الأعمى
كتب  د.عمر محمود الراوي ▪ بتاريخ 30/07/2019 07:30 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

   كنت مهموماً وشارد الذهن، وأسير مسرعاً في سوق مزدحم، فاصدمت بشاب طويل، أشقر الشعر، وعيناه زرقاوان، ووجهه ممتلئ، فصرخت به:

–     هل أنت أعمى؟!. وقف مكانه ينظر بعيداً عني، وقال بعد أن أخذ نفساً:

-     نعم، أنا أعمى يا أخي، فلا تلمني!.

أصابتني قشعريرة، وضاق نفسي، وكدت أسقط على الأرض، فقلت له:

- المعذرة يا أخي! ولكن لا يظهر عليك.

- نعم، الكل يقول ذلك، ولا يعرف هذا إلا امريكا.

 سرت مسرعاً، وتركته يسير في الزحام، وفي ذاكرتي قوله الغريب! فما له وأمريكا!؟.

في اليوم التالي؛ وبينما أنا جالس في مسجد الحي، وإذا بالشخص نفسه واقفاً يصلي. جلست جنبه وبعد أن أتم صلاته، وسلمت عليه؛ قلت له:

- أنا الذي صدمتك البارحة، وأكرر اعتذاري، ولكن ما شغلني قولك الغريب: لا يعرف ذلك إلا أمريكا! ولو أن ذلك فضول مني، فما لك وأمريكا!؟

 سكت قليلاً وكأنه يستعيد ذكيات ماضية، وقال:

–     تعرف يا أخي أن أمريكا ضربت بلدنا، واستعملت كل الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، وأنا كنت حينها جندياً في جبهة القتال جنوب الناصرية. توقف عن الكلام وظل صامتاً، وعيونه شاردة، ودموعه تنزل على خده، فقلت له:

–     لقد أقلقتني يا أخي، وزدت عليَّ همي، أفلا تتكلم بشيء!؟  فقال لي:

-       أنت لا تعرف قصتي، وانا لا أحب ذكرها لأحد. أمسكته من يده، وقلت له:

-       أرجوك يا أخي.. إن صبري قليل، وإن لم تقص علي قصتك فلن استطيع النوم، وقد تضحك علي من ذلك.

كنت أتكلم وهو شارد حزين، نظرت إلى هذا الشاب المفعم حيوية، وكأنه لم يمر به كمد أو همٌّ في حياته، رجوته حتى تكلم، وقال:

– سأقص لك قصتي، ولكن خارج المسجد.

أخذته من يده وخرجنا، وجلسنا على مقاعد موضوعة في مدخل المسجد، وكان الجو جميلاً وهادئاً، ونحن وحدنا، فقال:

-       هل ترى على وجههي أثر حزن أو همٍّ؟. قلت له:

-       لا، والذي يراك يظنك أحسن الناس حالاً وأسعدهم. فقال: 

-       فعلاً، وهو كذلك، ولكن سعادتي بإيماني بالله؛ هو الذي يمدني بالصبر والقوة التي تجعلني أرى العمى نوراً، وأقول: لعل الله أخذ عيني حتى لا تأخذني بسهام الشيطان إلى النار، وأرى فقدي لأهلي بان الله أرادني أن أكون من عياله، وقد يختصني أكثر، وكلما تذكرت حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير خلق الله، وقد اختاره ؛ قلت في نفسي: أرجو ان يكون ذلك اختياراً لي من الله، فأفرح وأنتشي على ما أنا فيه، فأسعد بقرب الله.

 – لقد شوقتني يا أخي.. فهل فقدت أهلك وبصرك!؟ أخبرني بالله عليك؛ كيف ذلك!؟

 اعتدل في جلسته، وأدار رأسه نحوي وكأنه يراني، وقال:

-       كنت شاباً يافعاً وعمري زاد على العشرين، وكان أهلي من الأغنياء، ووالدي مسؤول كبير في الدولة، وعندنا بيت كبير، ومال كثير، وكانت لي سيارتي الخاصة بي، ومصروفي بغير حساب، وقد طاشت بي الدنيا، وانحرفت عن الطريق الصحيح، ولم يلمني أحد، فلا والدي يهتم لذلك، ولا أحد من أهل بيتي إلا جار لنا كان من أهل الله. كان يذهب أمامي إلى المسجد، وأنا أضحك عليه، ولكني كنت أحبه كثيراً. وكذلك كل أهل الحي يحبونه، وكان بين الحين والحين يجلس جنبي بباب بيتنا، ويحدثني عن شيء لم أكن أفهمه! كان يذكر لي حلاوة الإيمان، وسعادة الدين، وعن الصلاة والقرب من الله.. وكم مرةٍ قال لي: إنه في صلاته وصومه في سعادة أضعاف أضعاف سعادتي بعبثي ومجوني. لم يكن فقيراً، وله دار تضاهي دارنا، فكان كلامه يؤثر في نفسي، وكنت ألوم نفسي بعد كل فعل سيئ، وأتذكر هذا الجار الطيب، ولكن شبابي وجمالي ومالي منحني قوة كبيرة، أستعملها في تحطيم الأخلاق، وتماديت في كل شيء.

       وعندما حشدت امريكا الحشود لنا كنت انا جنديا في الاحتياط وذهبت الى منطقة الناصرية ولكني لم اصبر ولا يوم واحد وهل اترك بيتي وراحتي ومتعي وسيارتي لشيء لا افهمه وهو الذود عن الوطن والدين ؟! لكن فراري لم يرضي والدي الذي طردني من البيت خوفاً من المسؤولية وعندما بدأ القصف على المدن والطائرات تهدم البيوت وتقتل الناس بلا رحمة  بحجة وبدون حجة كنت انا لا زلت حالما ماجناً فهم لن يصلوا لي وهذا اهم شيء وكنت اتنقل من بيت قريب لي الى اخر وكانت سيارتي معي وفي جيبي مالاً يكفيني اعواماً وكنت غائباً عن الوعي .

في يوم قررت الذهاب الى بيتنا الكبير لأرى اهلي وخاصتاً امي وكذلك حن قلبي لأن اسمع من صديق مجلسي وجاري الشاب الطيب ولكن ما استدرت الى شارع بيتنا واذا بي اشاهد كتلة من نار عظيمة سقطت على دارنا واهتزت الارض واندفعت السيارة وكادت ان تنقلب اطفأت مسجل السيارة والذي كانت احدى المغنيات الماجنات تغني وباعلى صوت عندها عاد لي وعيي وبدأت اسمع المضادات الارضية وانين الطائرات واصوات انفجار القنابل ولم اكن اسمعه قبل ذلك وكأني كنت نائماً فانتبهت حتى ظننت نفسي شيئا اخر . اقتربت من البيت الذي تهدم اخره واخرج المتطوعين من تحت الدار والدي ووالدتي واخوتي الثلاثة واختي الكبيرة اما اختي الصغيرة وكان عمرها اربع سنوات فكنت اسمعها من تحت الانقاض تبكي وحاولنا ان نصل اليها ولكت مضت ساعات ولم نستطع انقاذها وحدث انفجاراً شديداً بعد ظهور رائحة الغاز المتسرب من طبغ البيت المتهدم وبعدها سكتت اختي وسكت الامل الباقي في قلبي لأن ارى احداً من اهلي حياً واقفاً معي .

سكت قليلاً وكانت الدموع تصبب من وجهه بغزارة ، تركت الناس يحفرون الانقاض وجلست الطم وجهي امام الدار فتذكرت جاري وصديقي فتذكرت صديقي وجاري فنظرت الى دارهم الذي لم اكن اره واذا به مصاب كذلك وقد اخرجوا جثثاً من تحت انقاض بيتهم ولكنه اخرج بصحة جيدة . كان يوماً رهيباً علي ولكن كان صحوة وانتباه فعرفت مكاني وقيمتي الحقيقية كأنسان لا كحيوان وفي اليوم التالي وبعد ان دفنت اهلي احسست انني دفنت معهم الماضي واني اولد من جديد واول شيء قمت به هو مرافقة صديقي وجاري ومشيت معه على طريقته فتعلمت الصلاة والايمان وطريق الرحمن ولأن بيوتنا تهدمت فكنا نبيت في المسجد وكان يطول الحديث بيننا كان يقول كلاماً جميلاً يهز اوتار القلب

–     قال يوماً بالرغم من ان الالم يعتصرنا على اهلنا واقاربنا ووطننا لكننا لسنا طلاب ثأر لدنيانا وسنحارب امريكا لانها تحارب الله واهله وما جاءت الا قاصدة الاسلام الذي هو اكبر عائق اما سيطرتها على العالم لذلك نحن نحاربها فنحن لا نريد ان نغير حياتهم كما يقولون ويدعون بل هم يريدون تغيير حياتنا لنكون عبيداً لها ولليهود ولن ندعها لاتقضي على ديننا وهذا هو اقوى دافع للجهاد في سبيل الله . قال لي يوما سنذهب مع مجموعة متطوعين لقتال الجيش الامريكي في الناصرية فقتالهم اصبح فرضاً على كل مسلم كنت مندهشاً من فق+هه وارائه حتى كنت اظنه عكس ذلك او لاقل افهموني عكس ذلك!

–       وهل ذهبتم الى هناك؟ قلت له وكنت استعجله بالكلام فلا صبر لي.

 ـ اصبر يااخي ساكمل لك نعم ذهبنا الى وحدتي العسكرية سويةً وكان نشيطاً جداً بينما كنت ثقيلاً كان كالغزال يركض كيلو مترات ولا يتأثر وكانه كان مدرباً لسنوات وبالرغم من حركته الكثيره بالنهار الا انه كان يقضي معضم ليله بالصلاة وأستطاع هو و ثلاثة معه ان يتسللوا مسافة بعيدة ويصيبوا قاعدة امريكية موقتة لسمتيات وعادوا سالمين وبعد ايام وبينما كنت اقاتل وبالرغم من ان الطائرلت فوقنا فلم يتسلل أي خوف الى نفسي وبالرغم من ان الدبابات نراها امامنا لكنها لم ترعبنا وبقينا نقاتل بقوة ولم يستطيعوا ان يصيبوننا لكثرة تنقلنا وحركتنا وفي احد المرات اطلقوا علينا شعاعاً يعمي العين وبالرغم من ان صديقي كان يناديني باعلى صوته لاتنظر لاتنظر لكنه كان متاخراً فاصابوني بعيني التي احسست بها ناراً ونقلوني الى المستشفى ورجعت الى مدينتي بينما بقي صديقي في الجبهات يقاتل ولا زالت صورته في مخيلتي حاملاً راية الله واكبر يهزها بيده واسمعه ينادي بأعلى صوته الله واكبر .

قالوا لي انت اصبحت مجنوناً لفقدك صديقك اذ لم يعد من الجبهات بعد ذلك وكما ترى فاني فقدت عيني واهلي واصدقائي ولكني لم افقد رحمة الله التي احسها في داخلي فتمنحني السعادة فان الله انقذني . بكيت ولم ابكي قبلها فنحن الاطباء تجلدت قلوبنا فقلت له

– وهل عرضت نفسك على الاطباء؟ فحالتك يمكن علاجها وبالرغم من اني لست طبيباً للعيون ولكني اعرف ذلك فقال لي لقد عرضت نفسي مرة واحدة لاخصائي عيون ولم يبشرني بخير ولأني الان فقير جداً فلا حيلة لي وقد مضى علي سنة كاملة وان بدون اهل ولا دار واعيش في المسجد اتفقنا على اللقاء في اليوم التالي وذهبنا الى صديق لي اخصائي بجراحة العيون وبعد فحص دقيق اخبرني بامكان اجراء عملية جراحية يستعيد بها بصره ان شاء الله فان الاصابة بحروق الليز يمكن شفائها ولكن هذه العملية لا يمكن اجرائها لنقص المعدات بسبب الحصار ولا تتم الا خارج العراق ومكلفة جداً سألته هل لديك مالاً او أي شيء تبيعه؟

–     لا لا املك شيئاً

–     – وبيت اهلك اين ذهب

–     لم اعد اليه منذ هدم ولما اني ذهبت مباشرة الى جبهات القتال واصابني ما اصابني فلم يخطر ببالي بيت اهلي

–     اذن فكل ممتلكات اهلك ومصوغاتهم موجودة تحت الانقاض؟

–     قال لي لا ادري فربما يكون ذلك . ذهبت معه الى داره لقد ترك كما هو ولم يمسه احد بينا الدور الاخرى كلها عامرة واعيد بنائها بصورة جيدة – سنأتي بعمال غداً وتحت اشرافي سنرفع الانقاض ولا تشغل بالك بالتكاليف فسأتكفل انا بذلك . في اليوم التالي بدانا برفع الانقاض واستمرت العملية اسبوعاً كاملاً استخرجنا اثاثاً بصورة جيدة ووصلنا الى المكان الذي نظن ان المصوغات والمدخرات موجودة فيه وفعلاً وجدنا كمية كبيرة من العملات الاجنبية والذهب لدرجة لا تصدق فقلت له

–     لقد اصبحت غنياً جداً يا اخي وبعد ان بعنا معظم الانقاض والاثاث بنينا بيتاً صغيراً مكانه وسافرت معه الى بلد قريب حيث اجريت له العملية وكان يوم رفع الضماد مشهوداً فلما رفع الطبيب الضماد عن عينه سأله هل ترى شيئاً فقال لا واعاد عليه ومسح له عينه ووضع له قطرة ومسحها مرة اخرى فقام من مكانه ونادى باعلى صوته الله اكبر الله اكبر حتى اجتمع علينا الكثير من المرضى والعاملين في المستشفى ووزعنا عندها الحلويات ورجعنا بعد ايام الى مدينتنا العزيزة وبكى كثيراً عندما رأى بيته وتذكر السيارة فقد تركها مودعة عند صديق له وفعلاً ذهبنا الى ذلك الصديق الذي فرح به وكان قد رصف السيارة في الكراج ولا زالت جيدة وبعد ان ركبنا لها اطارات جديدة اخذناها واعدنا تنظيفها فعادت كانها جديدة تماماً وفتح الله على اخينا كما فتح على نبيه ايوب بعد ان شافاه من سقمه فانه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين وتزوج وله الاولاد والبنات وبيت عامر جنب المسجد الذي بناه من ماله الخاص وهو الان عوناً لكل فقير ومحتاج ودائماً يقول هذا فضل الله فلن ابخل به على عياله .

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب