رسالة في الحث على حفظ العلم
كتب  د.عبدالقدوس أبو صالح ▪ بتاريخ 28/07/2019 09:04 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

     أما مؤلف الرسالة فهو أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الذي وصفه ابن خلكان بقوله: "وكان علامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ..."، وقال عنه ابن كثير: "جمع (من) المصنفات الكبار والصغار نحواً من ثلاث مئة مصنف".


      وأما الرسالة فتمام عنوانها "الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحُفّاظ". وقد بدأها ابن الجوزي بمقدمة قال فيها: "وقد كان خلق كثير من سلفنا يحفظون الكثير من العلم، فآل الأمر إلى أقوام يفرون من الإعادة مَيْلاً  إلى الكسل، فإذا احتاج أحدهم إلى محفوظ لم يقدر عليه.. ولما رأيت الكسل مستولياً على المتشاغلين بالعلم وضعت هذا الكتاب محرضاً لهم على الاجتهاد ومؤاخذاً على الكسل".


 

 جعـل ابن الجـوزي هذه الرسالة في سبعة أبواب:

 

 أولها في الحث على حفظ العلم،

 

 وثانيها في صفة من هو أهل للحفظ من حيث الخلقة والحلية،

 

 والثالث في الأدوية المعينة على الحفظ،

 

 والرابع في طريق إحكام المحفوظ،

 

 والخامس في ذكر الأوقات المعينة على الحفظ،

 

 والسادس في الإعلام بما ينبغي تقديمه من المحفوظ،

 

 والسابع في ذكر أعلام الحفاظ المبرزين.

 

وإذا كان المجال يضيق عن استعراض


هذه الأبواب فلا أقل من أن نلم بشذرات مفيدة مما جاء في أثنائها، ومن ذلك قوله في باب الحث على حفظ العلم: " قـال عبدالرزاق بن همام: كل عِلْمٍ لا يدخل مع صاحبه الحمَّام فلا تعدَّه..، وأنشد:


          ليس بعلم ما حوى القِمَطْرُ       ما العلم إلا ما حواه الصدرُ".


     ويقول في فصل تربية الصبي على الحفظ: "فإذا بلغ الصبي خمس سنين (وجب) أخذه بحفظ العلم.. فإن الحفظ في الصغر نقش في حجر".


     ويقول في طريق إحكام المحفوظ: "ينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ ليثبت معه المحفوظ..، وقال لنا الحسن النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إلـيَّ حتى يعاد خمسين مرة".


      ويقول في ذكر الأوقات المعينة على الحفظ: "ينبغي لمن يريد الحفظ أن يتشاغل به في وقت جمع الهمِّ، ومتى رأى نفسه مشغول القلب ترك الحفظ، وليحفظ قدر ما يمكن فإن القليل يثبت والكثير لا يحصل".


      وقد مدح الحفظ في السحر لموضع جمع الهم، وفي البكور، وعند نصف الليل..، وينبغي أن يريح نفسه من الحفظ يوماً أو يومين ليكون ذلك كالبنـاء الذي يُراح ليستقر".


     وقد خص ابن الجوزي الباب السابع لذكر الحفاظ المبرزين، واتبع في سردهم ترتيب المعجم، وذلك لأن "في ذكرهم والإشارة إلى ما حفظوا تحريضاً وحثاً للمجتهد، وتوبيخاً للمتكاسل".


     وكان أولُ علم من الحفاظ الذين ذكرهم هو الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ الذي قال فيه ابنه عبد الله: "قال لي أبي: خذ أي كتاب من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت تسألني عن الكلام حتى أخبرك الإسناد، وإن شئت تسألني الإسناد حتى أخبرك بالكلام".


     ونقل ابن الجوزي عن الإمام ثعلب قوله: "بلغت خمساً وعشرين (سنة) وما بقي عليَّ مسألة للفرّاء ولا شيء من كتبه إلا وقد حفظته".


     كمــا نقل عن أبي العباس بن عقدة قوله: "ودخل البرديجي الكوفة، فزعم أنه أحفظ منا، فقلت: لا تطوّل تتقدم إلى دكان وراق وتضع القبان – أي الميزان الكبير – وتزن من الكتب ما شئت ثم نلتقي عليها فنتذاكرها"، فبقي البرديجي مشدوهاً.


      ونقل من أخبار أبي عمر الزاهد أنه "كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر، فأملى يوماً على الغلام نحواً من ثلاثين مسألة في اللغة، وذكر غريبها، وختمها ببيتيــن من الشعــر. وحضــر أبو بكر بن دريد، وابن الأنباري، وابن مقسم عند أبـي عمـر القـاضي، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئاً، وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟. فقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر، ولا أصل لها ولا لشيء منها في اللغة وانصرفوا.


 فبلغ أبا عمر ذلك، فاجتمع مع القاضي، وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعر عيّنهم له، ففتح القاضي خزانته، وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج لها شاهداً من بعض تلك الدواوين، ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميعها. ثم قال: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر كتاب القاضي الفلاني. فلما أحضر القاضي الكتاب وجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر.


 وانتهت القصة إلى ابن دريد فلم يذكر أبا عمر بلفظة حتى مات".

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب