شاب مغوار مستميت
كتب   ▪ بتاريخ 06/05/2019 12:09 ▪ تعليقات (1) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 89

 

ذات ليلةٍ ساجيةٍ كان خالد مستغرقًا في سباته العميق، فجأة استيقظ برؤيا أمرٍ مُقلقٍ فيما يراه النائم، نظر خالد هنا وهناك، الكون كله هادئ، يسود الصمتُ في كل جانب، لكن صوت الساعة يرنُّ في المسمع.. تِك تِك تِك... وأصوات صرّار الليل كذلك ترِنُّ...

هكذا استيقظ خالد من غفوته في منتصف الليل مرات وكرات، بعد أن رأى في منامه الكابوس المفزع، ولكن شعوره هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، ما أفزع هذا الكابوس! وما أرعبه! رغم ذلك هو هادئ البال، ومطمئن الخاطر، كأن هذه الرؤيا أجرت في صميم فؤاده نفحات السلامة الخالدة.

ثم إنه يستعيد من ذاكرته قصة من ألوف القصص التاريخية في جوف الليل الهادئ، تلوح أحداث غزوة أحد أمام ناظريه واحدة بعد أخرى، مهاجمة شرسة، كل جانب من الفريقين يصول على الآخر، صرخات وصيحات تصُكُّ الآذان، وترتجف لها الأرجاء، جرى سيل الدماء بين جبال جرداء ورمال وعثاء، فقد الصحابة - رضي الله عنهم - كل معاني الحيوية والنشاط بإرجاف بثَّه الشيطان اللعين، وشاع في المسلمين أن النبي – صلى الله عليه و سلم – قد قُتِل، فأصابهم الكآبة واليأس،  ولكن أنس بن النضر ما أخذه شيء من ذلك، فلم يزل على حاله يتقدم إلى الأمام بسرعة بارقة، ويتوغَّل في صفوف الأعداء، ويُعمل سيفه بكل مهارة، فإذا هو بسعد بن معاذ في الطريق، فسأله سعد: إلى أين يا أنس؟ فأجابه قائلا: يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، ما أطيبها! وما أحلى أريجها!!

ثم سلك طريقه إلى الأمام يقاتل الأعداء بالبطولة النادرة الفذة حتى ارتوى من كأس الشهادة في سبيل الله، واستقى من الرحيق المختوم ختامه مسك.

لا يعرف ما هي العلاقة بين القصة ورؤياه، ولكنه يشعر أن أنس بن النضر – رضي الله عنه - حيث صار سالم القلب بأن شم أريج الجنة من دون أحد، هكذا رؤياه اليوم بثت في قرارة قلبه ريحَ السلامة والطمأنينة.

لا ريب أن بين القصة والرؤيا علاقة وطيدة، وإلا لماذا لاحت له هذه القصة بعينها؟ هل الرؤيا رسالة رمزية للبشارة الخالدة مثل أنس؟ لمّا تختلج هذه الخواطرُ في سُوَيْداء قلبه, يقشعِرّ جلدُه، بيد أنه مطمئن البال، يغمره شعور غير معتاد.

بينما هو كذلك إذ صوتُ أذانِ الفجر يرتفع من منائر المساجد فالقًا دياجيرَ الليل وجلابيبَه الحالكة، "الصلاة خير من النوم" "الصلاة خير من النوم"، فقام خالد من سريره وتوضّأ فصلى الفجر، ثم جلس يتلو القرآن الكريم، وتوقف خالد أمام قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ... ﴾ وجعل يتأمل في معاني هذه الآيات القرآنية السرمدية العادلة، وتتمثّل في شاشة قلبه بكل وضوحٍ مغزَى كلام الله ربّ العالمين الذي خلق كل شيء وقدّره تقديرا.

يتلو خالد هذه الآيات من سورة النساء مرةً إثر مرةٍ في جوِّ الصباح النقي الصافي البهيج، وعيناه تخضلّان بالدموع حتى ذرفتا، وانحدرت قطرات حارّة على وجنتيه، يتخيّل إليه أن هذه الآيات متمثّلة بهيكلها أمامه، تصارع بكيانها المتجسد، وأحدثت جلجلةً ترتجف لها الآفاق، وتهتزّ لها الأرجاء، وبعثت رسالتها الخالدة في قلوب المسلمين ليقوموا أمام دعاة الإلحاد مدافعين عن حَوْزة الدين الحنيف، وأسفرت عن تحدِّيها الصارخ الذي قرع أسماع المرتَدِّين قائلة : "أينقص الدين وأنا حي؟" .

لا يدري خالد كم استغرقت التلاوة والتدبر في معاني الآيات، فإذا هو ينظر في الساعة، فرأى أن العقارب بلغت الحادية عشرة ضحًى، تذكر أنه في موعد مع الخارجين في موكب اليوم، اللافتات والبنارات و... و... كلها جاهزة، يبدأ الموكبُ انطلاقَه تمام الساعة الثالثة مساءً، عليه أن ينتظر أربعَ ساعاتٍ كاملة، يترقب خالد متى تنتهي هذه الساعات الأربع؟ بينما هو كذلك إذ تراءتْ في مَخِيْلته صورةُ أمّه الحنون، كأن قلبه يسوقه إلى البيت ليزُورَ أمّه المسكينة، ويستأذنها للخروج في موكب المكافحين، ويطلب منها الدعاء لهذا العمل المبارك، فاستحم خالد، وارتدى القميص والسروال الأبيضين، واتّجه الشاب اليافع في قامته الممدودة نحو البيت، وزادها الأبيضان رونقًا وبهاءً، كأن قلبه يهمس إليه: أن ثوب الكفن يكون هكذا أبيض وجميلاً! ولكن كفن الشهيد يكون أجمل وأروع مضرّجًا بالدماء، أثرُ قطراتِ الدماء الفائِرة من الجثّة الطاهرة السعيدة كأنها نقوشٌ ترسمها يدُ القدرة الإلهية على أجمل ملبس، فيزيده حسنًا أيَّ حسنٍ!! ذنبه مغفور، وسعيه مشكور، لا يُنْشرُ له ديوانٌ، يتبوَّأ من الجنة حيث يشاء، لا يَحزُنه الفزعُ الأكبر يوم تشخَصُ فيه الأبصارُ ﴿وَتَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلَّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يتخيَّل إلى خالد هذه الأفكار كلَّها وهو في طريقه بقلبٍ مؤمنٍ خفّاقٍ، فتمتلئ جَفْنَاه دموعًا طاهرة.

وصل خالد بيتَه بعد صلاة الظهر، وجد أمه تدعو الله تضرّعًا وابتهالًا في مصلاها، تقدم خالد إلى أمه بخطواتٍ خفِيَّة وهو نبضَةُ قلبِها، وقُرَّةُ عينها، ونفحة فؤادها، حتى جلس عن كثَبٍ منها، فلما انتهت من مناجاتها مع ربّها، سلّم عليها بطلاقة الوجه، تعلو شفتَيه الطاهرتين ابتسامةٌ حُلْوةٌ.

خالد: أمّاهْ! إني عزمت على أن أخرج اليوم مع موكب المتظاهرين ضِدَّ الأوغاد المرتدّين عن الإسلام الذين يسعَون لإلْغاء الشريعة الإسلامية وتعطيل الأحكام القرآنية في أرض المسلمين باسمِ تساوي المرأة في الحقوق، فجئتُ أستأذنكِ، وأطلب منكِ الدعاء، لطفا وكرامة يا أماه! فلا تجعَلِينِي شقيًّا!

الأم: قد سلب مني الدهرُ أباك منذ سنين، وأحلامي منتَعِشة بك، وآمالي تدور حولك يا خالد، وتقول أنت: تخرج مع الموكب، والله إني لأتوجس فيك خِيفةً فلا تخرُجْ يا حبيبي، ولا تجعل أمك البائسة ثكلى – لا قدر الله ذلك - بعدك يا فلذة كبدي!

خالد: فِيمَ تخافين يا أماه؟ أليس هذا الموكب لأجل الحفاظ على الدين والقرآن؟ أيُّ شقاوةٍ بعد التخلّف من هذا الموكب الإسلامي الذي يحمل في طيِّه المكانةَ المرموقةَ والشرفَ العظيم لكل من يساوِره؟

ألا ترجين أن أنال هذا الشرف؟ لا شك أن العائدين منه يستحقّون شرفَ الغُزاة في سبيل الله، والميِّتين فيه لهم المغفرة من ربِّهم، ولهم الخلودُ في جنّات النعيم مع الشهداء الأطهار، وحسُن أولئك رفيقا! إن المسلمين - يا أماه - لا يسدُّ طريقَهم الموتُ، ولا يفزعون من أن يُصيبهم في سبيل الله مكروهٌ؛ لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة خالدين فيها. يا أماه! إني لأتذكّر أنك قد أسمعتني قصة من روائع القصص، بطلُها الفتى اليافع رافع بن خدِيج، لما منعه النبي - صلى الله عليه وسلم – من الخروج في غزوة أحد لصِغَر سنِّه، فشفع له أبوه قائلا: "يا رسول الله! إنه يُحسن الرَّمْي"، ألسنا يا أماه من سلالة أولئك الأبطال الأخيار الذين ما كانوا يعرفون الخوف في سبيل الله!؟ أما كنتِ تلك السيدة التي بعثت في قلبي شجاعةً وحماسةً وجرأةً إيمانيةً بحكاية أولئك الأفذاذ وبطولاتهم واستِماتتِهم وتفانيهم لتكون كلمةُ الحق هي الغالبة وكلمةُ الباطلةِ هي المقهورة؟؟؟

كلمات خالد رقيقةٌ هادفةٌ، مثيرةُ العواطفِ، جاذبةُ القلوب، مطالبه الإيمانية الحانية المُفعمة بالجراءة والمغامرة مزَّقت كلَّ أواصر المودة الدنيوية الفانية، وأبتْ جميع تلك المخاوف والحواجِز التي تحول دون الخروج في موكب المتظاهرين في سبيل الدين، أثارت الغيرة الإيمانية والحماسة الدينية في قلب الأم الحنون، فشمَّت وَحِيْدَها وقبَّلت بين عينيه وشيّعته بعبرات عينِها ولهفات فؤادِها، يخرج خالد من بيته وبصره على أمه الأرملة وفي عينيه دموعٌ حارةٌ تترَقْرَقُ رمزًا لفرحه وسرورِه.

حضر خالد في الميعاد بعد الاستئذان من أمه، استعدَّ الجميع وهم صافّون للخروج في الموكب، خالد في طليعتهم، وفي يده لوحة مكتوبة فيها: "المرسوم الحكومي باسم حقوق النساء معادٍ للشريعة الإسلامية، ومضادٌّ للقرآن الكريم لابُدَّ من إبطاله، وسوف يُلْغَى".

 يظن خالد بنفسه أنه سعيد محظوظٌ جدّا لمساهمته في هذه المسيرة المباركة لأجل الحفاظ على القرآن الكريم، ويُحِسّ في داخل نفسه بشعورٍ لا عهد له به، ومشاعر غير معهودة تتمثّل أمام ناظريه، تلك المشاهد الرهيبة التي رآها البارحةَ فيما يراه النائم، وسئِم أن يتنفّس من الهواء البائت النَتِن الذي ذهب بصلاحيته الدخانُ الأسودُ المتصاعد من مصانعِ المدينة، غشِيه القلقُ والإضطرابُ، لوْعة غريبة تهزّه بين الفَيْنة والأخرى، قد اجتمعت أمانِيه وتركزّت آمالُه في أمنِيَةٍ واحدةٍ لا غير وهي أن يرى الجنّة ويطأ فرشها الناعمة الوثيرة، ويتمتّع بنَعِيمها الخالد، ومناظرِها الخلّابة.

لا يستطيع خالد أن يصبر لبُرهةٍ، كأن أيَاديَ قدسية تناديه إليها، وكأنها تخاطبه قائلةً: "هَلُمَّ إلينا أيها السعيد، فنحن في انتظارك، جئنا لاستقبالك في جنّة الخلد التي أعِدَّتْ لأمثالك من الشهداء الفِدائِيين".

 وفجأة قرعت أذنَيْه هتافاتٌ صارخة، واعْتلَتْ أصواتُ المتظاهرين بالتكبير، وهم يرددون: "المرسوم الحكومي المعادي للقرآن نرفُضُها ولا نعْترِف بها أبدًا"، "الإساءةُ إلى القرآن لن يصبرَ عليها مسلمُو الْعالم" وغيرها من مئاتِ الهتافات التي يُعبِّر بها المسلمون عن ردُودِهم ومشاعِرِهم حِيَالَ المرسوم الإلحادي الصادر من الحكومة، يضِجُّ لها الكونُ بأرضِه وسمائِه.

وبينما المتظاهرون كذلك إذ شعر (خالد) بهزّةٍ عنيفةٍ تدفَعُه نحوَ الأمام، ويسُوْقُه حظُّه الموفور إلى مُنَاه، تقدم خالد مع الموكب بخُطىً قويةٍ سريعةٍ، كتَهَافُتِ الجَرَادِ على النُّوْر، ما من لحظَةٍ يقضيها أو مسافةٍ يقطعها إلا ويجد عَرْفَ الجنة، وهو يبتعد من هذه الدنيا الفانية رويدًا رويدًا، وجعلت مناظرُها المُتنوِّعةُ البهيجةُ تصير تافهةً أمام ناظريه، وأصبحت المدينةُ الخلَّابةُ ومبانِيها الفاخِرة التي تطاول السماء، والشَّاِرعُ الدَّوْلِي المبلَّط بالجصِّ والآجُر المشِيد، والمراكبُ الحديثةُ الضَّخمة، وزَخَارِفُ الدنيا الصناعيَّةُ، كلُّ هذه تَتَضَاءلُ في بصره، كأنه رجل الآخرة في هذه الدنيا.

زَغْرَدَةُ الطيور، جَرَيانُ النَّهْر الفيَّاض على شَفَا الحديقةِ الغَنّاءِ بخريره العذب الجميل، آلافُ الزهور المختلفُة ألوانُها في حدائق ذاتَ بهجةٍ، وطوافُ الحُورِ والوِلْدانِ المخلَّدِين هناك وهناك، تمثَّلتْ له الجنةُ بنَعِيْمها وزخرُفِها في أفُق تَخَيُّلاتِه...!

فجأة صوتُ الرَّصاص! رائحة البارُوْدِ!! نَزِيْفُ الدّماء الطاهرة!!! أصِيْبَ خالد بالرّصاص الذي أطْلَقَه الأوْغادُ عُمَلاءُ الغَرْبِ وذُيُولُه من بَنِي جِلْدَتنا، في لمحة من البصر أصبح خالد صريع الأرض، ساد الوجوم لمدةٍ، القميص والسروال الأبيضان تلطّخا بالدماء الفائرة من جثّة الشهيد الطاهرة، وعلى شفتيه بسمة الارتواء، لم يزل يده ماسكة باللوحة المكتوبة فيها بخط جليّ: "المرسوم المعادي للقرآن الكريم أرفضه، ولا بد من إلغائه"، فاض الشارع العام بنزيف الدماء الطاهرة المنبثقة لأجل الحفاظ على القرآن الكريم وأحكامه العادلة.

 

تعليقات القراء
Jul 06, 2019
ماشاءالله

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب