نظرية الأدب الإسلامي الواقع والطموح (2/2)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Jun 06, 2021   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

أ.د. محمد عبد الله سليمان - السودان

 

 

 

ثانياً: طموحات نظرية الأدب الإسلامي:

      قبل أكثر من نصف قرن لم يكن هناك أدب إسلامي بالمعنى الذي يصطلح عليه الأدباء الإسلاميون اليوم، مع التأكيد على وجود مساحات بالغة الأهمية في موروثنا الأدبي، وهي مسألة متفق عليها، رغم الجدل الكثير الذي أثير حولها بخبث أو سوء فهم.            

    وإذا كان الأدب الإسلامي قد اتسعت دائرة الاهتمام به في السنوات الأخيرة؛ فإن الجهد المبذول لم يزل دون الآمال الكبيرة التي تخفق في الصدور.

      يتوهم بعضهم أن الأدب الإسلامي يتقوقع في أحضان الماضي، وينجذب إلى الموضوعات التاريخية، وقد يرتبط شكلاً بها، سواء في مجال القصة أو الشعر أو المسرحية وغير ذلك، وآخرون يظنون أن الأدب الإسلامي لا يستطيع أن ينطلق إلى آفاق الإبداع الواسع، ويجوب تصور المستقبل، لالتزامه بقيم ثابتة لها من القداسة ما يجعل الخروج عليها أمراً مستعصياً، وترتب على هذه الأوهام والظنون نظرة ظالمة إلى الأدب الإسلامي ودوره وطبيعته وتأثيره وقيمه الجمالية، فعزلوا هذا الأدب –جهلاً- عن واقع الحياة والمجتمع، وعن قضايا العصر ومشاكله، وعن أشواق الإنسان الجديد وأحلامه وآماله وآلامه.

    لاشك أن الأدب الإسلامي قد قطع أشواطاً مقدرة في مسيرة الإبداع الفني في كل الأجناس الأدبية، وأوجد لنفسه مساحة في قلوب الجمهور المتلقي لهذا الفن إلا أن عملية الإبداع الفني متجددة، وطموحات الأديب المسلم لا تنتهي لاسيما في ظل واقع الأمة المعيش، والمشكلات الكبيرة التي تواجهها، ولتحقيق هذه الطموحات في الواقع لابد من استصحاب الآتي:

أولاً: المزيد من الإبداع الفني المقنع للجمهور:

     إن إقبال الجماهير على الفنون الحديثة، من القصة والأقصوصة والمسرحية، وغير ذلك من الفنون، يجب أن يفتح عيوننا على هذا السلاح الخطير، الذي يتسلح به الشر، على أرض الله الواسعة، وقد لا نكون مغالين إذا قلنا: إن القصة والمسرح كان لهما النصيب الأوفر في تشكيل الرؤية العقائدية وإقناع الناس بها لإحدى الدول الكبرى التي تحاول أن تسيطر عقائدياً على العالم اليومن، وبالتالي فإن موقع هذا الأدب على خارطة الأدبين العربي والعالمي سيتأكد يوماً بعد يوم وستزداد مساحته، وسيصير حضوره أمراً مشهوداً.. فقط إذا عرف الأدباء الإسلاميون كيف يشمّرون عن ساعد الجد، ويتركون جانباً من ميلهم المبالغ فيه صوب المضمونية والمباشرة والطرق المكشوفة في التعبير لكي يمنحوا شيئاً من اهتمامهم للتقنيات الفنية التي بها يصير الأدب أدباً، ويكسب التقدير والاعتراف، وإلا فهي المعاني المطروحة على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ.

ثانياً: كثرة الإنتاج الأدبي:

    إن في تراثنا النقدي ما يدلُّ بوضوح على الاهتمام بعنصر الكم والاعتداد به، والتعويل عليه؛ حيث نجد الناقد العربي أبا سعيد عبد الملك بن قريب (الأصمعي) قد ربط ربطًا وثيقًا بين عنصر الكثرة الشعرية، وبيَّن استحقاق الشاعر لقب (الفحولة)، ولم يكن أخذه بهذا المقياس أمرًا عارضًا، بل بدا حكمًا نقديًّا مقصودًا ركَّز عليه كثيرًا، وجعله أساسًا لإطلاق صفة الفحولة على الشاعر، أو سلبها منه. فهو يرى أن الشاعر لا يستحقُّ وصفه بالفحولة إذا قال قصيدة واحدة، مهما بدت رائعة بديعة، بل يؤكِّد مرات متعددة، على أن عنصر الكثرة له أثره ومكانته في استحقاق الشاعر تلك الصفة، (فالحويدرة) لو قال مثل قصيدته خمس قصائد كان فحلاً. و(ثعلبة بن صُعير المازني) لو قال مثل قصيدته خمسًا كان فحلاً.

     المشكلة في رأينا لم تعد مشكلة حوار وجدل، حول التنظير بالدرجة الأولى، ولكنها في الحقيقة مشكلة ممارسة وإنتاج وإبداع، وعبر التجارب يتبلور وجه الحق والصدق، فلا قيمة للجدل دون تقديم النماذج المعبرة عن نظرية الأدب الإسلامي، مدعومة بالنقد الذي يعرف كيف يرعى القابليات، ويكشف العثرات، ويمهد لأدب إسلامي حقيقي، ذي صفات مميزة.

والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هنا: أن الصحوة الإسلامية لم تعط قضية الأدب الإسلامي القدر المطلوب من الاهتمام، وقد لا تكون قدرت كما ينبغي دور الأدب في عملية البلاغ المبين، وتأثيره في صياغة الوجدان، وتشكيل الأمة الثقافي، وبناء ذوقها الاجتماعي المشترك.

   وفي السابق قبل استحداث نظرية الأدب الإسلامي تكاد "تجتاز المكتبات كلها، وأسواق الكتب، فلا تكاد تعثر على ديوان أو قصة أو رواية أو مسرحية أو جهد نقدي أو دراسة أدبية تحمل هموم الإسلاميين في العالم المعاصر، وتبشر بكلمة الله في دنيا مكتظة حتى النخاع بالتحلل والفساد وغياب الرؤية الصائبة لموقع الإنسان في العالم ودوره في الوجود. كانت هناك محاولات مبعثرة لم يكن بمقدورها أن تشكل تياراً.. واليوم يتدفق التيار تغذيه من هنا وهناك حشود من الأعمال الشعرية والمسرحية والقصصية والروائية والتنظيرية والدراسية والنقدية.. يكفي أن يلقي المرء نظرة على كتاب (دليل مكتبة الأدب الإسلامي) الذي أصدره منذ أكثر من عقد الدكتور عبد الباسط بدر، لكي يتأكد له ذلك من خلال مئات الأعمال الإبداعية                                 والنقدية والتنظيرية وربما ألوفها.

ثالثاً: الانطلاق نحو العالمية:

     فالأدب الإسلامي لا ينتجه العرب وحدهم، ولا هو المكتوب باللغة العربية فقط، بل هو يكتبه المسلمون على اختلاف بلدانهم وجنسياتهم ولغاتهم.

     وفي اعتقادنا أنه لا بد لمسيرة الأدب الإسلامي المعاصرة من الخروج من دائرة التحكم، وموقع الأدب الدفاعي، والتطلع إلى الآفاق المستقبلية، ومواجهة المشكلات المستجدة، والتحديات القائمة، والانطلاق إلى البعد العالمي، والمشاركة في قضايا ومشكلات الإنسان، وحمل هموم الجماهير المسلمة، بشكل خاص، وهموم الإنسانية بشكل عام، والانحياز إلى جانب المستضعفين، وتحصين الناس دون مهادنة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي.

   "فليست المشكلة اليوم، في أن نفتح أبوابنا ونوافذنا، أو نغلقها أمام المذاهب والمعلومات والدراسات الثقافية، والفنون الأدبية المختلفة، والقضايا العالمية المطروحة، وإنما المشكلة الحقيقية؛ هي في أن نمتلك قوة الإرادة، وبصيرة الأخيار، وانضباط المقياس، فيما نأخذ وما ندع، ونمتلك القدرة على تقديم البديل، الذي يرقى إلى المستوى العالمي، ونكون قادرين على إثبات وجودنا في ساحات الامتحان الحقيقي".

    عالمياً لن يكون لأدب أية أمة في الأرض ثقل أو وجود على الخارطة ما لم ينطلق من خصائص هذه الأمة، ورؤيتها، وصيغ تعاملها مع الكون والحياة والإنسان. والعالم لا يحترم من يعيد إليه بضاعته المعروفة مزجاة.. لمن يردها إليه ولاجديد فيها أو اضافة عليها.. إنما يمد يده ويفسح المجال أمام أولئك الذين يعدونه بشيء جديد.. هذه مسألة معروفة في التقاليد الثقافية وسنن التاريخ والحضارات، ولكن يبدو أنها غابت على الكثيرين في ديارنا بسبب الكم الهائل من المعطى الأدبي في ديار العروبة والإسلام والذي لا يعدو أن يكون في معظمه أن يكون استمراراً للأداء الغربي.

وإنَّ هذا الأدب الإسلامي -بمفهومه الواسع، الذي يعني كلَّ ما لا يتعارض مع القِيَم الإنسانية، أو يشكِّل اعتداءً عليها- ليحتضن عندئذ ما لا حصْرَ له من التجارب الإنسانية، والذاتية، والاجتماعية، والوطنية، والسياسية، وغيرها، وهو عندئذٍ لا يُسْقِط إلَّا تجارب يسيرة، هي تلك التي تمثِّل أصلاً ما لا يتفق مع فِطرة الإنسان السويَّة في كلِّ زمان ومكان، كتجارب العبث، والمجون، والإباحيَّة، والزندقة، وما أشبه ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

 1- د.عماد الدين خليل، الأدب الإسلامي المعاصر، مجلة المنار، العدد82، جمادى الأولى 1425هـ.

 2- نجيب الكيلاني ، مدخل إلى الأدب الإسلامي ، ص13

 3- نجيب الكيلاني، المرجع السابق، ص60.

 4- عمر عبيد حسنة، مقدمة كتاب "مدخل إلى الأدب الاسلامي"، ص5.

5-  عماد الدين خليل، الأدب الإسلامي المعاصر، مجلة المنار، العدد82، جمادى الأولى 1425هـ.

 6- أبو حاتم السجستاني، فحولة الشعر تحقيق: د.محمد عبدالقادر أحمد، ط1، القاهرة، 1411هـ. ص114.

7-  عمرعبيد حسنة، المرجع السابق، ص5.

8-  عمرعبيد حسن، المرجع السابق، ص5.

9-  عماد الدين خليل، الأدب الإسلامي المعاصر، مجلة المنار، العدد32، جمادى الأولى 1425هـ.

 10- وليد قصاب، حوار إشكالية الأدب الإسلامي،  موقع دار الفكر.

 11- عمر عبيد حسنة، المرجع السابق، ص5.

  12-عمر عبيد حسنة، المرجع السابق، ص3.

  13- عماد الدين خليل، الأدب الإسلامي المعاصر، مجلة المنار، العدد32، جمادى الأولى 1425هـ.

  14- وليد قصاب، الأدب نتاج العقائد والفلسفات، مجلة الأدب الإسلامي.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب