بين الأدب الاسلامي والادب العربي العام
كتب  صديق بكر عطية ▪ بتاريخ 24/11/2010 17:32 ▪ تعليقات (2) ▪ طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 

يرى نفر من المعارضين، أن الأدب الإسلامي فيه قيد على أخلاقيات الأدب العام، نظرا لما يقوم عليه النوع الأول من الاحتكام إلى المعايير النقدية الخلقية، وهم يرون - كما يقول الدكتور فتحي محمد أبو عيسى أن هذا الاحتكام قد يجر علينا كثيرا من الويلات في تنخل التراث وغربلته.

 

«ثم إن الاحتكام إلى ذلك المقياس الخلقي عرضة لاهتزاز أحكامه في كثير من الأحيان إذا ألقي إليه الزمام، لأن للعلاقة الخلقية بعدا في مدى التلاقي بين سلوك الفنان وما ينادي به أدبه من مبادئ، فكم من أديب دعا إلى الوطنية وكان تصرفه غير بريء من الشبهات، وكم من داعية لمبدأ يجعله مطية للذاته الخاصة، ويخدع به الآخرين، وكم من رافض لإرادة الجماعة متخاذل عن نصرتها أو مصمّ أذنيه عن نداءات المستقبل، متشبث بالجمود والتأخر، هؤلاء جميعا حين نقيس فنهم معزولا عن أشخاصهم قد نعجب به، بل قد نحله مكانا رفيعا، ولكننا حين ندخل شخصية المبدع في الاعتبار فإن النظرة الأخلاقية قد تملي في هذاالأدب رأيا متحفظا، ربما يختلف كثيرا عن الإعجاب المجرد».

«وحتى لا يفتح ذلك بابا قد نجني من ورائه الضياع، يرى المعارضون أن لا حاجة إلى العدوان على التاريخ الأدبي والنقدي من رؤى وأحكام تقوم على مداخلات متشابكة، تمثل في النهاية كتلة متماسكة، فإذا عرض لها ما يشينها عاد بهاؤها ورونقها دمامة وتشويها وقبحا، والاتباع - حينئذ - أولى من الابتداع في نظرهم..»(1).

هذا بعض ما قاله الأستاذ الدكتور «فتحي محمد أبو عيسى» في هذا الصدد، غير أن المنصف الذي يفهم قضية الأدب الإسلامي: آفاقه، ومراميه، ومثالياته،.. ويناقش هذه القضية من دون أدنى عصبية، يرى أنه ليس صحيحا ما يقال من أن المعايير النقدية الخلقية، تؤدي إلى ويلات في تنخل التراث وغربلته، أو أنها تعد بمثابة العدوان على التاريخ الأدبي والنقدي، ولكن ما يراد من هذه المعايير، أن تكون بمثابة الترشيد لأخلاقيات الأديب، حتى يكون للأديب غاية، هذه الغاية تتراوح بين طرفين:

أولهما - وهو ما يمثل حدها الأدنى - ألا تحرض على رذيلة، إذا هي لم تدعُ إلى فضيلة.

والثاني - وهو يمثل حدها الأعلى - يتلخص بتأكيد الانتماء الإسلامي، وتقدير مسؤولية الدعوة، وإعادة الثقة إلى النفس الإنسانية في مغفرة الله تبارك وتعالى، والارتقاء بالإنسان حتى يتجاوز حالات ضعفه، ثم توجيه المجتمع إلى الاستعلاء على الفاحشة والعودة إلى الأصالة والمناهج والقيم الإسلامية العليا.

فالأدب الإسلامي ليس حربا على التاريخ الأدبي، ولا يمكن أن يكون كذلك.. وما ذلك إلا لأنه نبت في تربته، وعاش على مائدته، وتربى في أحضانه. وإذا كان يستمد مثالياته الأخلاقية والروحية، من الأخلاق الرفيعة التي تستحسن الحسن، وتستقبح القبيح، في ظل عقيدة صحيحة تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.. فإنه في الوقت ذاته يستمد مثالياته الفنية والجمالية من الطاقات الشعورية والتصويرية التي تحملها اللغة كما حفظها لنا التاريخ في عصوره المختلفة.

إن الأدب الإسلامي لا يتعارض مع الأدب العربي، ولا يزاحمه في مقاعده.. فالأدب العربي مصطلح يطلق على الأعمال الأدبية المنشأة باللغة العربية أيا كانت مضامينها واتجاهاتها وعصورها.. والأدب الإسلامي مصطلح يطلق على الأعمال الأدبية التي تعالج قضية ما برؤية إسلامية صافية: سواء أكانت مكتوبة باللغة العربية أو بغيرها من اللغات.

وبين الأدب العربي والأدب الإسلامي أمومة وقرابة، فقد ولد الأدب الإسلامي في أحضان الأدب العربي، وذلك عندما غمس الأدباء الذين هداهم الله إلى الإسلام تجربتهم الأدبية في قضايا الإسلام، ووظفوا شعرهم ونثرهم في خدمة المجتمع الإسلامي وفي حمل القضية الإسلامية وإعلائها، ونما هذا الوليد في الشعر العربي ونثره، وعالج قضايا عدة برؤية إسلامية، وشكل تيارا أدبيا إسلاميا رافق رحلة الأدب العربي منذ عصر النبوة إلى يومنا هذا»(2).

إن الدعوة لإقامة أركان الأدب الإسلامي لا تستلزم من أحد هذا التشعيب الذي يجرنا إليه المعارضون، أو يرسمون لنا صورته من مخيلاتهم، والذي يذهب بمعالم القضية ويذيبها ويدفع بها إلى متاهات ليست في صالحها. كما أنها ليست في صالح الأدب العربي.

والساحة الأدبية والفنية أرحب من أن تضيق بالمتناقضات، فضلا عن أن تكون مجرد اختلافات في زاوية من زوايا الرؤى والاتجاهات التي ينظر من خلالها الأديب إلى عالمه الفني والفكري، فيما عدا معتقداته الدينية، التي لا تقبل تعدد الألوان واختلاف الدرجات.

كل ما هنالك أن «أسلمة الأدب» تتحقق من خلال نظرة الشاعر أو القاص أو الكاتب إلى الكون والحياة والإنسان من منظور إسلامي، في رسمه لمعالم المجتمع وقضايا الإنسان العامة والخاصة : فيما أحل، وفيما حرم، وفيما أباح.

ولذا نرى أن المسافة ليست بعيدة بين مفهوم الأدب الإسلامي والأدب المحايد الذي لا يدعو إلى رذيلة في القول أو الفعل أو المعتقد، ويكتفي برسم صورة فنية جميلة، سواء استوحى الأديب عناصرها من داخل النفس أو من الطبيعة خارجها، أو مزج فيه بين آفاق النفس وآفاق الطبيعة في صورة تتجاوب فيها أصداؤها.. وأولى منه بالقرب إلى الأدب الإسلامي، ما أطلق عليه بعض أعلامه «الأدب الموافق». وهو الأدب الذي أنتجته قريحة الأديب غير المسلم قديما كان أو حديثا، حينما يحتكم إلى فطرته النقية، التي تستحسن الحسن، وتستقبح القبيح.. ليخاطب به إنسانية الإنسان خالصة من كل شوب.

ولن أطيل في وصف مشاعري تجاه الأدب الإسلامي الذي يتسم بشرف الوسيلة ونبل الغاية، لننتقل بسرعة إلى اللون الثاني، وهو ما أعنيه «بالأدب المحايد» الذي يعيش على أطراف الأدب الإسلامي، ولذا لا يرفضه فهو يضمه إلى صدره وتحت جناحه، لأنه يثري الوجدان المسلم، ويفسح أمامه ميدان المشاركة الفنية في بناء الفرد والمجتع.

فتحت عنوان«الحرية أولا»:

كتب الدكتور طه حسين هذا المقال:

«تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين ليحبوا الجمال، ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنا حديثا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا الترف الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانا، ويحببوا الحياة إلى النفوس، ويجعلوا الدنيا شيئا ذا خطر على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة التي تجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق فتجعل لها قيمة وشأنا».

«تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي أن ننشئ الذوق الفني في نفوس الشباب».

«وعلى هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة، ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء المعري حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبا غاية القرب. وتراه أنت وأراه أنا بعيدا غاية البعد:

فيا دارها في الكرخ إن مزارها

قريب ولكن دون ذلك أهوال

يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها، وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة وآماله النائية وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب. فإنشاء الذوق الفني في نفوس الشباب يسيرٌ كل اليسر، ولكنه على ذلك عسيرٌ كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.

«دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة، والنصح الرفيق. وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم للذوق الفني الرفيع أحسن إعداد وأقومه»(3) >

 

الهوامش:

(1) مجلة كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، العدد الثاني عشر، ص47-48.

(2) د . عبدالباسط بدر، مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي ، ص82-83.

(3) مقال للدكتور طه حسين نشر بجريدة الأهرام، ملحق الجمعة، 28/11/1994.

 

تعليقات القراء
Apr 03, 2011
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته اقول ببساطة وبفطرة الاسلام السليمة ما اجمل القيود التى انتهجها الادب الاسلامى فتلك ضوابط ترى النفس الانسانية انها الحق حتى لو كانت من خارج الحمى
د . علي Jan 02, 2011
القضية يسيرة جداً ، لا أعلم لماذا يضيقون على الأدب الإسلامي ودعاته ، على الرغم من أن الأدب الإسلامي حاضر في تراثنا ، ونقدنا القديم يهتم بالقيم الخلقية ، فلم يأت دعاة الأدب الإسلامي ببدعة جديدة ,
أليس من حقنا أن يكون لنا أدب أخلاقي يتفق مع تصوراتنا الإسلامية وأخلاقنا؟؟؟؟؟؟؟؟

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب