الأدب الإسلامي: مصطلح مطمئن وآفاق واسعة (3/3)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Apr 06, 2020   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

 bdr10

د.عبد الباسط بدر

 

 

تجارب تطوير الشكل في الأدب الإسلامي:

ومثلما قام دعاة التجديد في شتى المذاهب الأدبية بتجارب تطويرية محدودة شكل العمل الأدبي قام عدد من مبدعي الأدب الإسلامي بتجارب تطويرية جزئية الشكل، فكان علي أحمد باكثير(45) أحد الرواد المبكرين وكتابة القصيدة التفعيلية سبق بها نازك الملائكة وبدر شاكر السياب اللذين تنازعا الريادة، وعلى امتداد النصف الثاني من القرن الماضي كتب بعض الشعراء الإسلاميين قصائد تجرب تنويع التفعيلية في  السطر الشعري و تدويرها والخروج منها أحيانا إلى قصيدة النثر، كما جربوا أنواعا جديدة من الصور وبناء القصيدة، وأكتفي في هذا المقام بنموذجين لشاعرين من الذين يحمل إبداعهم صفة الأدب الإسلامي بجدارة، واحد من المغرب العربي، والآخر من السعودية.

النموذج الأول: مقطع للشاعر المغربي محمد علي الرباوي يقول فيه(46):

ولدي / جدك كان يعلمني / أن أصحبه في رحلته البيضاء

كيف أصا حب يا ولدي / من كان يتمتم قدامي

في غضب لا يقهر/ یا صفراء ويا بيضاء / غري غيري

وأنا ما زلت أسير اللونين

كيف أصاحبه وأنا أشعر أن بجوفي قلبين

كيف أصاحبه وأنا كنت أظن الجيل البني

سيعصمني من جمرة نفسي / ولدي / كن أنت أبي

علمني أن أمر هذا البحر/ بهذا الغرس الأخضر

علمني أن أقلع مثل أبي بوابة خيبر(47).

النموذج الثاني: مقطع من قصيدة للشاعر السعودي د.صالح سعيد الزهراني، وهي نموذج أوسع للتجارب الشكلية في تكوين الإيقاع والمزج بين الإيقاع التفعيلي والإيقاع العروضي والنثيرة التي يحكمها جرس العبارات النثرية، كما أنها نموذج لأنواع مختلفة من الصور التقليدية والحديثة والرمز والانطباع المتشكل من تفكيك حروف الكلمة وتوزيعها على الأسطر في صورة يتعاون البصر والصوت على تكوينها، ليحيط القارئ بجو البهر الذي تحمله طريقة تجميع ونطق الكلمة، فضلا عن الألفاظ المعبرة بدلالاتها الغريبة والبعيدة وغير ذلك مما يظهر في التحليل النقدي المفصل، يقول الشاعر في قصيدة بعنوان، شاهد العصر(48):

کان مسماراً للصبح/ فناراً للقادم من مدن الريح/ غماما للظمأ النازح فوق/ بسام الشفة/ المنفى

كان رؤيا في كل معنى جديدة/ خصيبة حرة العروق وليدة

راحلاً البياض يحمل قلبا / عربيا معلقا بقصيدة

استباق الخطى وفتح المآقي / والبشارات في رؤاه عقيدة

كان شيئا من التقى والتصابي / في زمان الفناء روح فريدة

كان يخط ويمحو

أبتي يرسم طائرة، كرة، نافذة

لا لا

أبتي يرسم بائع حلوي، يرسم قرطا، ورد جوريا

لا لا يا أحبابي

يرسم قصرا أبيض، حفلة عرس

يرسم فستانا قنديلا... أبيات غرام

لم يتكلم

كان يسافر فوق البحر الأبيض

يرسم

أ

ن

أ

ت

جريح

يرسم شيخا فوق ذبيح

يرسم أمه

تخرج من عمق

ض

ر

ي

ح

قد يختلف النقاد في تقويم هذا العمل الأدبي، لكنهم لن يختلفوا في كونه تجربة بعيدة المدى في تطوير عدة عناصر في شكل القصيدة، الإيقاع، الصورة، والبنية، تأكيدا لما يقوله منظرو الأدب الإسلامي عن حرية الأديب الإسلامي في تطوير أدواتهم الفنية، واجتهادات بعضهم في هذا الميدان، وعدم غياب قضية (الشكل) في نظرية الأدب الإسلامي.

هل الصورة تركيب لغوي محايد؟

وفي سياق اتهام الكاتب الأدب الإسلامي بغيبة الشكل قرر أن الصورة تركيب لغوي محايد(49)، وهذه مغالطة توهم بإمكانية فصل بنية الصورة عن معناها، وهذا مستحيل تماما، فالصورة تختلف عن الإيقاع، لأننا ندرك الإيقاع من خلال الصوت المجرد: ضخامة أو طولا أو قصرا، أو شدة أو لينا...إلخ.

 وأما الصورة فإنها تقوم على إدراك الدلالة بالمقام الأول ولا يمكن فصل بنيتها التركيبية أو اللفظية عن معناها، ولننظر في المثال الذي ساقه الكاتب نفسه من قول جرير (فجاءت بوزواز قصير القوائم)، هل قيمة الصورة في تركيبتها المجردة؟ أي في وجود استعارة مكنية تتألف من مشبه محذوف، ومشبه به موجود تتبعه صفة!؟ إن صح ذلك فإننا نستطيع أن نضع أي معنى في هذا التركيب، حيث لا قيمة للمعنى في صنع الشق الجمالي في رايه، وتحصل على الصورة وجماليتها، وهذا غير صحيح.

ولنقارن بين ما ذهب إليه الكاتب، وما كتبه قبل قرون طويلة سيد نقادنا التراثيين عبدالقاهر الجرجاني عن جمالية الصورة وعناصر بنائها ويسميها التمثيل يقول: «لم كان للتمثيل هذا التأثير؟ وما الذي أوجبه واقتضاه؟ إذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابا وعللاً كل منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل وينبل ويشرف، فأول ذلك وأظهره أن أنس النفوس موقوف على أن نخرجها من خفي إلى جلي، ونأتيها بصريح بعد مکني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء هي بشأنه أعلم وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما علم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس، أو المركوز فيها من جهة الطبع يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحکام»... إلى أن يقول: «فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله، كمن يخبر عن شي، من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب، ويقول ها هو ذا فأبصره تجده على ما وصفت(50).

لقد ربط عبد القاهر کيان الصورة وقيمتها بالمعنى والشعور الذي تنقله إلى المتلقي، فكم هي المسافة بين الرأيين؟

ولا أحسب أن الكاتب يغيب عنه أن دراسات النقاد في العصر الحديث تركز على القيمة التعبيرية للصورة، وتجعلها مهمتها الأولى ومصدر جمالياتها الأكبر، وتتهم الصور التزينية التي تأتي لتجمل المعنى وحسب بالاستطراد، وتنزع منها قيمتها الجمالية، وبقدر ما يكون التلاحم بین صياغة الصورة وما توحي به من دلالة تكون

قيمتها الجمالية عالية، وهذا يستلزم كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: "توحيد المضمون والشكل في التعبير الدال على الصورة، والعملية الفنية لا يتصور فيها الفصل بين مضمون الصورة والتعبير عنها بالشعر أو بالرسم أو النحت أو الكلام عامة. وهذا هو رأي المدرسة التعبيرية الحديثة وعلى رأسها بندتو کروتشه، ولا اعتداد بالكلمات مفردة من حيث هي مادة التعبير، ولا من حيث الجرس والصوت منفصلين عن الصورة(51).

نخرج من ذلك كله إلى أن الصورة تركيبة فنية لا ينفصل المبنى فيها عن المعنى، وأنها تركيبة تقبل جميع المعاني الإسلامية وغير الإسلامية، وقد تمايزت المذاهب والاتجاهات الأدبية المختلفة فيها بالمعاني التي شحنها كل منها بها، فصنع قاموسا من الصور الممهورة بخصوصياته، ولا يخرج الأدب الإسلامي عن هذه القاعدة، فقد

برزت الصورة في نصوص مبدعيه المقتدرين بأنواعها المختلفة، وحملت بصمات الخصوصية الإسلامية في إيحاءاتها، واستخدم بعضها الرموز والأقنعة وسائر المعطيات الفنية الحديثة على نحو ما شهدناه في قصيدتي صالح سعيد الزهراني ومحمد علي الرباوي، واستخدم بعضها الآخر الصور القريبة التناول الغزيرة الإيحاء البارعة في إثراء الخيال بدلالات متراسلة، على نحو قول الشاعر عبد الرحمن العشماوي(52):

مساء الخير يا وطني

أتيتك أنقش الإصرار في بوابة الزمن

ملأت فؤادي الخاوي بنور الله

كي أحميك يا وطني

أتيتك والرؤى البيضاء تتبعني

أتيتك والهواء الطلق يعزفني

أتيتك بلبلا يشدو

يثير كوامن الفتن

أتيتك أيها الغالي

نشيد يعربي اللحن ثغر المجد ينشدني

مساء الخير يا وطني

مساء شريعة سمحة

مساء الخير والإيمان والفرحة.

منهجية التقويم والتوثيق:

اتهم الكاتب نقاد الأدب الإسلامي – هكذا بكل ما تحمله العبارة من تعميم – باضطراب الرؤية والاختلال غير المعلل في نعت نص ما بالإسلامية(53)، ومثل لذلك بأربعة شواهد:

الأول: وصف الدكتور عماد الدين خليل لمثنوي، جلال الدين الرومي بأنه الشلال المليء بالحيوية والحياة.

والثاني: بيتان لأحد أعضاء رابطة الأدب الإسلامي يصف حبيبته بأنها أحلى عنده من دعاء مستجاب، ويستطرد في عبارة سريعة يستنكر فيها اعتبار الرافعي أديبا إسلاميا لأنه أنشأ كتابه «على السفود».

 والثالث والرابع: مقطعان من قصيدتين لشاعرين وصفا بالحداثة وفيهما مناجاة روحية عذبة(54).

وأول ما يثير العجب في هذا العرض المتداخل أنه لم يقدم في اتهامه الشامل لنقاد الأدب الإسلامي سوى الشاهد الأول الذي تصح نسبته إليهم، وقد وقع الكاتب في شاهده والتعليق عليه في أكثر من ورطة كما سنرى، أما الشواهد الأخرى فباستثناء إشارته العامة السريعة للرافعي - وقد سبق الإشارة إليها - لا علاقة للنقاد الإسلاميين بتلك الشواهد من قريب أو بعيد، لأن الكاتب لم ينقل عنهم شيئا ليدينهم به، وإنما وضع تساؤلات وافتراضات، وبنى عليها أحكامه وإداناته.

والحق أني لم أشهد مثل هذه الفوضى المنهجية في الاحتجاج والأحكام، فلكي تصح إدانة النقاد الإسلاميين ينبغي أن يسوق شواهد من أقوالهم في النصوص التي يقدمها لا أن يعتمد على الفرضيات والأحكام، ولننظر في كل من الشواهد التي عرضها.

الشاهد الأول: قدمه لإدانته لوصف د. عماد الدين خليل مثنوي جلال الدين الرومي بأنه شلال مليء بالحيوية والعطاء، وكنت أتوقع منه أن تكون حجته في الإدانة أن يثبت عكس ما قاله الدكتور عماد، أي أن يعرض علينا من نصوص المثنوي ما يبين بأنه ليس شلالا وليس فيه حيوية ولا عطاء، غير أن الكاتب للأسف ذهب إلى الجانب الذي سیحذر منه بعد قليل، إلى إدانة الشاعر بالصوفية والتطرف والقول بوحدة الوجود.

وتشتد المفارقة في تقويم الكاتب للشاعر بهذه المقاييس عندما نراه يوثق هذه التهمة بعبارات يأخذها من مصدر ثانوي في هذا الميدان هو كتاب الأعلام للزركلي، الذي ينقل عن كتاب في التاريخ لمؤرخ عراقي حديث عنوانه: "تاريخ العراق بين حربين(25)، وقد حذف الكاتب القسم الأخير من عنوان الكتاب كي لا يحس القارئ بالمسافة الكبيرة بين قيمة المصدر وطبيعة الحكم!.

فهل كان المثنوي بعيدا عن الكاتب؟ وقد طبعته وزارة الثقافة في مصر مترجمة إلى العربية في ستة مجلدات قبل أكثر من عقد، ولا أظن أنه غائب عن مكتبات الجامعات وكليات الآداب وخاصة التي فيها أقسام للآداب الشرقية فضلا عن مكتبات المثقفين؟

وهل غابت مصادر الدراسات الأدبية والنقدية عن الكاتب إلى درجة يوثق فيها بطريقة أحسبه لا يقبلها من طالب يكتب بحثا تحت إشرافه! ثم هل تعتمد في الحكم على شاعر بأنه كافر أو فاسد العقيدة بعبارة وردت في كتاب عن تاريخ العراق بين حربين؟

وماذا نقول عن قاعدته التي يسميها (الطريقة المثلى في التعامل مع النص الأدبي) والتي أنفق وقتا وجهدا في استنباطها من أقوال بعض نقادنا التراثيين، ونصح منظري الأدب الإسلامي أن يأخذوا بها، وخلاصتها كما يقول: «يجب أن نقبل كل نتاج أدبي ونخضعه للدراسة إذا حقق الشروط الجمالية، ولكل ناقد الحق في رد ما يراه خطأ، ولكن دون أن يقول: هذا إسلامي وهذا غير إسلامي، فالأدب واحد من حيث اصطباغه بالقيم الفنية؛ سواء أكان قائله كافرا أم مؤمنا، شديد الإيمان أم مسلماً مفرطاً.(56)

إن المفارقة كبيرة بين العبارة التي أوردها الناقد عماد الدين خليل عن المثنوي بأنه شلال عطاء للدلالة على ثراء مضمونه، وبين حكم الكاتب بأن صاحب المثنوي فاسد العقيدة، في شعره ما يدل على أنه يقول بوحدة الوجود! فهل تعددت المكاييل عند الكاتب، فيكيل للآخرين بكيل، ويكيل لنفسه بغيره؟

وفضلا عن عدم أهلية المصدر الذي اعتمد عليه، فإن ثراء "المشنوي" في غیر جانب العقيدة جعله نصاً أدبياً عالميا، وجعل منظمة اليونسكو تخصص لصاحبه يوما عالميا، وبودي لو أن الكاتب صدر في أحكامه عن قراءاته الخاصة، أو عن مصادر أدبية ونقدية إن فاته الوصول إلى المثنوي، أو أنه طبق على نفسه القاعدة المثلى التي نصحنا بها، قاعدة فصل العمل الأدبي عن عقيدة صاحبه، ولو فعل ذلك لوجد أن ناقدنا مصيب ودقيق في عبارته.

أما الشاهدان الآخران؛ فيظهران ليس اضطراب المنهجية وحسب، بل غياب الموضوعية أيضا، فالأول فيهما بيتان ينسبهما الكاتب لعضو رابطة الأدب الإسلامي دون أن يصرح باسمه، أو يذكر المصدر الذي نقل عنه، والصورة في البيتين فيها تجاوز مرفوض لأنه يجعل حبيبته أحلى عنده من دعاء مستجاب!.

وعثرة الكاتب أنه لم يبين لنا مسؤولية نقاد الأدب الإسلامي فيه، بل تساءل: هل يقبل المنظرون للأدب الإسلامي ذلك؟

وأنا أتساءل: أية منهجية هذه في جعل هذين البيتين دليلا على اضطراب الرؤية وسوء التصنيف عند النقاد الإسلاميين؟ فمن منهم قبل البيتين المذكورين، ومن اختارهما في مختاراته لنماذج الأدب الإسلامي؟ وأية موضوعية تجعل أولئك -بشمولية مفرطة- متهمين بل ومدانين، لأن عضواً في رابطة الأدب الإسلامي لا تعرف من هو ورد في شعره صورة كابية؟ ومن زعم أن الرابطة تمنح أعضاءها عصمة من الخطأ، وحصانة من الحساب؟

وأما النصان الآخران، وهما في سياق واحد، فهما أبيات مشحونة بالمضمون الإسلامي والعاطفة الإيمانية الشاعرين وصف بعض كتاب الأدب الإسلامي الأول أنه من الحداثيين، والثاني بأنه من سدنتهم، وقد بينت بجلاء في فقرة النص والمبدع استقلالية النص في حالات كثيرة عن السمة العامة المبدعة، ومثلت لذلك بأبي نواس الذي أبدع في وقت صحت فيه فطرته عدة نصوص أدبية متميزة، وأكدت أن الحكم على المبدع قد يتفق، وقد يختلف عن الحكم على النص، فنحن لا نواجه رجلا آلياً مبرمجاً على نمط واحد، إنما نواجه أديبا له مشاعر ومواقف متفاوتة، ويمر في حياته بمتغيرات شتى تظهر بصماتها فيما يبدعه.

والموضوعية تقتضي أن تنظر في النص الذي أبدعه، ونقومه بالعناصر التي وجدناها فيه، وأن نصنف الأديب بما شاع وكثر من مواقفه وتوجهاته، وعندما نجد بعض في بعض نصوصه هذا التباين نتوقف عنده؛ لنحمد ما يستحق الحمد، ونرفض ما لا نقبله من مواقف خاطئة ورؤية منحرفة.

وإذا وصف أحد النقاد الإسلاميين شاعرا بالحداثية لنصوص ومواقف أخرى شاعت لديه، ولم يبرئه منها ليتبين في ديوانه المخطوط ربما لم يطلع عليهما أحد سوى الكاتب، فهل هذا تصنيف واه.

الشاهد والسياق المحرف:

اتهم الكاتب في مقالته منظري نظرية الأدب الإسلامي بالمبالغة في وصف واقع الأدب العربي، واستشهد بثلاثة مقاطع من كتاباتهم، الأول لكاتب وصف الأدب العربي الحديث بالتخبط في أوحال المادية والعبثية والفحش، والثاني للكاتب نفسه وصف ذلك الأدب بفقد الهوية والإمعية، والثالث لكاتب آخر يقول عن الأديب المسلم: إنه يعيش في مجتمع غارق في الجاهلية إلى قمة رأسه، وعلق الكاتب على المقولة الأخيرة بقوله: «ما أعجب هذا الوصف ، وما أبعده عن الحقيقة(27)، وقد سررت وأنا أقرأ إنكار الكاتب المبالغة والتعميم من المنظرين، ونظرت في حواشيه لأتعرف على هؤلاء المنظرين المبالغين ففوجئت بأن أرى اسمي بينهم وأنني صاحب المقولة الثالثة التي عقب عليها، وعجبت - وما أبرئ نفسي- أن أكون قد تورطت في مثل هذه المقولة، فقد تكون من حماسة الشباب أو زلة لم أنتبه إليها، فالكتاب الذي وردت فيه العبارة المنقولة مضى عليه حوالي ربع قرن، ولكن شيئا من الشك راودني، فرجعت إلى المصدر وهو كتابي "مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي"، فتحول عجبي إلى دهشة ومرارة، دهشة لا في أن يقدم باحث أكاديمي على اجتزاء عبارة من سياقها ووضعها في سياق يغير دلالتها، ومرارة من أن يبلغ احتشاد الكاتب للنيل من نظرية الأدب الإسلامي درجة يفقد فيها الموضوعية والمنهجية، وينزلق إلى لَيِّ أعناق النصوص وتحريف الكلم عن مواضعه، وأعرض فيما يلي السياق الذي وردت فيه العبارة ليتبين للقارئ مدى التحريف الذي أحدثه الكاتب في اجتزاء العبارة من سياقها ووضعها في سياق آخر مخالف له.

كان الموضوع الذي أعرضه هو أثر "التوتر" في التجربة الشعورية للأديب، والتوتر الذي يعيشه الأديب المسلم فيوقد تجربته الشعورية ويدفعه للإبداع، وبينت أن التوتر على نوعين: نوع ينشأ من حالة عدم الانسجام مع الواقع، ونوع ينشأ في حالة الشعور بالانسجام التام والمتفوق مع العالم، واستعرضت حالة الأديب المسلم فقلت(58):

"الأديب المسلم يواجه حياته أحد احتمالين: الأول: أن يعيش في عالم لا يجد فيه تطابقا بينه وبين المثال الذي يصبو إليه، فتكون تجربته الشعورية في توتر دائم تحيط بها الرغبات المكبوئة في اللاشعور، والسعي الحثيث إلى تحقيقها، وجميع دوافع الحلم الأخرى، فهو يعيش في مجتمع غارق في الجاهلية إلى قمة رأسه، ثائرا عليها، منكرا كل وضع غير صحيح، وهو أيضا يعيش الإسلام في أعماقه وفي سلوكه ما استطاع وبقدر ما يسمح له المجتمع الجاهلي، وبأفكاره ومشاعره، وينظر إلى ما حوله من زاوية إسلامية محضة. وفي هذه الحالة سيكون توتره عاليا، وسيكون منتجا أبدع إنتاج.

والحالة الثانية: أن يعيش في مجتمع يجد فيه حدا أدنى من التطابق بين المثال والواقع، فيكون لديه جزء من دوافع التوتر الأولى لاستكمال بناء المثال في الواقع، كما يكون لديه فرصة أكبر ليعيش النوع الآخر من التوتر، توتر الانسجام والتفوق فيه".

لقد اضطررت لنقل الفقرة بأكملها ليتبين للقارئ أن الكاتب لم تكن لتغيب عنه دلالة العبارة التي اجتزأها، فهي في سياقها وصف لحالة قد يعيشها الأديب المسلم في بعض المجتمعات، والكاتب -في يقيني- لا يغيب عنه تلك المجتمعات العربية وغير

العربية التي وقعت في فترات من زمننا المعاصر ظل سلطة تحارب بشراسة القيم الإسلامية، وتراقب المساجد، وتنزع الحجاب، وتشك في الملتحين، وتعد الأدباء الإسلاميين من أعدائها الخطرين، فتلقي ببعضهم في غيابة السجون، وتصفي بعضهم بأبشع الأساليب، وبالمقابل تشجع الفجور والمجون والفساد، وتجتهد في إشاعته في المجتمع، فبماذا توصف تلك الحالة؟

ثم إنني حددت في حديثي الصفة ولم أسمِّ مجتمعا معينا، ولم أعمم الوصف على المجتمع العربي والإسلامي كما زعم الكاتب، ثم ذكرت في السياق نفسه الحالة الأخرى التي يجد فيها الأديب المسلم مجتمعا يختلف عن هذا المجتمع يحقق فيه على الأقل الحد الأدنى من مثله وتطلعاته، فكيف استساغ الكاتب أن يقتلع العبارة من سياقها ويغير دلالتها من حالة افتراضية لها أمثلة في بعض مجتمعاتنا إلى اتهام عام للمجتمع بأنه غارق في الجاهلية إلى قمة رأسه؟ بل أن يخص هذه العبارة بالتعجب والرفض.

إن هذا التحريف هو الأولى بالتعجب والرفض؛ التعجب من وقوع الكاتب – وهو الأكاديمي والباحث المعروف- وفي هذه السقطة، والرفض لمنهج ليِّ أعناق النصوص وتغير دلالاتها، فهذا المنهج يشكك في مصداقية البحث ويجعل الأحكام التي تظهر فيه لا قيمة لها، بل يثير فينا شعورا بالحاجة لفحص الشواهد والحجج الأخرى للتأكد من سلامتها من تحريض الدلالة وخطأ التوجيه وتزوير الشاهد.

وبعد:

فأحسبني في غنى عن الوقوف على العبارات الإقصائية للأدب الإسلامي ورابطة الأدب الإسلامي المنتشرة في مقاله، وأعدها انفعالية لا طائل وراءها، وأنظر إلى الأحكام التي افتتح بها مقاله، فسد الآفاق وأدان المصطلح، ولم ير في جميع نصوص الأدب الإسلامي بارقة أدب، وفي جميع كتابات منظريه ما يقنع أحدا، فأجد تلك الأحكام تعتمد على فرضيات تصدر من استقراء ناقص ورؤية جامدة، وموقف مسبق، وفوضى منهجية في الاحتجاج، وتعدد المكاييل واجتزاء القول من سياقه ووضعه في سياق مخالف التحريف دلالته، وانتقائية سلبية لأبيات ينسبها للأدب الإسلامي لا تبلغ عدد أصابع اليد، فيهون شأن تلك الأحكام وتنضاف إلى المقولات غير الموضوعية، وحصاد الخصومات العصبية، وأزداد يقينا بأن آفاق الأدب الإسلامي مفتوحة واسعة تمتد في الزمان والمكان والفن والموضوع من الأدب العربي قديمه وحديثه إلى آداب الشعوب الإسلامية بلغاتها المختلفة منذ هداها الله للإسلام إلى وقتنا هذا، ومن أدق شؤون الإنسان إلى أعظم قضايا الكون، وأن مصطلحه ثابت مطمئن يعبر بوضوح عن الدلالات التي أرادها له منظروه، وأن التداعيات التي ينسبها له بعضهم وهم ومغالطات مكشوفة، وأن نظريته تحلق بجناحي الأدبية والمضمون، فتكسب المضمون ولا تخسر الشكل، وتحمل في طياتها رسائل والخير والجمال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

45- انظر مثلا: مجلة الأدب الإسلامي، العدد ۳۱، ص92، السنة 1422هـ.

 46- من مكابدات السندباد المغربي، محمد علي الرباوي، ص 28- 29، دار النشر الجسور، وجدة، المغرب، 2002م.  

47- السابق نفسه.

48- فصول من سيرة الرماد، صالح سعيد الزهراني، ص۲۲، نادي القصيم الأدبي، بريدة 142۰هـ.

49- المقال، ص67.  

50- أسرار البلاغة، ص101.  

51- النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، ص 54، مكتبة نهضة مصر، 1969م.  

52- شموع في زمن الانكسار، عبد الرحمن العشماوي، ص 25، مكتبة العبيكان، الرياض، 1427م.  

53- المقال، ص68.    

54- السابق نفسه.

55- المقال، ص74.  

56- المقال، ص69.  

57 – المقال، ص72.  

58 - مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، ص40.   

 

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب