدا على شيء بعد الآن لأنني أحمل من الرضى النفسي ما يغنيني عن كل لوم وعتاب.

صمتت قليلا، ثم قالت معقبة:

- لكن...

- لكن ماذا؟

سألت الأم في حيرة. فردت نجوى وهي ترتدي ثياب الحكمة مثل والدتها:

- هناك شخص واحد فقط على وجه الأرض لم يخذلني يوما، أوقن بحبه الكبير وتضحيته من أجلي بالغالي والنفيس.. كلما طلبته وجدته، وكلما فررت إليه من غدر الدنيا والناس شملني بعطفه ورعايته، وما كان لي يوما إلا أحسن مما أظن، ولهذا كله فأنا أرى هذا الشخص أحق بصحبتي والأجدر بحبي!

ملأ الفضول وجه الأم وتعجبت كيف يكون لنجوى هذا الصديق في حياتها ولا تعرف عنه شيئا. اعتقدته شابا قد يتقدم لخطبتها، فقالت توبخ ابنتها:

-       ألديك حبيب وأنا لا أعلم؟

لوحت نجوى بكلتا يديها تدفع التهمة عنها:

-       لقد ذهب فكرك بعيدا.. فلا تسيئي الظن بي رجاء.

تحول فضول الأم إلى حزن آسر. قالت بخيبة أمل:

- لم أكن أعلم إذن أنك تخفين عني أهم ما يحدث في حياتك، كان الأجدر بك أن تحدثيني عن هذا الذي تصفينه بهذه الصفات الرائعة؟!

ضمت نجوى أمها إلى صدرها بقوة وهي تقول بدلال:

- إنها أنت يا أمي من أتحدث عنه.. نعم، إنك الوحيدة حقا من أشعر في حضنها بالأمان الكامل والاطمئنان غير المشروط.. تمنحين حبك بسخاء وصفاء دون أن تنتظري مقابلا، أو تطالبي بالشكر والامتنان. صدقك ليس له حدود، وإخلاصك لا مدى له. إنك مستودع أسراري، ومكمن آمالي وآلامي، ومصدر قوتي وثباتي!

اغرورقت عينا الأم بالدموع، وأرادت أن تقول شيئا فخذلتها العبرات. لكن نجوى أكملت تقول باندفاع:

-       قضيت سنوات من عمري أبحث عن الصداقة الحقيقية والحب الحقيقي وهما بين يدي وفي عقر داري.. عند من وضعتني وربتني وأعطتني عطاء لا حدود له.. منذ الآن لن أبحث عن صحبة أحد حولي، فصحبتك تكفيني وتغنيني، فهل تقبلين صداقتي يا أمي؟

قالت الأم ساخرة:

-       والله أخشى أن أسقط من غربالك فلا يعثر أحد على أثر لي!!!

على صدى ضحكاتهما تعانقت الصديقتان، وتعاهدتا على الصدق والوفاء في زمن قل فيه الأوفياء.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب