رسالة الإنسان والأدب
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 28/07/2019 08:26 ▪ تعليقات (3) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 91

 

ما يزال العلم الحديث يكشف يوماً بعد يوم جوانب جديدة في خلق الإنسان يقف العقل إزاءها مشدوهاً مذهولاً بعجائب الخلق، وعظمة الخالق، سواء في تكوين الأعضاء أو في وظائفها، أو في عملها، أو في أدوائها، أو في تفاعلاتها المجهولة، كيف تحدث!؟ وما المحرض الذي يصفها!؟


 ومثلما يكتشف عجائب في التكوين والوظيفة، يغوص وراء عجائب أخرى في النفوس والطبائع، وفي مكونات الميول ودوافع السلوك، ويجد العلماء النظريات تلو النظريات واحدة تكمل أخرى حيناً، وواحدة تهدم أخرى حيناً آخر.


 وتبقى التساؤلات تحير علماء النفس ودارسيه:


 لماذا نبتت هذه الميول في فرد أو فئة من الناس!؟ ولماذا غابت ميول أخرى!؟

 ما الذي جعل واحداً من الناس مشدوداً إلى قيم معينة، وآخر من الناس نافراً منها وربما مضاداً لها!؟


 وما أثر البيئة والنشئة وظروف العيش ومادياته في صنعها؟


 وهل هذه العوامل قادرة على صنع نماذج متماثلة من الميول والسلوكيات؟


ولماذا تنطبق تلك العوامل على بعضهم ويستعصي على بعضهم الآخر!؟


 وغير ذلك من التساؤلات التي تفتح الأبواب دائماً إلى المزيد من البحث والتنقيب، والتي تشعر العلماء أن الجهد الذي بذلوه في بحوثهم آتى ثماراً طيبة في حالات معينة، وأنه ساق إليهم الخيبة والشعور بالفشل في حالات أخرى.. لتبقى النفس البشرية عميقة الأغوار، وليبقى البحث فيها مفتاح الأبواب، وليدرك العقلاء والذين آتاهم الله وقدة الإيمان أن عجائب خلق الله لا تنقضي، ومن تلك العجائب النفوس التي تشعر أنها تحمل رسالة في حياتها، وأنها لا بد أن تؤدي تلك الرسالة.


وقد يكون هذا الشعور بصيصاً فطرياً، تنميه وتشبعه مؤثرات عدة، منها البيئة والنشأة، ومنها المعرفة والثقافة، ومنها التجربة والخبرة، غير أن أهمها وأشدها تأثيراً ولا شك الإيمان ونوعية العقيدة.. فالإيمان الذي تؤطره عقيدة سوية صحيحة تنمّي كل ما في الفطرة من إيجابيات، وتشذّب ما قد يظهر من طفيليات، وتخلص النفس من أوضارها، فتجد الذين بعقيدة صحيحة سوية لا غلو فيها ولا تطرف متفتح البصيرة، مدركاً للرسالة التي يحملها، واعياً لضرورة حسن أدائها، صابراً على ما يلاقيه من معوقات في سبيلها، موقناً بفرج الله وعونه.


وبين يدي نموذج من هذه الحالة الإيجابية المعطاء، تميزت بميزات عدة، أولها العقيدة الصحيحة السوية، وثانيها الإيمان القوي، وثالثها البصيرة الواعية، ورابعها القريحة الأدبية الغنية، وهذه ميزة يختص بها أصحاب المواهب وحسب، الذين يهبهم الله قدرة بيانية في الشعر أو النثر. وقد تقابلت تلك الميزات وتفاعلت، وقدمت لنا تجربة واقعية مصوغة بقالب شعري عذب، يحمل الفكرة والعبرة والجمال.


صاحب التجربة شاب اجتذبه العلم الشرعي، وأسهم في اجتذابه بيئته الصغرى: أسرته، فقد كان سليل بيت علم وتدين، هو مصطفى أحمد الزرقا الذي أصبح بعد حين واحداً من علماء جيله الأفذاذ، وممن ترك بصمات قوية في الفقه ولا سيما فقه الواقع والنوازل، وفي الوقف نفسه كانت له قريحة ثرة تبدع بين الحين والآخر قصيدة تصور جوانب من حياته، بهمومها وتطلعاتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، بدعوتها الله ووجدانياتها الخاصة، وجد هذا الشاب نفسه في أول مدارج حياته العلمية في وسط يعيش فيه التخلف، ولا يخلو من المحسوبيات والأنانيات والفساد أحياناً، ووجد القائمين على الموقع الذي يعمل فيه ما بين مستثمر لهذه الظروف السيئة، وما بين غير مبالٍ بالسلبيات مادام مرتبه مستمراً، وما بين متخاذل أعجزه الخوف عن قول كلمة حق صغيرة.


 واستشعر الشاب في نفسه أنه يحمل رسالة، وأن من أوليات هذه الرسالة أن ينبه إلى تلك السلبيات، وأن يدعو إلى الإصلاح بالتي أحسن، وخاصة أن الموقع الذي كان فيه هو مدرسة شرعية أسست لتخريج دعاة ومفتين ومربين، فبدأ حواره الهادئ اللين مع الآخرين، وسرعان ما تصدى له المستفيدون من تلك الحالة، وخافوا من أسلوبه اللين المؤثر فقاوموه بعنف، وانهالوا عليه بالاتهامات الظالمة، لكنه صبر وصبر، يقول مصوراً دوافعه الأولى لسلوكه درب التنبيه والإصلاح:


عزفت عن الملاهي حين أذني            وعت صوتاً يقول ألا أغثني

 

ضعيف الجرس مهموساً خفياً            وكل عنه مشغول بشأن

 

نظرت فلم أجد فإذا نداء                   يقول: أنا المروءة فاستمعني

 

فإني لا تراني العين لكن                  تُحِسُّ ضمائرُ الأحرار لحني

 

فكن ممن ضمائرهم تراني                وناضل في مناصرتي وأمني

 

فقلت لها: ظفرت إليك مني               أخائفة وليس إليك عني


ويدرك الشاعر أن مروءته التي هبت لتؤدي رسالة الإصلاح سوف توف مضنية وأنها ساقته إليه من المعاناة، فأخذ يبتهل إلى الله أن يعينه على ما يواجهه يقول:


إلهي في سبيلك كلُّ همي               أعنّي في مقاصده أعني

 

أحاطت بي فلم تترك مفراً             متاعب همها يوهي ويضني

 

وفي عنقي حقوق للمعالي             تلح عليَّ لا ترضى التأني

 

تقاضاني المروءة واجباتٍ             وتفرضها الكفاية فرض عين

 

حقوق بين أوطاني وديني             أراها طوقت عنقي بدين

 

تغافل أكفياء القوم عني              وقد ناموا على فرش التمني

 

نهضت بعيشها دهراً فولَّى           حماة الظهر في الميدان عني


ويصور الشاعر طبيعة ما يواجهه من المتخلفين الفاسدين وسوء ما يحملون من طباع وسلوكيات يقول:


وقوم قد أضاع الجهل فيهم           مقاييس الترفع والتدني

 

نبوغ النابغين إلى اختناق            وكل مبرز هدف لظن

 

يبيت لديغ بهتان وحقد               ويمشي بين حسّاد وضغن

 

جزاء المصلحين مزيد بغض        وإيذاء بألوان التجني

 

ذئاب مطامع فإذا دعتهم             مصالح دينهم فنعاج ضأن

 

همُو لُكْنٌ وفي الإفساد لُسْنٌ         فبئس القوم من لُكْن ولُسْن


ويمضي الشاعر يصور معاناته في دعوته إلى الإصلاح، وما لحقه من أذى يحتسبه عند الله في سبيل دينه وقيمه، ويختم قصيدته بروح متفائلة بفرج الله وتأييده، يقول:

 

عزائي أن بعد الليل صبحاً         وأن الله ذو فضل ومنِّ


لعلَّ لعلَّ للحق انتصاراً             سندركه غداً وتقر عيني

 

 

وبعد: فقد كان ما تأمله الشاعر، ونصره الله في دعوته الإصلاحية، بل فتح له أبواب الارتقاء إلى مدارج أعلى سواء في المؤسسة التعليمية الشرعية العليا، أو في البحوث الفقهية المفيدة للأمة، في حاضرها ومستقبلها، وصارت قصيدته الطويلة تلك -والتي اجتزأنا بما يسمح به وقت الحلقة شيئاً منها- قطعة من الأدب الإسلامي الذي يحمل تجربة إيمانية إصلاحية واقعية في بيان سلس جميل.

 

تعليقات القراء
عبدالوهاب الديروي Aug 01, 2019
روعة
د.خضر موسى محمد حمود Aug 01, 2019
التنشئة والبيئة النظيفة والوعي الاسلامي طريق الصلاح والاعمار
د.خضر موسى محمد حمود Aug 01, 2019
التنشئة السليمة والبيئة النظيفة والوعي الديني سُلَّم يرتقي بهم الانسان .

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب