مسرحية قبس من قس بن ساعدة الأصنام
كتب  د.مصطفى عطية جمعة. ▪ بتاريخ 28/07/2019 09:14 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

المشهد الأول: انتصاب الأحجار

(بقعة من الضوء – في ظلام المسرح - تظهر شيخا بدويا بملابس عربية تقليدية، يميزها عباءة غامقة، وجلباب أبيض فاتح، وغترة وعقال غليظ على رأسه، الشيخ يتحرك بهدوء بين الظلام والضوء، الظلام يوحي بالسماء ليلا، حيث النجوم اللامعة ينساب سناها فيبدد بعض الظلمة، أما بقعة الضوء فمصدرها القمر، المتراقص في السماء، ينافس النجوم ويقهرها. نشاهد ظلال الشيخ متناثرة على أرضية المسرح،وهو يقف مخاطبا نفرا أمامه، تبدو ظلال شخوصهم، وهيئاتهم وهم بين جلوس ووقوف، ونسمع همهماتهم وأصواتهم المتحاورة والمتداخلة، ونلاحظ كثبانا رملية، وشجيرات، وخياما عن بعد)

الشيخ: ما أجمل الليلة! القمر أحال الرمال بحرا فضيا، والظلام خيوطا برونزية، تارة تتلوى في عيوننا، أو تترى فتأخذنا بسوادها، أين أنت يا عنترة؟ يا من خاصمت الليل، وهربت منه إلى قيظ النهار، كيف تقول؟

ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي   بصبح وما الإصباحُ منك بأمثلِ

     فَيَا لَكَ مَنْ ليــــــــــــــــــْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ   بكــل مُــــــــــــــــغار الفتل شُدّت بيذبل

  عجبا من أمرك يا عنترة! أتهجو الليل؟ ليتك تدرك متعتنا، فتعطينا من نظمك ما يأخذ بلبّنا، ويثير قريحتنا، وبدلا من أن نلقي شعرا، ننشد غناء.

الرجل 1 (مصدقا على مقالة الشيخ): كأننا نسبح في السكون، سماء ونجوم وأقمار ورمال، ونحن في جلستنا، وقد فارقنا مضارب قبيلتنا، هم في نومهم مضطجعون، ونحن في سهرنا ضالعون.

الرجل 2 (مواصلا): والقمر يلهو معنا، غير عابئ بالبشر المنضوين تحت نوره، فقد اختصنا بالضياء كله، انظروا إليه وقد زحف على النجوم فاحتواها، وجعلها تتوسل السنا منه، وهو يأبى إلا أن تستوي تحت لوائه.

الشيخ (حالما): لو مددنا البصر لرأينا "تهامة" تصافحنا، وقبائلها تنافحنا، وشعراؤها يتغنون معنا.

الرجل 3: ولما استحضرت تهامة يا شيخنا؟ وحرها متقد وريحها متئد، وجبالها تنتصب، فتراها النفوس وترتعد.

الرجل 2: ودائما تردد تهامة، فتقحمها في سمرنا.

الشيخ: تهامة معشوقتي، أهيم بها، وليتني ما نزلت من جبالها.

الرجل 1: أين نحن منها؟ ولم عشقتها؟

الشيخ: لو ارتقيتم جبالها، لشعرتم أن الأرض تحت أقدامكم، فعلى ذراها يمكنكم معانقة القمر، واللهو بالنجوم، والاتشاح بالضياء.

الرجل 2: وماذا لو دنوت من السفح؟

الشيخ (متنهدا): الدنو يعني أن البحر على اتساعه ينتظرك، فلا تتوانَ عن الدنو، فما هي إلا دقائق، وتجد أمواج البحر تداعب أقدامك.

الرجل 3: هذا في السفح، فماذا لو استويت على رمالها؟

الشيخ: ستحتويك قبائلها، وستغدو بين حكمائها، فهي الصلة بين اليمن بحكمته، والحجاز بهديه.

الرجل 2: شوقتنا أكثر، وإن حارت عقولنا..

الرجل 1: كأنك تهذي بنا ولنا، أفصح يا شيخ العرب.

الرجل 3: دعك من هذا، وأخبرنا عمن وجدته في تهامتك.

الشيخ: وجدت صخورها تبوح بحكايات الحكماء.

الرجل 1: كيف هذا؟

الشيخ: ألم تعوا خبر زياد بن عبيد القيسي؟

الرجال في صوت واحد: إنه من بني قيس.. ما أعظم شأنهم في بلاد العرب!

الشيخ: اسمعوا خبر الرجل، لتعلموا أن قيسا أبدعت بلسان زياد.

(يضاء جانب من المسرح، حيث نشاهد أعرابيا بدويا، يدنو من القوم الجالسين، وتتسع مساحة الضوء أكثر، فنرى بعض وجوههم، والشيخ يتوسطهم، والزائر الطارق يعلن عن نفسه)

القادم: أنا زياد بن عبيد القيسي.

الرجال (في همهمة): حياك الله أخا العرب.. ما خبرك؟

زياد: كان عشقي سببا كي أعشق تهامة، ومعرفة سيدها.

الرجل 1: وكيف كان ذلك؟

زياد: هل سمعتم يوما أن عقيلة أذلّت رجلا؟ كنت أنا الرجل الذليل بالعشق، حين صبوت إلى إحدى بنات الحي، شدهني جمالها، أركب لها الصعب والذلول أنشد الكسب، فلا أترك مطرحا، أظن فيه متجرا وربحا، إلا وقد أتيته، أتنقل بين السهل والجبل، والجبل والسهل، حتى انحدرت إلى بلاد الشام.

الرجل 3: عجبا، أبعدتنا عن تهامة إلى الشام!؟

زياد (غير منتبه للسؤال): ذهبت أريد لبّة العرب، ودهماء الموسم، ومعي أثاثي، فإذا أنا بقباب منصوبة، عند شعف الجبل، فعرفت أن القوم اجتمعوا لأمر عظيم، فالقباب مجللة بالأنطاع، وإذا أنا أشاهد جزرا([1]) تُنْحَر، وأخرى تساق للنحر، وإذا أنا أمام الآكلين، والحاثين للطهاة، القائلين: العجَل، العجَل.

(يصمت كأنه يعيش الحدث، ناظرا إلى ضي القمر، مستمتعا بالظلام)

الرجل 1: وماذا بعد أيها العاشق؟

زياد: سمعت رجلا جهوري الصوت، واقفا على ربوة من الأرض، ينادي: يا وافد الله الغداء. وهناك آخر ينادي على مدرجة من الأرض: ألا من طعم، فليخرج للعشاء. فوالله أعجبني ما رأيت، وعزمت أن أمضي لأشاهد عميد هذا الحي، فقد علمت أنهم وافدون على أرض الشام.

الرجل 2: وماذا شاهدت يا ابن عبيد؟

زياد: وجدته جالسا على عرش ساج([2])، وعلى رأسه عمامة سوداء تظهر من تحتها جمة فينانة([3])، وقد ائتزر بيمنة([4])، وتردى بحبرة([5])، وكأن نجم الشعرى تطلع من جبينه، وإذا بشيوخ حوله، ما يفيض أحدهم بكلمة، وإذا خوادم حواسر عن أنصاف سوقهن حوله، فأكبرت ما رأيت من هيئة الرجل.

الرجل 1: لقد شوقتنا عمن يكون هذا الرجل؟

زياد: لن تصدقوا، لقد كان هاشم بن عبد مناف..

الرجال (متعجبين): جد نبينا العظيم (صلى الله عليه وسلم).

زياد: وأي جد هو! وأي رجل كان! لقد توقعت أن يكون المبعوث نفسه، فقلت له: السلام عليك يا نبي الله، فرد علي وقال: لست به، وليتني به، وأسرع القوم فأنبأوني أنه ابن عبد مناف. فقلت: هذا والله السناء والمجد.

الرجل 3 (متسائلا): أكاد ألا أصدقك أيها القيسي؛ كيف علمت بخبر المبعوث ولم يظهر خبره، ولم يكن أبوه قد وُلِدَ بعد؟

زياد (ضاحكا): ألم يصلكم أن يهود يثرب أشاعوا أننا في زمان أوشك نبي فيه على الظهور، وأنه سيخرج منهم، وسيفاخرون العرب به، ويتسيدون عليهم.

الرجل 1: وهل هذا كان معلوما في مضارب القبائل؟

الشيخ: أي والله، كان معلوما، (متوجها إلى زياد) لم تخب فراستك يا زياد، وأنت تظن أن هاشما كان نبيا، فمن صلبه خرج محمد وشرف العرب به.

زياد: كان أهل الحكمة يرون الأصنام باطلا، والعقول محشورة في أحجارها، والقلوب أشد صلادة منها.

الشيخ: دعني أُعلمك يا زياد بشيء.

زياد: وما هو؟

الشيخ: لقد رووا خبرك مع هاشم، إلى معاوية بن أبي سفيان، وهو خليفة على من آمن بالنبي من العرب والعجم، فسمع كلامك، وتعجب من حالك، وقال: لها الله قيس! ما رأيت كلاماً أفصح من هذا، وأشهد أن قيساً قد أخذت لباب الفصاحة.

زياد: لا معنى للفصاحة دون حكمة، والحكمة تهامية.

الرجل1: تهامية أم يمانية؟

زياد: كلاهما، فالسائر في تهامة واصل لليمن، والقادم من اليمن لابد أن يمر بتهامة، وفي تهامة الحكماء وأهل الفصاحة والدهاء.

الشيخ: حسنا ما قلت يا زياد، (وتطلع للقوم وقال): تهامة فيها مكة ببطونها، وإياد بحكمائها، وثقيف ببلغائها.

الرجل 2: وكان فيهم أيضا عمرو بن لحي.

الشيخ: لعنة الله عليه.

الرجل 3: يقال إنه كان من أهل السوس والسياسة.

زياد: إن أشق الناس من يؤتيه الله ذكاء ومنعة وعطاء، ويورث قومه ضلالا.

الشيخ: كأنك يا زياد عالم بما أحدث ابن لحي في قبائل تهامة وسائر العرب.

زياد: لو أتيتَ زماننا، لعلمتَ أن العرب علموا بخبر عمرو، ولكنهم خضعوا لأوثانه، فقد اشترى بطونهم، وأعمى عقولهم.

الرجل 1: وكيف كان ذلك أيها القيسي؟

زياد: عمرو بن لحي من قبيلة خزاعة، جاءوا من اليمن، ومروا بتهامة.

الرجل 2: وأين كانوا يقصدون؟

زياد: قصدوا الشام، ولكنهم ارتكنوا في مكة، وقريش - وقتها - كانت بيوتات وعشائر متفرقة، فنزلت خزاعة في ممر " الظهران "، وعينهم على مكة وكعبتها، وخزاعة سُمّوا بذلك لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر..

الشيخ (ضاحكا): ألم تأتك مقالة عون بن أيوب الأنصاري ثم الخزرجي:

فلما هبـــــــطنا بطــن مــر تخزعت      خزاعة منا في حلول كراكر

حمت كل واد من تهامة واحتمت    بصم القنا والمرهفات البواتر

زياد: صدق عون، وقد استطاعت خزاعة القيام على خدمة البيت في مكة وسدنته، فنالت الشرف والسؤدد، وتزوج قصي بن كلاب من " حَبى "، ابنة حليل بن حبشية الخزاعي، وأنجب منها أربعة من أبنائه: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا.

الرجل 3 (حائرا): قصي سمّى أولاده بعباد العزى ومناف والدار.

زياد: لا تحتر يا بني، فإن الأصنام ساعتها قد أصمت العقول والألباب، وقد سبق زمن قصي وصهره حليل زعيم خزاعة عمرو بن لحي.

الرجل 2: ولكن قريش من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وكانوا على الحنفية، وطافوا حول الكعبة بتعاليمها، ووفد العرب إلى مكة مقدسين لها.

زياد: كانوا.. ثم صاروا.

الرجل 1: وكيف صاروا؟

زياد (متنهدا بحرقة): أشرفت خزاعة على البيت ثلاثمائة عام، وقيل خمسمئة، وقد ساسوا العرب، فانقادوا لهم، واقتدوا بزعيمهم عمرو بن لحي.

(على الجانب الآخر من المسرح، يبزغ ضوء قوي، ونرى عمرو بن لحي طويلا مهابا، يلبس الغالي من الثياب، و خلفه الكعبة وما حولها من بيوت، وهو واقف ينادي في بعض قومه)

عمرو: اشهدوا يا قوم، سأفقأ اليوم عين عشرين بعيرا.

أصوات قومه (مرحبين غير مصدقين): أنت بها ولها يا سيد خزاعة، لن تصيبك مضرة، ولن تذهب بك إلى حرّة.

وانبرى أحدهم صائحا: قد وفّيت بقسمك، وأبررت عهدك، اليوم امتلكت عشرين ألف بعير، وها أنت تفقأ عن كل ألف عين واحد من البعير، فتمنع عنك عيون الحساد والحاقدين.

(يتمشى عمرو بن لحي وسط قومه، ونشاهد إبلا تساق قريبا من ساحة الكعبة، حيث تفقأ عيونها، ثم تنحر للناس، إظلام تام في هذه البقعة، ثم إضاءة، ونشاهد نفس المنظر السابق: الكعبة، والحجاج حولها، ويبرز عمرو بن لحي، مرحبا بالعرب الوافدين)

ابن لحي: مرحبا بكم حول البيت الحرام.

أصوات: شكرا لك يا سيد خزاعة، يا أفضل من يحسن الوفادة.

ابن لحي: هل لكم في حاجة؟

أصوات: يكفي ما قمت به من كرم الضيافة.

ابن لحي: إذن، فاشهدوا وأعلموا من تركتم في رحالكم، ومن أبقيتم في مضاربكم، ومن ستمرون بهم في عودتكم ؛ هم في أمانتنا ورعايتنا.


(مخاطبا أتباعه من خدم وعبيد): انحروا اليوم للحجيج عشرة ألف بدنة (ناقة)..


(أصوات ناس مستبشرة، وهناك من يضرب طبلا، ويغني أهازيج)...


ابن لحي: ليس بعد.. واشهدوا أنني كسوت اليوم عشرة آلاف حاج، بحلل جديدة.

صوت 1: هذا ما لم يفعله قوم من قبلك، ولا شهدت به العرب في أيامها.  

صوت 2: ولم نسمع عنه فيمن سبقونا، وسيشقي بفعلك، من جاء بعدك.

ابن لحي: ليس هذا فقط، ففي كل عام ستشهدون منا: إننا في كل سنة سنطعم العرب، ونحيس لكم ولهم الحيس([6]) بالسمن والعسل، ونَلتُّ لكم ولهم السويق([7]).

(ينحسر الضوء عن ابن لحي، ويعود إلى زياد والبدوي)

زياد: هذا ابن لحي، ماذا تتوقعون منه، وكيف ينظر الناس إليه، والناس تحكي أنه كان سيد مكة وما حولها، تهامة من سفوحها إلى بحرها.

الشيخ: لابد أن يسمعوا ويطيعوا له.

زياد: فقط أيها الأعرابي؟

الرجل 1: لقد جمع الملك والعز والكرم والثراء.

زياد: كان قوله وفعله في قومه وفي كل من تحالف معهم كالشرع المتَّبع، لعلو شرفه فيهم، ومحلّته عندهم، وكرمه عليهم.

الرجل 2: عليه لعنة الله، فقد لعن العرب كرمه،وأغمطوا نسبه، وسبوا محلته.

(يتحول الضوء إلى عمرو بن لحي، وقد استراح تحت شجرة بعد رحلة طويلة على ظهور الإبل)

ابن لحي (لأتباعه): ها قد وصلنا إلى البلقاء، واقتربنا من الشام، كي ننجز أمورنا، ونبحث في تجارتنا، وأمور معاشنا.

تابع 1: عليك أن تستريح يا أميرنا هنا في البلقاء، قبل أن نشدّ الترحال إلى الشام، فما أطيب هواءها، وما أعذب ماءها!

تابع 2: وفيها بشر ولد عملاق.

ابن لحي: إيهٍ، سمعت عنهم، ورأيت أحدهم في قدومنا، ما أشد بنيانه، وأعظم جسمانه، لولا أني شاهدتهم بأم عيني ما صدقت ما يحكى عنهم.

تابع 2: البلقاء بلاد العماليق، وستجدهم قاطنين فيها على مقربة منا، تخشاهم القبائل، لقوة بأسهم، فهم يغيرون ولا ينهزمون.

ابن لحي: من أي نسل هم؟

تابع 2: سمعت أنهم ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، أو هكذا يقال عنهم.

ابن لحي: تعال معي، نتحسس أخبارهم، فليس من رأى كمن سمع.

(يتحرك ابن لحي مع تابع 2، ويبقى تابع 1، وآخرون في رحال القبيلة، إظلام ثم يعود ابن لحي، وخلفه تابعه، ومعهما ناقة عليها تمثال حجري)

تابع 1: مرحبا يا أميرنا، قد عدتم سريعا..

ابن لحي (منبهرا): والله ما صدقت ما رأيت، الرجل منهم يفوق سنام الناقة طولا، تراهم في سيرهم كأنهم كثبان رمال، بل إن الواحد منهم قد يحمل الناقة بذراع واحدة، ويدفع قطيع الغنم بقدمه دون عناء.

تابع 2: هذا أجمل ما في السفر، نرى ما نسمع به! لذا هؤلاء لا ينهزمون.

تابع 1: وما الذي تحمله وقد ناءت به الناقة.

ابن لحي: رأيتهم عاكفين على أصنام، فسألتهم عنها، فقالوا هذه أصنام نعبدها، نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فعجبت لهم، وحدثتني نفسي أن أفعل مثلهم، ونحن أقل منهم قوة، فقلت لهم: ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوني صنما يقال له: هُبَل، وهذا ما حملته على الناقة.

تابع 1: وهل يقبله العرب عندنا وما زال إيمانهم بالحنفية قائما؟

ابن لحي (بأنفة): قلوب العرب معلقة بأموالي، وعيونهم تترقب إشاراتي، وقد خبرتهم مرات، لا يتوانون عن طاعتي، وينشدون مرضاتي.

تابع 1: وأين ستضع هذا الصنم؟

ابن لحي: أفكر أن أضعه في جوف الكعبة، نتعبده، ونرجو النصر والخير منه.

(ينحسر الضوء عن ابن لحي وأتباعه، ويعود إلى زياد والبدوي)

الشيخ: وهكذا، زاحم ابن لحي بأصنامه الحنفيةَ ديانة أبينا إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وغرق العرب في الأوثان.

زياد (ضاحكا): ومرت السنون، وتحول الناس من عبادة الواحد الأحد، إلى التبرك بالأحجار، وعبادتها أيا كان شكلها.

الرجل 1: وكيف حدث هذا؟

زياد: كان لا يخرج من أهل مكة أي مرتحل يلتمس السفر أملا في الرزق، وبحثا عن مواطن أكثر سعة، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، وبلغ بهم الأمر، أنهم كانوا يعبدون ما استحسنوا وأعجبهم من الحجارة، حتى خلفت ذريتهم ذلك، ونسوا التوحيد.

الشيخ: وكانوا يصنعون الأصنام من التمر أو الحلوى أو الخشب ويذلّون لها ويخضعون، ويقدمون لها الذبائح والأطعمة ويلجأون إليها ويدعونها. ويروون أن الأحجار عزّت عليهم في الوديان، فإذا لم يجدوا حجرا جمعوا حثية من التراب، وجاؤوا بالشاة فحلبوها عليه ثم طافوا بها.

زياد: وقد عاصرت بنفسي تلبيةً من نسك هبل: "لبيك اللهم لبيك. إننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح".

الرجل 1: سمعنا من أجدادنا أن "هبل" كان أعظم أصنام قريش، وكانت تلوذ به وتتوسل إليه؛ ليمنَ عليها بالبركة والخير، وليدفع عنها الأذى والشر.

الرجل 2: وهو المقدم والمعظم عندها على الجميع، وقد نُصب على الجب الذي يقال له "الأخسف"، وكان بئرا في مكة، و العرب أسمته "الأخشف"، ويبدو أنهم أخرجوه من جوف الكعبة إلى خارجها، ولما كُسرت ذراعه، أبدلوها بذراع ذهبية.

الرجل 3: مات ابن لحي الخزاعي، ولم تستطع خزاعة أن تعدد مفخرة من مفاخره، بعدما تشبعت القلوب بهدي الإسلام، أما الأحجار المنتصبة فقد أحالتها معاول فاتحي مكة إلى ثرى تذروه الرياح.

(يتثاءب الرجل الثاني، ويتطلع إلى السماء)

الرجل 2: تجاوزنا الليل إلى منتصفه، فلنمض إلى خيامنا، نختطف سويعات قبل أن يأتنا آذان الفجر، فإذا أزف النعاس، فلا سلطان يعلو عليه.

الشيخ: اذهبوا أنتم، أما أنا، فسأخلد إلى نفسي، أسترجع أشعار قومي، فالنجوم يقظى، تبدد الظلمة حولي، وتؤنس وحشتي إلى أن تغرد طيور الفجر، معلنة رحيل القمر، واستيقاظ الشمس.  

(يتبع الفصل الثاني)


[1]) ما يَصلُحُ لأَن يُذبح من الشَّاءِ.

[2]) ساكن.

[3]) شعر طويل حسن.

[4]) برد من ملابس اليمن.

[5]) ثوب من الكتان مخطط، كان يصنع باليمن.

[6]) تمرٌ وأَقِطٌ وسمنٌ تُخلَط وتُعجَن وتُسوَّى كالثَّريد.

[7]) طعام يصنع من دقيق الحنطة أو الشَّعير، سُمِّي بذلك لانسياقه في الحلْق.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب