الأدب الإسلامي المعاصر والمدخل إلى العالمية ج 2
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Oct 23, 2019   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

 

 

أما القسم الآخر, من أدب الإِسلام, أعني «أدب الحضارة» فهو ذلك النوع من النشاط الفني الأدبي الذي يصدر عن القاعدة الحضارية الواسعة, التي تعبر عن المدنية الإِسلامية بكل ما فيها من روح وفكر, وفن وتصور, وقيم, ومواضعات اقتصادية وسياسية, وطبائع اجتماعية وتشريعية, وإشكاليات نفسية, وهواجس مستقبلية, وتراث أسطوري أو تاريخي كوني, وهموم إنسانية عامة, وغير ذلك, ومن شبكة الحياة الواسعة, الكثيفة الأفرع, والبعيدة الامتداد, وأدب الحضارة بهذا المعنى, لا يحمل الرسالة بالمفهوم السابق, وإن كانت روح الإِسلام تتسرب في حناياه, وتذوب مع ذراته الدقيقة, إلى الدرجة التي تكاد فيها لا تدرك بالحس المباشر, واليقظ.

وهذا النوع من أدب الاسلام ـــ أدب الحضارة ـــ هو الذي يملك مقومات العالمية بكل أبعادها, وذلك لأنه لا يصدر عن حالة من الهم المباشر بقضية الإِسلام, مما يجعل ثمة حواجز دينية وتراثية تحول دون امتداده في الوجدان الإِنساني العام, وهذا الأمر يكسب أدب الحضارة الإِسلامية حيوية كبيرة, تغري البناءات الحضارية الأخرى, لكي تفتح نوافذها لاستقبال ذلك الروح الأثيري الجديد, برؤاه الجديدة, ومعاناته المختلفة لمشكلات الحياة الإِنسانية.

وعلى الجانب الآخر, فهو لا يصدر ـــ حين يصدر ـــ متوجهاً إلى الإِنسان المسلم على وجه التحديد, وإنما هو يخرج رحيقاً إنسانياً صافياً, مجرداً عن أية قضية محددة, أو وجهة مميزة, تماماً كما يخرج رحيق الزهر من طلعه, لا يعنيه من يستعذبه، ولا من يشريه, وإنما هو ينبعث للحياة انبعاثا فطريا خالصا, دونما تكلف أو وعي مضبوط.

وهذا الأدب الإِسلامي ـــ أدب الحضارة ـــ هو جمهرة أدب الإِسلام, الذي أفرزته حدائق الإِسلام الواسعة الامتداد, والهائلة التشعب والتنوع, والوافرة الثروة على مدار التاريخ الطويل للحضارة الإِسلامية.

وأدب الحضارة ـــ من ثم ـــ هو مدار العالمية فى أدب الإِسلام, ومن حيث الخصيصة الإِنسانية المجردة, التي تجعله قادراً على اختراق حواجز «المرجعية الشعورية المكتسبة» في البناء النفسي للإِنسان في شتى  البنى الحضارية, لينفذ إلى صميم «المرجعية الشعوريـة الفطرية», والتي لا يختلف فيها الإِنسان عن الإِنسان في أي مكان من وجه الأرض, بل وفي أي زمان على مدار التاريخ.

وهذه الخصيصة, هي التي تمنح كتاباً مثل «طوق الحمامة في الألفة والألاف» لأبي محمد علي بن حزم الأندلسي, ابن القرن الخامس الهجري, حيوية بالغة عندما يترجم إلى عدد من اللغات الأوربية الحديثة, حتى إنه يتصدر قائمة المبيعات الأدبية المشرقية في «بولندا» في مطلع القرن الخامس عشر الهجرى, تاركاً وراءه أحدث النتاجات الأدبية في الشرق, بما فيها تلك التي يجهد أصحابها في تقليد المذاهب الأدبية الأوربية ذاتها.

وهذه الخصيصة ـــ أيضا ـــ هي التي تجعل كتاباً مثل «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري أو «حي بن يقظان» لابن الطفيل, منهلاً ينهل منه أدباء أوربيون كبار, ويبدعون من خلال «روحه» وحتى «إطاراته الفنية».

وهذه الخصيصة ـــ أيضا ـــ هي التي تمنح إنتاجاً شديد الخصوصية في البناء الحضاري التاريخي للإِسلام, مثل «أدب بني ساسان» أو «أهل الكدية», أو بالتعريف القريب «أدب المتسولين» جاذبية هائلة, تسترق مشاعر المستشرق السوفيتي «مينوسكي», والمستشرق الألماني «رور صوير» فيخرجون ذخائرها, ويحققونها, وينشرونها في العالمين, حتى قبل أن تنتبه لها الإِدارات المتخصصة في العالم العربي(12).

وهذه الخصيصة ـــ أيضا ـــ هي التي تمنح «رباعيات الخيام», تلك الجاذبية الروحية الكبيرة التي تشد إليها وجدانات البشرية في العديد من اللغات المختلفة والأنماط الحضارية المتباينة.

وهذه الخصيصة ـــ أخيراً ـــ هي التى تمنح كتاباً مثل «ألف ليلة وليلة» تلك الهيمنة العجيبة على خيالات البشرية في كل مكان, لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تراثها الأسطوري الذي يربض على مناحي التفكير الفني وآفاقه الإِنسانية.

هذا التراث الأدبي الكبير الذي لم يعرف يوما ما, إشكالية الأدب الملتزم وغير الملتزم, والمسؤول وغير المسؤول, والهادف وغير الهادف, هو الذي يصدق عليه كلامنا ـــ عند الإطلاق ـــ بوصفه: أدب الإِسلام العالمي.

ـــ 5 ـــ

العالمية في أدب الإِسلام طبيعة طابعة, وخصيصة أصيلة, لا تقصد قصداً, ولا تتكلف تكلفا, نظراً للطبيعة الإِنسانية التي تمثلها قاعدته الحضارية التي يصدر عنها, ومن ثم؛ فعندما نتحدث عن شروط إعادة أدب الإِسلام إلى مدارات العالمية, فإن حديثنا ذاك, يتعادل تماماً مع حديثنا عن شروط نهضة الأدب الإِسلامي وحسب.

وعلى الرغم من اتصال الحياة الأدبية, بظواهر الحركة الحضارية بوجه عام, وهو الأمر الذي يبشر بنهضة حضارية جديدة, إلا أن ثمة شروطاً فنية ومنهجية ومنطقية, ينبغي أن تراعي إذا أردنا لهذه النهضة الأدبية أن تؤتي أكلها, وثمارها, وتنجو من مزالق التيه, وعثرات الطريق.

ويمكننا أن نلخص تلك الشروط في النقاط الآتية : 

أولاً:  صدق التجربة, وسلامة التصور: لقد سبق وأوضحنا أن الخصوصية هي شرط العالمية, وأن الأصالة هي مدخلها, وبالتالي فعندما نتحدث عن شروط نهضة الأدب الإِسلامي, فإنه يقفر فى المقدمة شرط «صدق التجربة».

إن المواقف الأدبية, أو النماذج الإِنسانية التى يعالجها الأديب المسلم, ينبغي أن تكون صادرة عن واقع صحيح يعيشه ويحياه, أو ـــ على الأقل ـــ تملك المواقف والنماذج التي يختارها معقولية الصدور عن مناخ إنساني حضاري يمثله الأديب بوصفه مسلما.

والحقيقة أن «صدق التجربة» يرتبط ارتباطا وثيقاً بسلامة التصور, والتأمل في وضعية الإانهيار والتبعية التي غرق فيها الأديب العربي المسلم, والتي تفتقر في عمومها لصدق التجربة, سيلحظ بوضوح أن السبب الأساسي يعود إلى «اغترابه الفكري», والخرق الذي أصاب «فلكه الثقافي», حتى لقد وصل الحال ـــ في مرحلة هامة من تاريخنا الحديث ـــ إلى حد شعور الأديب العربي المسلم أنه في وضع صراع مع كيانه التراثي والتاريخي والديني كذلك.

ولقد صور لنا الدكتور «محمد حسين هيكل» بدايات الأزمة تصويراً دقيقاً, وعن تجربة, فقال: «والشرقيون الذين لم يفطنوا بما يجب من الدقة إلى هذا الاتصال التاريخي بين الدين والعلم والفلسفة والأدب في الغرب, والذين فتنوا بأدب الغرب, خيل إليهم أنهم قديرون على نقل صور الأدب إلى الشرق كنيسة ككنيسة الغرب, وأن ما انتهى إليه النضال بين الدولة والكنيسة في الغرب, يجب أن يبدؤوا عنده حملتهم على الكنيسة الموهومة في الشرق»(13).

و «هيكل» ـــ رحمه الله ـــ لم يكتف بتسجيل ذلك الانهيار على أبناء جيله وحسب, بل ذهب إلى حد الاعتراف الشخصى بالحقيقة, فقال: «وأعتراف أن خواطر كهذه جالت بنفسي في أوقات متفاوتة»(14).

ومن هنا؛ فإنه سيكون من الضروري, في خطوات الأدب الإِسلامي الأولى نحو نهضته, ونحو العالمية, أن يتضلع بهذا الفتح, الطلائع الإِسلامية الواعية, والتي تحمل في حناياها وضمائرها إرادة التغيير, وسلامة التصور, والارتباط الحميمي بأمتهم: تراثا, وواقعا, وآفاقاً مستقبلية.

ثانياً: تجاوز الموقف التاريخى إلى الواقع الحي: وهذه المسألة, قد تكون لها بعض حساسياتها مع أصدقائها وإخواننا مبدعي الأدب الإِسلامي المعاصر, إلا أن ظن الخير يمنحنا الشجاعة لنقد الخلل, وتوجيه المسار.

إن الملاحظ على عامة النتاجات الأدبية الإِسلامية الجديدة ـــ ولا سيما في الفن الروائي والمسرحي ـــ انتحاؤها منحى التاريخ, بمواقفه ونماذجه على السواء, وتكاد عملية الاستلهام هذه تقبع في حقبة محدودة, لا تتجاوز القرون الثلاثة الأولى, وباقي تاريخ الإِسلام همل, إلا من الوقفات عند المعارك الكبرى, كمعارك صلاح الدين, والظاهر بيبرس, وحتى هذه الوقفات لا تحاول النفاذ إلى أعماق الضمير الشعبي الإِسلامي, بقدر ما تحاول تسجيل المشاهد التاريخية الظاهرة, والفذة, أيضا الملوكية, وربما يعود ذلك إلى ضعف الحصيلة المرجعية من كتب التاريخ المتخصصة, وهو الأمر الذي تكشفه نقاط فراغ كثيرة في العمل الفني, يحاول الأديب سدها عن طريق تمديد الحوار أو الوصف, فى المواقف المركزية.(15)

ومسألة استيحاء التاريخ في العمل الأدبي, حق مشروع تماماً للأديب, ولا مماحكة في فنيتها وقيمتها, ما استوفت شرائط العمل الفني, لكن الذي نتحفظ عليه, هو أن يستغرق التاريخ مجهودات مبدعينا, ويصبح ـــ وحده ـــ مستودع تجاربهم الفنية, فمثل هذا المنحى يصبح بمثابة شهادة إفلاس للأدب, ويتحول التاريخ إلى «بنك» للمفلسين, ممن يعجزون عن رصد واقعهم الحي, وتفجير مكنونات خواطرهم المشحونة بحركاته وصراعاته, وخلجاته, وأفراحه وعذاباته, وتحدياته, ومشكلاته العميقة.

إن الواقع الحي يملك من الخصوبة التجاربية, وسعة الرؤية, والجاذبية الفنية, ما يملكه الموقف التاريخي, إن لم يكن أكثر, فلماذا نقصر في هذا الحقل الكبير ونهمله!؟ وأين معاناة المسلم في حياته العادية وممارساته اليومية!؟

إنه لمن المؤسف أن يترك هذا الواقع الحي, بكل إلحاحه وحيويته, وتجاربه الخصيبة, للمغتربين فكراً وتصوراً, يستخرجون منه آلاف الصور والمشاهد والأنماط, بينما الأديب المسلم يقبع هناك في ركن بعيد زاوٍ, مهما قلنا عن قيمته, فإنها لن تبرر له أن يسجن قلمه ووجدانه فيه, ويصبح هو الآخر مغترباً, وإن كان من زاوية أخرى.

ثالثاً: الوازن النفسىي للأديب المسلم؛ في تعامله مع النتاجات الفنية الأجنبية, والمذهبيات النقدية والاتجاهات الأدبية, فإننا إن كنا نلح في إبراز مخاطر عملية الاغتراب أو الاندحار الذي ألقى بنفسه الأدب العربي المعاصر, لحساب آداب أمم أخرى, فهذا كان بالنظر إلى مخاطر هذا الجانب وإلحاحه الواقعي كشاهد حي.

إلا أننا ينبغي أن نحذر حالة التقوقع والانعزال عن مجريات الحركة الأدبية في العالم, لأن ذلك ـــ لو حدث ـــ ينعكس سلبا على حركتنا الأدبية, ويحرمها روافد إنسانية جادة من حقنا, بل من واجبنا, أن نتناولها, ونمحصها, ونهضمها, فنمرُّ ما نمرُّ, ونلفظُ ما نلفظُ, ونصبغُ ما نصبغُ.

إن الخصام العقائدي والقيمـي والاجتماعي مع الجاهلية, لا يعني القطيعة الكاملة مع كافة نتائجها الإِنسانية, فلقد رأينا الأدب الإِسلامي القديم يمتاح من معين الجاهلية العربية, والإغريقية والفارسية والهندية, فلماذا تكون الجاهلية الأوربية الحديثة بدعاً في الأمر!؟ .

إنه ـــ كما يقول الأستاذ «ناصر الدين الأسد»- «لابد أن نفتح النوافذ كلها, لنستقبل النور والهواء على أن نرى النور بأعيننا لا بأعين غيرنا, وأن نتنفس الهواء برئاتنا لا بالرئات التي تصنع لنا, وأن نفتح النوافذ ونغلقها حين نريد نحن, لا حين يراد لنا, وعلى الصورة التي نختارها, لا على الصورة التي تفرض علينا»(16).

رابعا : العمل الجاد على اصطناع منهج الأدب الإِسلامى المقارن, فى جامعاتنا ومعاهدنا العليا, والحقيقة أن هذا المجال هو واحد من أخطر المجالات الأدبية, بل الإِنسانية, التى ما زلنا نهملها إهمالاً غربياً, ومربياً !!

ومن عجب أن يتعزز منهج الأدب المقارن فى مؤسساتنا التعليمية العليا على أساس الربط بين آداب أقطار الإِسلام فرادى, مع الأدب الأوربى الحديث, حتى أصبح من المألوف أن يعرف العربى المشرقى عن تاريخ الأدب الانجليزى مالا يعرفه عن تاريخ الأدب التركى الإِسلامى, ويعرف العربى المغربى عن تاريخ الأدب الفرنسى مالا يعرفه عن تاريخ الأدب الفارسى أو الهندى الإِسلامى.

إن إيجاد, وتنشيط, منهج الأدب الإِسلامى المقارن بين لغات الإِسلام وشعوبه وأقطاره, سيتيح إمكانية كبيرة, لتخصيب الفكر الإِبداعى فى أدب الإِسلام, وسيعرض أمام الأديب المسلم كماً هائلا من التجارب الإِنسانية والفنية الحية, والتى لن يشعر أبداً بغربتها عنه, لأنها صادرة عن وجدان وواقع, صاغهما تاريخ وتراث ودين ـــ وربما تحديات ـــ هى نفسها التى صاغت واعه ووجدانه.

إنه ـــ باختصار ـــ سيشعر بامتداد إنسانى عالمى لواقعه الإِسلامى بكل ما يعتمل فيه من حياة نابضة, هذا بالإِضافة إلى الإِفادات الأخرى من التجارب الفنية والجمالية, والنحاولات التجديدية المتواضعة, التى تتضخم وتزهو بتراكم الخبرة والفحص والتطوير. هذا, وللأدب الإِسلامى المقارن قيمة أخرى عظيمة, تتصل بمشاعر وحدة الأمة وطبيعة التحدى الحضارى الذى تجابهه فى واقعها المعاصر.

وقد سبق لنا أن تعرضنا لمشكلات هذه المسألة, وأبنّا عن خطورتها, وقدمنا مقترحاتنا لايجاد منهج الأدب المقارن وتنشيطه, نكتفى هنا بإحالة القارىء إليها, تحاشياً للإِطالة والتكرار.(17)

خامسا : الخدمة الإِعلامية المناسبة : وفى هذه النقطة تتفتق جروح وأحزان, على الباحث والأديب المسلم, حين يرى الحصار المضروب على الأدب الإِسلامى, فى منابرنا الإِعلامية من صحافة وإذاعة, ودوريات, ومنتديات, ومؤسسات إعلامية رسمية وشعبية, بصورة لا تحتمل إلا وصف « التواطؤ » على خنق هذا الأدب.

فلقد وصل الحال بأحد الباحثين المصريين فى مجال الأدب, أنشأ « ببليوجرافيا » للرواية المصرية منذ مطلع القرن العشرين, وحتى الثمانينات من القرن, فوجد فى نفسه الشجاعة لأن يسقط كافة النتاجات التى كتبها الروائى المسلم « نجيب الكيلانى » رغم دقة دراسته, التى تقصت الأغمار ومن لا يعرفوم ! (18)

الذى نريد قوله؛ أنه لا يمكن أن توجد حركة أدبية ناشطة, فى أى مكان وأى زمان, دون معونة إعلامية كافية, تخدمها وتعرف بها, وتحقق التواصل بين المبدع وقارئه أو مستمعه, والتواصل ركن كامل من أركان الحياة الأدبية تموت بموته, ومن هنا فإننا نحدد المسؤولية المباشرة على أطراف ثلاثة :

أ ـــ المنظمة الإِسلامية للتربية والثقافة والعلوم « اسيسكو » بوصفها الكيان المنوط به خدمة قضايا الإِسلام ومشكلات الثقافة الإِسلامية, وليس من المقبول ولا المعقول أن يقوم رجل مثل الأستاذ الشيخ « أبى الحسن الندوى » بمجهوداته فى بعث الأدب الإِسلامى, دون المعونة الكافية من المنظمة الإِسلامية.

والمطلب الملح الآن أن تصدر المنظمة مجلة إسلامية راقية, ومتخصصة للأدب الإِسلامى.

ب ـــ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم « اليسكو », فالإِسلام هو دين العرب وتاريخهم والعربية ما أخذت مكانتها التاريخية العالمية, إلا بوصفها لسان الإِسلام ولغة حضارته, فكيق تتاح المنابر والمنافذ الدعائية والإِعلامية, والمنتديات المدعومة من المنظمات العربية, لكافة أصحاب المذهبيات المغتربة, من أقصى اليسار المتطرف, حتى أقصى اليمين العلمانى, دون أن تتاح حتى فرصة المشاركة للإِسلاميين ؟ وإن هذا الكلام يصدق على قضية الأدب.

لقد أصبحت المنتديات الأدبية التى تشرف عليها وتنفق جامعة الدول العربية, حكراً على بعض النماذج الأدبية المعروفة بعدائها الصريح للإِسلام !

ج ـــ المجلات الإِسلامية, وكافة الدوريات التى تتبنى قضايا الإِسلام المعاصرة, إذ أن المساحة الأدبية المعطاة للأدب, لا تكفى لابراز حركة الأدب الإِسلامى بصورة

 

تذ ييــــــــــــــــــلات

 

(*) مطران شاعر مسيحى, ولكنا نستشهد بنتاجه هنا بوصفه ابن المجتمع العربى المسلم, الذى من المفروض أن أدبه صورة لواقعه ونسقه الحضارى كما كنا نستشهد  « بالأخطل » فى زمن الأول, بوصفه أبناً لواقع حضارى عربى إسلامى رغم دينه غير الإِسلامى .

1 ـــ من ذلك كتاب الدكتور محمد محمد حسين « الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر », وأبحاث متنوعة للأستاذ « أنور الجندى » والدكتور « محمد مصطفى هداره والدكتورة « عائشة عبد الرحمن » ولصاحب البحث, وخاصة كتاب « الغار على الوجدان المسلم ».

2 ـــ النسق الفنى لابد وأن يتلاءم مع « المادة » الوجدانية, فعلى سبيل المثال من يعالج حالة الحزن لا يستقيم له بحر الرجز, ومن يعالج الحماسة يوافقه « الكامل » أكثر من غيره, ومن يعالج معانى الفرح من المنافذ والمنابر الإِعلامية, التى تمكن الأدب الإِسلامى من اختراق الحصار المضروب حوله, والذى يمثل عائقاً أساسياً, من عوائق نضجه وانتشاره.

لائقة, ولا تغرى باستقطاب زاهرته الواعدة, وإن كنا لا نغمط بعض المجلات جهودها المشكورة, وفى مقدمتها مجلة « الوعى الإِسلامى » بالمقالات والنتاجات الإِبداعية(19) ومجلة  « المسلم المعاصر » بالدراسات والأبحاث النقدية.

ولا يفوتنا أن نذكر بالثناء ـــ فى هذا المقام ـــ الجهود المشكورة, التى يقوم بها تجمع الأدباء الإِسلاميين فى المغرب, من خلال مجلة « المشكاة ».

وتبقى المسئوولية التضامنية قائمة, على كل الأطراف الإِسلامية, ومؤسساتها الشعبية والحكومية, لتوفير القدر المناسب والخفة, لا يوافقه « الطويل أو المديد » وهكذا, كما أن القافية والروى, لابد من تواؤمها مع المادة الوجدانية, أو من البحر الشعرى كذلك.

3 ـــ راجع د. عائشة عبد الرحمن « قيم جديدة للأدب العربى » ص 241.

ط معهد البحوث والدراسات العربية, القاهرة, 1966 م.

4 ـــ راجع مقال د. محمد عبد المنعم خفاجى « الغزو الفكرى وموقفنا منه » مجلة « الأزهر » ربيع أول 1404 هـ ديسمبر 1984 م.

5 ـــ سورة النساء آية 157.

6 ـــ المصطلحات المسيحية, أصبحت تمثل « طوفاناً » أغرق معه الآليات الفنية للشعراء العرب المعاصرين ولأول مرة فى تاريخ الأدب العربى, تصبح ألفاظ : الصلب والصليب والقداس والعمادة ... إلخ هى المهيمنة على الصورة الشعرية ولغتها :

« صارت لى الكوؤس والأكمام وسادة ... حلما على الوسادة من زمن الولادة

فى غاية الرضاع والفطام

أنقل أجراس فى الليل إلى كنيسة النهار

النسع قداس بين الطلع والثمار

والورق العمادة ... »

هكذا يغنى الشاعر المسلم  « على أحمد سعيد » ( أدونس )

راجع الآثار الكاملة ص 14 ج 2 ط. دار العودة بيروت « الثانية » 1971 م, وقد تصل الاستعارة إلى حد التكلف  « الفج » كأن يقول شاعر عربى مسلم لوجدان عربى مسلم :

أشتهى أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة

أو صليباً من الذهب على صدر عذراء تقلى السمك لحبيبها العائد من المقهى !! »

راجع : محمد الماغوط « الآثار الكاملة » ص 26, ط. دار العودة « الثانية » 1981 م. وقد تصل  « الفجاجة » حد الاستفزاز, كأن يغنى « شاعر عربى مسلم كبير » لثورة الجزائر العربية المسلمة, فيقول :

« أقسمت يا جزائرى الحبيبة أن أحمل الصليب !!!! أن أطأ اللهيب ... »

هكذا يغنى عبد الوهاب البياتى, لشعب مسلم, ظل طوال أكثر من قرن يجاهد المستعمرين حملة الصليب.

راجع د. أنس داود « الأسطورة » فى الشعر العربى الحديث » ص 255.

ط. المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإِعلان ـــ طرابلس الغرب, بدون تاريخ.

7 ـــ راجع اللوحة الرابعة عشر « محاكمة يسوع » ص 371 وما بعدها.

ط. دار الأمة الإِسلامية, القاهرة  « الأولى » 1988 م.

8 ـــ راجع د. محمد غنيمى هلال « الموقف الأدبى » ص 72.

9 ـــ د. محمد غنيمى هلال « الأدب المقارن » ص 411.

ط. دار العودة / دار الثقافة, بيروت « الخامسة » بدون تاريخ.

10 ـــ يقول « محمود حسن إسماعيل » فى قصيدته :

واسنى يادهر وكفكف عن صروفى وأعنى

طال بالعار على الدنيا وقوفى لا تلمنى

وخبت من خزيها تحت سفوفى نار حزنى

بعت عرضى يا إلهى برغيف فاعف عنى

إلى أن بقول :

هكذا الدنيا على الدنيا هواها راح يقضى

حرة باللقمة العفراء راها بعت عرضى

رجع د. محمد هبد الرحمن شعيب « الأدب المقارن » ص 117. ط. دار التأليف. القاهرة 1389 هـ ـــ 1969 م.

11 ـــ راجع : هلال « الموقف الأدبى » ص 152.

12 ـــ قامت وزارة التربية والتعليم بمصر, بطبع كتاب « أدبى دلف الخزرجى مسعر بن مهلهل » فى وصف رحلته فى أواسط آسيا, وهى الرسالة التى حققها  « مينورسكى ».

13 ـــ « ثورة الأدب » ص 214. ط مكتبة النهضة المصرية, القاهرة, « الثالثة » 1965 م.

14 ـــ نفس المصدر, ونفس الصفحة.

15 ـــ يصح كلامنا هنا على نتاجات الأساتذة الرواد : محمد فريد أبو حديد, وعلى أحمد باكثير, وعبد الحميد جودة السحار, وكذلك النتاجات المبكرة للدكتور « نجيب الكيلانى ».

مع الإِشارة إلى أن كلامنا هذا لا ينتقص من ريادة هؤلاء النفر, ولا القيمة الكبرى التى قدموها للأدب الإِسلامى المعاصر.

16 ـــ  « التراث والمجتمع الجديد » ص 360.

من أعمال موتمر الأدباء العرب الخامس ـــ القسم الأول ـــ بغداد 1965 م.

17 ـــ « الأدب الإِسلامى المقارن ... ضرورة حضارية ».

« الوعى الاسلامى », العدد 291, ربيع أول 1409 هـ, أكتوبر 1988 م.

18 ـــ د. طه وادى « ببليوجرافيا عن الرواية المصرية من البداية حتى 1987 », مجلة القاهرة العدد 6,88  1987 », مجلة القاهرة العدد 6,88 ربيع أول 1409 هـ, 15 أكتوبر 1988 م.

19 ـــ أفرغت مجلة «الوعى الإِسلامى» العدد رقم (291) بصورة شبه كاملة للأدب الإِسلامى, إبداعا ونقداً ودراسة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المصدر: مجلة المسلم المعصر

منشور في العدد 54

الأربعاء, 22 شباط/فبراير 1989 12:21

  • السنة 1989

 

  • المدينة: لبنان.)

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب