قضايا نقدية في مواجهة نظرية الأدب الإسلامي (3/1)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Feb 14, 2021   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

a2ZF4HF5 400x400

 

 نتناول في هذا المقال ثلاث من القضايا النقدية التي تواجه نظرية الأدب الإسلامي، وتثير جدلاً ونقاشاً حاداً في أوساط النقاد، وهذه القضايا هي علاقة الأدب الإسلامي بالأدب العربي، وقضية الأدب الموافق للأدب الإسلامي، وقضية الشكل والمضمون في الأدب الإسلامي:


 

 

 

 

 

 

 

أ.د. محمد عبد الله سليمان - السودان

 

 

 

أولاً: علاقة الأدب الإسلامي بالأدب العربي:


       إن مؤتمر "الأدب الإسلامي" الذي عقد بكلية الآداب جامعة عين شمس في ربيع الثاني 1413هـ، الموافق أكتوبر 1992م؛ يعد أهم الظواهر الحركية الثقافية الدافعة لهويتنا الأدبية في عالمنا العربي والإسلامي، ومن القضايا التي أثارت الجدل الطويل.. قضية العلاقة بين الأدب العربي والأدب الإسلامي.. حيث فجر الدكتور مصطفى الشكعة أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس هذه القضية حين قال: إن الأدب العربي كله إسلامي شعراً ونثراً. وأثار هذا الرأي في صورته التعميمية ثائرة كثير من الحضور..، حيث لم يستثن الدكتور الشكعة إلا نماذج قليلة من الخمريات، وبالغ حين دافع عن شعراء المجون والزندقة مثل أبي نواس، وبشار بن برد، وأبي العلاء العري.


       وقد يقول قائل: إنه من الخطر أن نهمل مصطلح (الأدب العربي) الذي توارثناه جيلاً بعد جيل، وأصبح يشكل تراثاً ضخماً عامراً بالكنوز والعطاءات العلمية والفنية، ونحن لا نهدف إلى ذلك مطلقاً، فالعربية -كما قلنا- لغة القرآن، والحفاظ عليها فريضة، فضلاً عن أنها اللغة الأولى والأساسية للأدب الإسلامي.

إن الذي نريده في الواقع هو أن يكون الأدب العربي أدباً إسلامياً، أو بتعبير آخر أن يكون مصطلح (الأدب الإسلامي) ضمنيًّا أدباً عربياً بالدرجة الأولى. ولا يظنَّ ظان أن أدبنا العربي منذ فجر الدعوة ومروراً بعهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم حتى يومنا هذا، لم يكن هذا الأدب إلا ترجماناً للثقافة الإسلامية وحضارتها يستوي في ذلك الأدباء المسلمون وغيرهم الذين نعموا بالحياة والحرية والتعبير والعمل في ظل المجتمع الإسلامي إبان صعوده وهبوطه.

فالثقافة الحقيقية منهج في الفكر والسلوك، ولم يكن المجتمع الإسلامي بكل طوائفه وفئاته وأقلياته من معتنقي الأديان الأخرى إلا متأثرين بذلك الطابع الإسلامي الشامل، ولهذا فإن إحياء مصطلح (الأدب الإسلامي) إنما هو في الواقع إيضاح لأيديولوجية ما نسميه بالأدب العربي أو الفارسي أو غيرهما، وهو بمثابة إعادة الأمور إلى وضعها الصحيح. ولا يمكن تفسير الغفلة التي سادت القرون الغابرة إلا لأنهم اعتبروا الأمر تحصيل حاصل.

فالأدب العربي إسلامي بالضرورة، أو هكذا يجب أن يكون، لأنه ترجمان الحضارة الإسلامية بكل جوانبها، ولأنه كان وعاء للتبادلات الفنية والفلسفية العلمية بين مختلف الجنسيات والثقافات القديمة، ولا يقلل من هذه الحقيقة انسياق الشعراء وراء بدع العصبيات والمدح والفخر الجاهلي والمجون، فذلك التمرد (الفني) يرتبط بالشعر أكثر من غيره. (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ). (سورة الشعراء224-227).

       والأدب الإسلامي هو بمعنى من المعاني أدب عربي، ليس لكونه يكتب بالعربية، فإن هناك حلقات خصبة من هذا الأدب كتبت وتكتب بالأردية والتركية والفارسية والكردية إلى آخره من لغات شعوب الأمة الإسلامية، ولكن لكونه يحمل الهموم نفسها، ويتشبث بالمصير الذي ضيعته رياح التشريق والتغريب.. ودعنا من كون مساحات واسعة من الأدب العربي اختارت أن تصير مرآة لأدب (الآخر) مسخاً لا يملك شخصيته المستقلة وحضوره المتميز، وهذا ما يلقي على عاتق الأدب الإسلامي مهمة أخرى لا تقل أهمية؛ هي أن يرجع بالأدب العربي المعاصر إلى أصالته، وأن يمنحه نسقاً يجعله ينبض بهموم العربي والمسلم، وليس بالترف الفكري أو الإبداعي للإنكليزي والروسي والفرنسي والأمريكي.


       وبين الأدب العربي والأدب الإسلامي أمومة وقرابة، فقد ولد الأدب الإسلامي في أحضان الأدب العربي، وذلك عندما غمس الأدباء الذين هداهم الله إلى الإسلام تجربتهم الأدبية في قضايا الإسلام، ووظفوا شعرهم ونثرهم في خدمة المجتمع الإسلامي وفي حمل القضية الإسلامية وإعلائها، ونما هذا الوليد في الشعر العربي ونثره، وعالج قضايا عدة برؤية إسلامية، وشكل تياراً أدبياً إسلامياً رافق رحلة الأدب العربي منذ عصر النبوة إلى يومنا هذا.

ثانياً: قضية الأدب الموافق:

 وهنا تبدو إشكالية الحكم على إسلامية النص: هل نحكم على ذلك من توجه النص أم من توجه كاتبه؟ وهل النص الذي يسير في ركب القيم والتصور الإسلامي من كاتب غير مسلم؛ هل يدخل في باب الأدب الإسلامي؟ وإذا كانت الإجابة بلا؛ فأين نضعه؟ وهذه القضية اختلف حولها النقاد الذين نظروا للأدب الإسلامي، ولهم في ذلك آراء متباينة.

أ- ركزت طائفة من الباحثين على النص بصفته إبداعاً فنياً يتجسد فيه الأنا ببعدَيْه الفردي والجمعي. ومن هؤلاء نذكر محمد قطب الذي عدَّ الشعر الذي أنتجه غيرُ المسلمين ويلتقي بالتصور الإسلامي شعراً إسلامياً. وعملاً بهذا الاعتقاد، درس أدب الشاعر الهندي البوذي طاغور باعتباره أنموذجاً للأدب الإسلامي.

 "فهناك نقط التقاء كثيرة بين طاغور وبين المنهج الإسلامي.. نقط التقاء جزئية كلها، ولكنها تكفي لإيجاد روابط المودة بينه وبين هذا المنهج، بحيث يذكر معه ــــ في حدود هذا الالتقاء! يلتقي معه في شعور المودة والحب نحو الوجود الكبير والحياة والأحياء... والحب الجميل للإنسانية، ويلتقي معه في دعوته الدائمة للسماحة والخير بين الناس".

       وقد سار على ذات النهج الدكتور عماد الدين خليل الذي درس في كتابه "في النقد الإسلامي المعاصر" مسرحية لكاتب إسباني باعتبارها تمثل نموذجاً للأدب الإسلامي. وأكَّد ذلك الدكتور: "عماد الدِّين خليل" في كتابه: "مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي"، فقال: "ويُمْكن أن نضيفَ إلى ما ذَكَره "محمد قطب"، أن مُحاولة كهذه سوف تزيد من رصيد الأدب الإسلامي، وتُغْنِيه بالمعطيات الخصبة، وتضع قبالة الأدباء الإسلاميِّين نَماذج متقدِّمة على مستوى "التقنية" بوجه خاصٍّ، يمكن أن يَحْذو حذْوَها، وأن تعينهم على رفع وتائر مُعطياتِهم الإبداعيَّة، وجعلها أكثر نُضْجًا واكتمالاً. ومن خلال هذا الإغراء، وجدتُنِي أخوض التَّجربة نفْسَها، التي خاضها مِن قبلي "محمد قطب"، فأَختارُ مسرحية الكاتب الإسباني المعروف: "أليخاندرو كاسونا": "مركب بلا صيَّاد"، لأضَعها في صفِّ الأدب الإسلامي، وأكتب عنها بَحْثًا نقديًّا بعنوان: "القِيَم الإيمانية في مسرحية: مركب بلا صياد". ثم يزيد الأمر تأكيدًا وبيانًا، فيقول: "وبعد عشر سنوات أعدْتُ الكَرَّة في كتاب: "مُحاولات جديدة في النَّقد الإسلامي"، فاخترت في فصْلِه الأول المُعَنْون بـ"الشِّعر العربي والرُّؤية الإسلامية الجديدة" نَماذج شعريَّة، لشاعر أبْعَدَ ما يكون عن الإسلام سلوكًا، إن لم نَقُل تصوُّرًا.. بل إنَّه ليُضرب به وبشِعْره المثل على مُجافاة الإسلام، والإبْحار ضدَّ قِيَمِه وتصوُّراتِه وأعرافه؛ ذلك هو: "أبو نُوَاس".. السِّكير، العِرْبيد، الضَّائع بين زقوق الخمر، في أزقَّة بغداد"، ثُمَّ يستدلُّ على ذلك بالحديث النبويُّ: "الحكمةُ ضالَّة المؤمن، أنَّى وجَدَها فهو أحقُّ بها"، وكذا بتقويمه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لقصائِدَ قالَها شُعراء "ما كانتْ قصائِدُهم إلَّا حربًا على الإسلام، وتعزيزًا لِمَواقع خصومه".

ب- وفي الاتجاه المقابِل، نجد دارسين يحكمون بإسلامية النص انطلاقاً من مبدِعه، ومن بينهم المرحوم نجيب الكيلاني، وعبد القدوس أبو صالح الذي يرى أن من شروط تحقق الإسلامية في النص الشعري أن يكون قائلُه مسلماً. ومن الذين تبَنَّوا هذا الرَّأي ودافعوا عنه باستِماتة الدكتور "عبد القدُّوس أبو صالح"، الذي يرى أنه "ينبغي البعد عن التَّعميم، والحذر، وإلَّا جاز لنا حين نرى ما كتبه "تولستوي" أو "طاغور" أو "غوركي" أو "سارتر"، من نصوص قد تتَّفق جُزْئيًّا وبصورة عَرَضيَّة مع ما في الإسلام من نظرة إنسانيَّة، أن نَجْعل بعض ما نَجِده عندهم -وهم بين دَهْريٍّ ماسونِيٍّ، وهندوكي، ووجودي، وشيوعي- نصوصًا داخلة في الأدب الإسلاميِّ؛ وهذا أمرٌ لا يقبله، ولا يقول به أحدٌ من أهل المذاهب الأدبيَّة العقَدِيَّة، فلماذا يُخَصُّ الأدب الإسلاميُّ بِهذا الموقف، ويُحْمَل على قَبُوله؟".

 غير أنَّ عبد القدوس أبوصالح قد اقترَحَ مصطلحًا وسطًا، ينصف هذا النَّوع من الأدب، ويعترف به دون أن يَجْعله من صميم الأدب الإسلاميِّ، هذا المصطلح هو: "الأدب الموافِقُ للأدب الإسلاميِّ"، يقول: "وهكذا اتَّضَح أنَّه لا بُدَّ أن يكونَ للأدب الإسلامي خصوصيَّتُه في جَعْل النُّصوص المقاربة للتصوُّر الإسلامي، أو المتضمِّنة بعض القِيَم الإيمانيَّة، أو الْخُلقيَّة، أو الإنسانيَّة، والتي يبدعها أدباء غيْرُ إسلاميِّين -بدافع الفِطْرة- داخلةً فيما "يوافق الأدب الإسلامي"، دون أن نعدَّها من صميم الأدب الإسلامي، ودون أن نجعل أصحابَها عندما تكثر لديهم أمثالُ هذه النُّصوص، أدباء إسلاميِّين، وهم لَيْسوا مسلمين أصلاً".

       وقسم أبو صالح النتاج الأدبي إلى ثلاث دوائر: أولاها دائرة الأدب الملتزم بالتصور الإسلامي، وثانيها دائرة الأدب المباح، وثالثها دائرة الأدب الذي يعارض التصور الإسلامي، وهذا ما يرفضه الأدب الإسلامي، ويعد التصدي له من واجباته ومهماته؛ لأنه أدب العقائد والمذاهب المنحرفة عن الإسلام، أو أدب العبث الهدام أو أدب الجنس والانحلال، أو أدب الحداثة الفكرية المدمرة لا أدب الحداثة بمعنى التجديد في المضمون والشكل.

والأدب الإسلامي منفتح على الآداب الأخرى، ليس مغلق النوافذ دونها، يتعامل معها، ويستفيد من تجاربها في إغناء تجربته شكلاً ومضموناً، وهو يرحب كثيراً بذلك الأدب الإنساني الذي يصدر عن فطرة الإنسان السوية التي تنضح بالقيم الخيرة النبيلة

       ومِن أنصار هذا الرَّأي: "محمد حسن بريغش"، الذي خطَّأَ مَنْ نسب إلى "محمد قطب" إدخالَه أدبَ غيْرِ المسلمين في مسمَّى الأدب الإسلامي، واستدلَّ على ذلك بقول "محمد قطب" نفسه: "والفنُّ الإسلامي -مِن ثَمَّ- ينبغي أن يصدر عن فنَّان مُسْلم، وهو في الوقت ذاته إنسان يتلقَّى الحياة كلَّها من خلال التصوُّر الإسلامي، وينفعل بها، ويُعانيها من خلال هذا التصوُّر، ثم يقصُّ علينا هذه التَّجربة الخاصَّة التي عاناها في صورة جَميلة موحِيَة"، ثم قال محمد بريغش: "وربَّما كان بعضُهم قد التبَس عليه الأمر مِن بعض العبارات التي وردتْ في الكتاب، دون تدقيق لما تدلُّ عليه وسط السِّياق الكامل للفصل؛ فإنَّ من الخطأ أن ينسب بعضهم للأستاذ: "محمد قطب" أنه أدخل في الأدب الإسلامي أدبًا لغير المسلمين".

       وكان "محمد بريغش" قد أكَّد رأيه في كتابه: "الأدب الإسلامي المعاصر"، حين قال: "عندما نتناول صِفَة الأديب المسلم، نرى أنَّ هُوِيَّته لا تتحدَّد إلَّا من خلال هذه الصِّفة: "المسلم"، وأنه لا يَدْخُل في إطار الأدب الإسلامي إلا من هذا المدخل فقط.. ولكن الأديب المسلم لا يكتسب هذه الصِّفة إلا إذا كان مؤمِنًا حقًّا، ومسلِمًا صادقًا، يلتزم شَرْع الله فِكْرًا وسلوكًا واعتقادًا".

       وخَلص بعد ذلك إلى تسجيل رأْيِه بوضوح، فقال: "الأدب الإسلاميُّ يَصْدر عن حياةٍ إسلاميَّة، وتَجْربة إسلاميَّة، إنَّه أدب يتَّسِم بالصِّدق والوضوح، والالْتِزام بالإسلام في أوْسع صُوَرِه، وأبعد مَراميه؛ لأنَّه يَصْدر عن التصوُّر الإسلامي، المرتبط ارْتِباطًا عُضويًّا بالسُّلوك والنَّشاط الإنساني، والعلاقات الإنسانيَّة المختلفة، وكل أعمال الإنسان، كارْتِباطه بالعقيدة ذاتِها، إنَّه يُصَوِّر تَجْربة الإنسان المسلم في الحياة".

       وكان "محمد بريغش" قد أكَّد رأيه في كتابه: "الأدب الإسلامي المعاصر"، حين قال: "عندما نتناول صِفَة الأديب المسلم، نرى أنَّ هُوِيَّته لا تتحدَّد إلَّا من خلال هذه الصِّفة: "المسلم"، وأنه لا يَدْخُل في إطار الأدب الإسلامي إلَّا من هذا المدخل فقط.. ولكن الأديب المسلم لا يكتسب هذه الصِّفة إلَّا إذا كان مؤمِنًا حقًّا، ومسلِمًا صادقًا، يلتزم شَرْع الله فِكْرًا وسلوكًا واعتقادًا".

ج ــــ أما الطائفة الثالثة فقد تبنت موقفا توفيقياً، بحيث نادتْ بضرورة إسلامية القائل والمَقول معاً حتى تتحقق صفة "الإسلامية" على أكمل وجْه. ومن أصحاب هذه النظرية نجد الباحث المغربي الدكتور محمد بن عزوز الذي يقول: "لابد من توافُر الإسلامية في النص والمبدع أيضاً".

       ويتفق الباحث مع رأي د.عبد القدُّوس أبو صالح، فإذا اختلَّ شرط إسلاميَّةِ الأديب "المعيار الدِّيني"، والتقى أدبه مع الرؤية الإسلامية للكون والإنسان والحياة فإنَّ الأليق أن نجعل أدبه الإنساني أدبًا "موافقًا للأدب الإسلامي"، دون أن نعده من صميم الأدب الإسلامي.

       والحق أننا نجد كثيراً من النماذج من الأدب العربي في العصر الجاهلي، وكثيراً من آداب الأمم السابقة للإسلام، وما يمكن قبوله في ساحة الأدب الإسلامي من حيث روحه الإنسانية العامة التي تلتقي والرؤية الإسلامية للحياة والإنسان، القوة الكبرى المنظمة للكون والحياة.

وهنالك نماذج لاحصر لها في هذا المجال، ومن ذلك قول عنترة بن شداد وهو الشاعر الجاهلي:


أَغشى فَتاةَ الحَيِّ عِندَ حَليلِها               وَإِذا غَزا في الجَيشِ لا أَغشاها

وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي           حَتّى يُواري جارَتي مَأواها

 إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ              لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها


فمثل هذا القول من شعر عنترة يصب في خانة القيم الإسلامية، والدعوة إلى الفضيلة "ألا ترى أنّ عَنترة الفوارس جاهليّ لا دينَ له، والحسنَ بن هانئ إسلاميّ له دين، فمنع عنترةَ كرمُه ما لم يَمنع الحسنَ بن هانئ دينُه؟ فقال عنترة في ذلك:


وأغُضّ طَرْفي إن بَدت ليَ جارتي          حتى يُوارِي جارتي مَأواها


وقال الحسنُ بن هانئ مع إسلامه:


 كان الشبابُ مطيَّةَ الجَهل          ومُحسِّنَ الضَّحكات والهَزْل

 والباعِثي والناسُ قد رَقدوا          حتى أتيتُ حليلةَ البَعْل


ويقول اليوسي معلقاً على أبيات عنترة السابقة بقوله: "فإن هذا في باب العفة والتحلي بمكارم الأخلاق في الجملة صريح، وباعتبار الرياضة والمطلوب من التحلية والتخلية عند السالكين إشارة، وهي كافية في المقصود، لأن مخالفة الهوى هو ملاك الأمر كله "


ثالثاً: قضية الشكل والمضمون:

       قضية العلاقة بين الشكل والمضمون قضية قديمة في تاريخ الأدب والنقد، وإن عُبر عنها بمصطلحات مختلفة، ولكن لم يتح لوجهة النظر الإسلامية أن تخضعها لفهمها الخاص، لا قديماً ولا حديثاً. ففي المراحل السابقة للعصر الحديث لم تكن نظرية الأدب الإسلامي قد صيغت بشكل متكامل الأبعاد، وإن وجدنا جذورها الأدبية والنقدية متناثرة هنا وهناك. والتنظير للأدب الإسلامي لا يثير كثير جدل في ناحية المضمون، لكن الأشكال الفنية التي لا تكاد تستقر على حال، والتي تختلف فيها الأذواق والأفهام والمناهج الفلسفية هي المشكلة، بل أكاد أقول: هي العقبة التي تعترض طريق الباحثين عن نظرية سوية مقنعة للأدب الإسلامي.

       يقول عبد القدوس أبوصالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية عن الأدب الإسلامي: "إنه أدب مضمون بالدرجة الأولى، بل إن المضمون هو الشرط الوحيد، وليس صحيحاً أن الأدب الإسلامي هو أدب وعظ مصطنع فقط لا تتحقق فيه شرطية الشكل. لا يوجد شكل يحرمه الإسلام بصورة مبدئية إلا إذا كان يعدو على المضمون الإسلامي، وهنا يتساوى الشكل مع المضمون، فالشكل الذي يعارض الإسلام لا يختلف عن المضمون الذي يعارض الإسلام، وليست إسلامية المضمون شفيعة ومسوغة لانحراف الشكل، كما أن إسلامية المضمون ليست شفيعة للأديب المسلم أن يقضي على جمالية الشكل والتجويد الفني، فذلك يزري الأدب الإسلامي ويضر به، وإن الأديب المسلم مدعواً أكثر من غيره أن يبلغ قمة الروعة في الأداء الفني".

       عند النظر في الأدب الإسلامي من حيثُ هو فكرة أو مذهب، فإنّنا لا نظفر بملمح شكلي تؤدّى به تلك المضامين، إنّما هو ينتج في أشكال مختلفة تقليديّة ومستحدثة –وإن غلبت عليه التقليديّة-، فهو أدب مهيأ للتفاعل مع شتّى الأشكال الأدبيّة، وبالتالي فإسهامه مضموني، وإنتاجه مضموني شكلي، وإن كانت العمدة في الأدب ترجع إلى الأدبيّة التي هي شكل، فإنّ الفصل القاطع بين الشكل والمضمون فصل ليس من الأدب في شيء، إذ إنّ العلاقة بينهما تكامليّة، ومحاكمة الأدب لاحقة له لا مواكبة لإنتاجه، ومبدأ التفاعل المفتوح الذي يسير به الأدب الإسلامي، مبدأ يكفل إحلال مدرسته في سياق المدارس الفكرية الأدبية التي عرفها الميدان الأدبي، كالمدرسة الاشتراكية الماركسية، والإنسانويّة، والحركة النسويّة،...إلخ.

       إن الأدب الإسلامي لا يقف عند الحدود المعروفة من الأنواع الأدبية مثل الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقالة والخطبة والخاطرة.. بل يترك الباب مفتوحاً للأنواع الأدبية الجديدة المنبثقة من وجودنا الحضاري والمتعلقة بالطابع العقائدي لأمتنا، أو المستوحاة من الأمم الأخرى على أن تكون مستفرغة من مضمونها الفكري والحضاري الخاص، فالإسلام لا يرفض من الأشكال إلا ما كان مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بمضمونه الفكري والعقائدي.

       ونظرية الأدب الإسلامي تقدم رؤية جديدة للأدب منطلقة من العقيدة الإسلامية وفق رؤية الإسلام للكون والإنسان والحياة مع التزامها بالأصول الفنية للأدب والنقد المتعارف عليها، حيث تتخذ من الأشكال الأدبية ما يتناسب معها، كما أن لها الحق في أن تبتدع لنفسها أشكالاً أدبية تنسجم مع الرؤية الإسلامية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-     د. صابر عبد الدائم، الأدب الاسلامي بين النظرية والتطبيق، دار الشروق 2002، ص237.

2-    نجيب الكيلاني، مدخل إلى الأدب الإسلامي، ص 26.

3-    سورة الشعراء، الآيات، 224-227.

4-    د. شلتاغ عبود، الملامح الهامة لنظريةالأدب الإسلامي، دار المعرفة، ط1، 1992م، ص115.

5-    نجيب الكيلاني، مدخل إلى الأدب الإسلامي، ص10.

6-    عبد القدوس أبوصالح، قضية الأدب الإسلامي، صحيفة الحياة، الخميس, 28 أبريل 2011م.

7-    خالدة بنت أحمد باجنيد، الأدب الإسلامي.. والآخر مناقشة في الرؤية والمنهج، ص17.

8-    د. شلتاغ عبود، الملامح الهامة لنظرية الأدب الإسلامي، دار المعرفة، ط1، 1992م، ص141.

  • التعريف بالكاتب:

-       الدكتور محمد عبد الله سليمان الصديق، سوداني من مواليد العام 1964م. حاصل على بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها ـ كلية الآداب ـ جامعة أم درمان الإسلامية 1988م. ماجستير في الأدب والنقد والبلاغة ـ جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية 2005م. دكتوراه في الأدب والنقد ـ جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية 2008م. درجة الأستاذ المشارك في 1|1|2013م.

-       أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية ـ جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم من 2009 وإلى الآن.

-       رئيس قسم الأدب والنقد والبلاغة ـ كلية اللغة العربية ـ جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم من 2010وإلى الآن.

-       أستاذ الدراسات العليا ـ جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم من 2010 إلى الآن.

-       رئيس تحرير مجلة كلية اللغة العربية المحكمة من 2012 إلى الآن.

اللغة العربية: صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع قارات العالم تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

 

تعليقات القراء
عبدالرحمن نديم Feb 17, 2021
مقال رائع ولكن الموضوع مازال يحتاج إلى البحث والدراسة لأن الميدان واسع والقضية ساخنة.

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب