قول على قول :/ الأدب الإسلامي المعاصر والمدخل إلى العالمية
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Sep 05, 2019   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

5201730233431688008635

جمال سلطان

 


الإِحياء الإِسلامى الكبير, الذي يشهده العالم الإِسلامي اليوم, والذي تترد أصداؤه في مختلف أرجاء عالمنا الإِنساني المعاصر, يتميز بكونه إحياء حضارياً شاملاً, لا يقف عند مجرد التحرك السياسي أو العسكري ضد هيمنة أجنبية مباشرة أو غير مباشرة.

كما لا يقف عند مجرد التحرك الفكري, أو الأخلاقي, أو الاقتصادي, أو غير ذلك من أجزاء الفعل الحضاري العام, وإنما هو حالة من الانبعاث الحضاري, تشمل كافة هذه الفعاليات الإِنسانية, إنه ـــ بكلمة ـــ حالة أمة تولد من جديد.

ولم تكن قضية الأدب ـــ بطبيعة الحال ـــ في معزل عن زخم هذا الإِحياء الكبير, ومن ثم نشطت الدعوات مؤخراً للبحث في قضية الأدب من منظور الإِسلام, وبدأت التجارب «الإِبداعية» تنشط عبر أقلام نفر من أدباء الفكرة الإِسلامية الناهضة, ومن خلال القصة, والقصيدة, والمسرحية, ونشطت معها عمليات البحث والتنقيب في اتجاهات الأدب الحديث والمعاصر, والتي باتت تهيمن على مناحي النشاط والفاعلية في ساحة الأدب في ديار المسلمين.

وعلى هذا الطريق, ظهرت عدة دراسات نقدية هامة, استطاعت أن تجلى لنا معالم الخرق والخلل التى أصابت فلكنا الثقافى, مرجعيتنا الشعورية, من جراء تغلغل تيارات الأدب الأوربى الحديث وسيطرتها على فاعليتنا الفكرية والأدبية.(1)

وعلى الرغم من كون هذه الدراسات والأبحاث الجديدة, نقدية في مادتها ومنهجها وأهدافها التي ترمي إليها, إلا أنها كانت تعبيراً صادقاً وموضوعياً, متوافقاً مع اللحظة التاريخية التي ولدت فيها, بل لا نغالي إذا قلنا: إن قضية الأدب مازالت في حاجة إلى مزيد من الجهد الإِسلامي الناقد, بالنظر إلى ضخامة الاختراق الذي حققته التيارات الأدبية الأجنبية, وحجم الخطورة التي تمخضت عن ذلك الاختراق, والتي نجحت في إحداث ما يشبه «غسيل الوجدان» للإِنسان المسلم في واقعه المعاصر.

بيد أن ذلك الجهد الناقد, لا يغني ـــ على ضرورته وخطره ـــ عن الاتجاه نحو الجهد البنائي, والذي يبحث عن «البديل» بعد أن يعري أقنعة الخواء, ويعطي الحل الممكن بعد أن يكشف الخلل الواقع.

وعلى هذا الطريق الشائك. وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف الطموح, ثمة محطات فكرية وأدبية أساسية, لا يسع الجهد الإِسلامي أن يتجاوزها إذ شاء أن يبحث في قضية إعادة إحياء وبناء الأدب الإِسلامي ليأخذ دوره المناسب في المسيرة.

ومن هذه المحطات الفكرية الأدبية الكبرى, والتي تستقطب عدداً من الإِشكاليات الهامة, والتي من شأنها إذا أهملت ـــ أن ترهق العقل، وتربك الوجدان.

مسألة: عالمية الأدب

وهذه المحطة تمثل اهتماماً كبيراً للتصور الإِسلامي, ومن جهة أن الإِسلام ـــ في صميمه ـــ رسالة عالمية, جاءت لتخاطب الناس كل الناس, وتتوجه إلى الإِنسان, أي إنسان, فكان طبيعياً أن الفعل الحضاري الإِنساني المرتبط بهذه الرسالة, متوجه ـــ بطبيعته وبلا تكلف ـــ إلى العالمية.

والأدب هو لواء الإِسلام وطليعته, بل إن معجزة الإِسلام الكبرى والخالدة, كانت أدبية, ممثلة في «البيان القرآنى المجيد», وإذن؛ فقضية العالمية في الأدب, ليست أملاً خيالياً يداعب خيال الإِسلاميين, ولا أرقاً موهوماً يضني حسهم, وإنما هي ضرورة ملحة, ترتبط ـــ عضوياً ـــ بالطبيعة الإِسلامية الشاملة, في توجهاتها الإِنسانية, وبالتالي, يصبح من واجبات أية نهضة أدبية إسلامية جادة, أن تقف عند محطة العالمية, وتبحث في مشكلاتها وأبعادها, وشروطها, والمداخل المناسبة لها.

ونحن في دراستنا هذه, قد نضطر ـــ في أحيان كثيرة ـــ إلى قصر المتابعة النقدية أو التاريخية, على «التحديد» في مجال الدراسة قد فرض علينا فرضاً, ولا خيرة لنا فيه, وذلك أن المكتبة الأدبية الإِسلامية الحديثة, تعاني من قصور شديد في الدراسات الأدبية الإِسلامية المقارنة, بما فيها الترجمات, وأنه ليعز على الباحث الإِسلامي المعاصر, أن يتناول شخصية أدبية إسلامية في غير لسانه, إلا بجهد جهيد, لن يخلو من القصور ـــ إذا استثنينا محمد إقبال ـــ فكيف إذا كنا نبحث فى «اتجاهات» أدبية, وتيارات ومذاهب.

إلا أن ما يمكننا توكيده, هو أن قضية الأدب الإِسلامي في الواقع الأدبي العربي الحديث, تتشابه ـــ من حيث الروافد والينابيع, ومن حيث التحديات ـــ مع قضاياه في أقطار الإِسلام الأخرى, ذوات اللسان غير العربي, إلى الحد الذي يمنحنا المشروعية لأخذ مشكلة الأدب العربي, أنموذجاً قابلاً للمقارنة والقياس.

ـــ 2 ـــ

الحديث عن العالمية, في مجال الأدب, يجرنا بالضرورة إلى الحديث عن «الخصوصية» وعن «الأصالة», ثم إن الحديث عندما يصل إلى معالجة هاتين المسألتين, فإننا نكون بمواجهة أبجديات القضية, لنبحث في ماهية الأدب.

ويمكننا القول: إن الأدب هو ترجمة فنية إبداعية واعية لتداعيات وجدانية, تنبعث عن «مرجعية شعورية عميقة» أهاجتها مواقف إنسانية مختلفة.

وهذا التعريف الجامع قد يحتاج منا إلى فضل بيان.

إن الأدب ـــ في مادته وصلبه ـــ نشاط فني, يبحث عن إطار شكلي جمالي, يلائم العواطف المختلفة التي تتولد في وجدان الأديب بحيث يستطيع من خلال نسقه الفني أن يبلِّغ حالته الوجدانية, بأقصى قدر ممكن من الصدق والحيوية, إلى الآخرين, أي لكي يحقق التواصل الوجداني مع غيره, ولولا الحاجة إلى ذلك التواصل لما أخرج خلجاته, ولما أجهد فكره في البحث عن النسق الفني الملائم(2).

ثم إن النشاط الأدبي بهذا المعنى, وهو نشاط واع, لأن عملية البناء الفني الجمالي, لا يمكن أن تحدث إلا بجهد فكري متميز, مرهف الاختيار, يستثمر خبرات مركوزة في ذاكرته الفنية, لينطلق بها في عملية الإبداع الفني.

والنشاط الأدبي إنما يكتسب خصوصيته من ذلك الجهد البنائي في الأنساق الفنية, أما الحالات الوجدانية ـــ وهي التي يصح وصفها باللاوعي ـــ فهي بمجردها, لا تسمى أدباً لأنها تعتري الإِنسان, أي إنسان, لمحض كينونته البشرية, وإنما الأديب هو الذي يستطيع أن يصطنع «الجسر الفني» الذي يبرز من خلاله تداعيات وجدانه.

ثم إن الأديب هو «بناء إنساني» تترسب في أعماقه, وأصوله الإِنسانية الحميمة «مرجعية شعورية حية», تشكلت من خلال «مركوزات» فطرية تولد معه ـــ بحكم إنسانيته ـــ وهي لا يختلف فيها إنسان عن غيره, في أي مكان, وأي زمان, وأي نمط حضاري, بالإِضافة إلى «مكتسبات», فكرية وروحية عديدة, يكتسبها الإِنسان بحكم التنشئة والتربية والتعليم, وبحكم التجربة  الحياتية التي يخوضها في مجتمعه الذي ينمو فيه, ومن خلال النمط الحضاري الذي يستظل به, وهذا «الإِطار المرجعي الشعوري» «الصبغة» التي يصطبغ بها النشاط الأدبي الإِبداعي, في البنى الحضارية المختلفة, وهو الذي يوجه تموجات الوجدان المنفعلة بالمواقف الإِنسانية المختلفة, ثم إنه بما يحتويه من أصول فطرية ثابتة, ومكتسبات فكرية وروحية متحركة, هو الذي يحكم لنا مسألة الأصالة والعالمية, الخصوصية والإِنسانية, في النشاط الأدبي الإِبداعي, في جذورها البعيدة, وأبجدياتها الأولية.

وعالمية الأدب ـــ من ثم ـــ تأتي من جهة القدرة على الانطلاق بالخصوصية الفنية الملتحمة بنسقها الحضاري, إلى الآفاق الإِنسانية المجردة, وذلك يستدعي القدرة على النفاذ إلى «المرجعية الشعورية», بحيث يمكننا إحداث التوافق والتناغم بين المكتسب والفطري فيها, وأيضاً «بلورة» «الجذر» الثابت, وهذا هو مدار العبقرية التي تسمح للأدب أن يكون عالمياً.

ومن ثم يمكننا أن نقرر أنه ليس ثمة عالمية في الأدب من دون أصالة, كما أنه خصوصية, فالأصالة هي التي تمنح الأدب فرادته وتميزه الذي يجعل منه إضافة جديدة, وتطويراً في النشاط الأدبي العالمي, كما أن الخصوصية هي التي توفر للنتاج الأدبي شرط الصدق, الذي به وحده يستطيع أن ينفذ إلى حنايا النفس الإنسانية, ويهز أوتارها, ويحرك مشاعرها.

وعندما افتقدت حركة الأدب العربي الحديث, هذه البصيرة بطبيعة الأدب, وتعامت عن شروط العالمية, انزلقت إلى مجاهل السبل, ومسالك التيه, وأصبح كل همّ الأديب العربي أن يقلد اتجاهاً أدبياً أوربياً أو حتى أديباً أوربياً بعينه, تجاهل أدبنا الحديث حقيقة أن ثمة ما لا يمكن تجاوزه في الفعل الإِبداعي بأية حال, إذا شئنا أن ينسب هذا الفعل إلينا, كأدباء ذوى «هوية» إنسانية متميزة.

لقد تجاهلنا, أو جهلنا, أن الأصالة هي المدخل الطبيعي إلى العالمية، وأن الخصوصية هي الشرط الجوهري في عالمية الأدب.

ولقد أصبحت «العالمية» في قاموسنا الأدبي الحديث, مرادفاً كاملاً للأوربية, وغدا شائعا ـــ ولما يزل ـــ أن نعني «الأوربية»  كلما ذكرنا العالمية, ولقد كان الأدب العربى «المندحر» في حاجة ـــ على ما يبدو ـــ لأن يسمع النصيحة من الأوربي ذاته, وقليلاً ما تأتي, حيث وجه أديب إيطاليا الكبير «إيجتازيو سيلوني» دعوته إلى أدباء العربية: «إن الطبيعة تأبى أن تعترف بأدب عام لأقوام اختلفت أمزجتهم وعقلياتهم, وتفاوت ميراثهم النفسي والحضاري, ولهذا نود أن يأخذ مكانته أدباً عالمياً بتفرده وأصالته (3).

ـــ 3 ـــ

في جولة قام بها المستشرق الفرنسي المعاصر «شارل بيلا» في عدد من الأقطار العربية, سأله أديب صحافي: أيهما تقرأ.. الأدب العربي القديم أم الحديث؟ فأجاب: بل أقرأ الأدب العربي القديم وحده, فسأله الصحافي الأديب: ولماذا لا تقرأ الأدب العربي الحديث؟ فأجاب «بيلا»: لأنه أدب أوربي مكتوب باللغة العربية!(4).

من هذه اللفتة الهامة, التي قدمناها مدخلاً للدلالة على الخلفية الحضارية التي يتحرك من خلالها أدبنا الحديث, غالطاً عامداً في إدراك مفهوم «العالمية» في الأدب, نستطيع أن نعرض أمثلة تطبيقية توضح لنا حجم الخلل والخطر الذي نتج من جراء ذلك «السقوط» وسنأخذ مثالين: أحدهما من خلال تناول «الموقف التاريخي الديني», والآخر من خلال تناول «الأنموذج الإِنساني».

فعلى صعيد «الموقف التاريخي» من المعروف أن قصة صلب وقتل المسيح ـــ عليه السلام ـــ وهي واحدة من أعظم الموروثات الدينية والتاريخية, التي يلح عليها الشاعر الأوربي الحديث, كلما أراد بسط مشاعره, حول فكرة الظلم الإِنساني, والخطيئة البشرية الكبرى, والخلاص, ونحو ذلك.

ولا شك أن «المورث الديني المسيحي» يتيح للشاعر الأوربي حيوية واسعة في أن يبدع من خلال هذا الموقف, ويستثمر ذلك الحدث, لأنه يتكئ عليه لاستثارة وتهييج الضمير العقائدي المستخفي في أغوار الإِنسان الأوربي, فيستحضر الشاعر بذلك أرق ما في النفس البشرية من معاني الخلاص والبراءة.

فإذا ما انتقلنا إلى ساحة الشعر العربي, وجدنا الأمر محض تكلف جاف, وفاشل فنياً, في استثارة الضمير المسلم, وفق ذلك الرمز الديني والموقف التاريخي المرتبط به, وذلك أن الضمير العقائدي المترسخ في أغوار المسلم, يجعله مستعصياً على مثل ذلك التهييج الشعوري, لأنه قد ترسخ فيه أن قصة صلب المسيح وقتله, هي محض أكذوبة وفرية اخترعها الرواة عن وهم, وأنه «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم»(5).

وتبقى محاولات «حشر» هذا «الموقف التاريخي الديني», بإيحاءاته واصطلاحاته, ومشتقاته الدينيــة المسيحية, في السياق الشعري العربي الحديث, عيثاً شائناً, ودلالة صريحة على التبعية والسقوط(6).

وفي النفس هذا الموقف, على مستوى الفن الروائي, فقد قام الأستاذ «سمير الهضيبي» بمحاولة روائية كبيرة, تحت عنوان «نهاية أورشليم» عالج فيها تفسخ المجتمع اليهودي وانحلاله وسقوطه من خلال «لوحات» تصور لنا عصر المسيح عليه السلام، وعندما عرض الأديب المسلم لحادث الاعتداء على المسيح, أراد أن يتوسط في الموقف! فأثبت الصلبئئن وتحايل في نفي القتل بحيلة مقبولة فنياً, إلا أن الصورة العامة ستلقى صدوداً وجدانياً لدى القارئ المسلم للأسباب التي قدمناها, وقد انسحب الأديب الروائي إلى زلة اعتماد المصطلحات المتصلة «حميماً» بمفاهيم الاعتقاد المسيحي(7).

أما على صعيد «الأنموذج الإِنساني» فمن المعرف أن أنموذج البغِيِّ الفاضلة أو  «البغيِّ الضحية» هو أحد النماذج الشائعة والمتواترة, في الآداب الأوربية الحديثة, وفي الشعر بوجه الخصوص, وقد عالج «فيكتور هوجر» في « ماريون دي لورم», كما عالجها «الإسكندر دوما» في «غادة الكامليا», وعالجها «ألفريد دي موسيه» في قصيدته الشهيرة «رولا» والتي جاء فيها :

أيها الفقير ..

إنما أنت البغي

أنت الذي دفعت إلى هذا السرير تلك الطفلة

انظر؛ لقد أقامت الصلاة قبل نومها هذا المساء

ومن دعت يا إلهي العظيم :

وهذه هي ...

تحت ستائر العار, في هذا المأوى المفزع, وفي سرير الضعة

تعطي أمها حين تعود إلى مسكنها, ما كسبته هناك...(8).

الذي لا شك فيه, أن «دي موسيه» كان صادقاً مع نفسه, ومع وجدانه, ومع واقعه, لأنه يصور لنا أحد الإِفرازات «المتعفنة» التي أفرزها النمو المختل في البنية المجتمعية الأوروبية الحديثة, في أعقاب الثورة الصناعية الكبرى, ويرصد لنا ذلك الخلل النفسي والاجتماعي واللاأخلاقي الرهيب, الذي فرضته على المجتمع الأوربي, بالإِضافة إلى أن المعالجة «الفنية» التي قدمها «دي موسيه» لهذا الأنموذج, تعكس لنا -بلا شك- الضمير الاجتماعي الذي تكون في مرآته وجدان ذلك الجيل الجديد, الذي ولد في أوروبا, وهو الذى ينبغى له « دي موسيه».

فإذا ما انتقلنا إلى الواقع العربي المسلم, وجدنا أن هذا الأنموذج, لا يمكن أن يستثير الضمير الاجتماعي لهذا الواقع, بل إنه قد يستثير نتائج عكسية على «الأنموذج» وعلى صاحب النتاج الأدبي المتعاطف معه كذلك.

ورغم هذه الحقائق, فقد اندفع كثيرون في تصوير ذلك «الأنموذج» الأوربي, فأنشأ «خليل مطران» قصيدته* «الجنين الشهيد» والتي جزم غير واحد من النقاد بأنها ترجمة صريحة لروح «رولا» عند «ألفرد دي موسيه».(9)

ومن ذلك أيضاً قصيدة صالح جودت: «الهيكل المستباح»، وقصيدة «محمود حسن إسماعيل» «دمعة بغِيٍّ»(10)، وكلتاهما لا تعدوان أن تكونا «تبعية وسقوطاً», أدبياً, فضلاً عن كونها تمثل نوعاً من «تغريب» الوجدان العربي الذي استقر في ضميره الاجتماعي أن «الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها», إضافة إلى أنه لا يحسن بتلك «الخلخلة الاجتماعية» التي تشبه ما أحدثته الثورة الصناعية وتراثها الأخلاقي في المجتمع الأوربي.

ولقد استفز هذا الطوفان من تقليد أنموذج «البغيِّ» ناقداً أو أديباً مثل الأستاذ «يحيى حقي» الذي كتب يسجل لنا ذلك الانهيار وقال :

«...فلست تجد شاباً يبتدئ في الأدب, إلا ويكتب عن البغيِّ؟!»(11).

ـــ 4 ـــ

ينقسم الأدب الإسلامي إلى قسمين: 

يمكننا أن نقسم الأدب الإِسلامي إلى قسمين كبيرين, باعتبار الصدور والاتجاه, أعني: القاعدة أو المنطق الذي يصدر عنه الأدب, والمخاطب الذي يتوجه إليه, وهذان القسمان هما أدب الرسالة, وأدب الحضارة.

-       وأدب الرسالة هو ذلك النشاط الفني الأدبي الذي يحمل قضية «دين الله» بأفرعها الإِيمانية المختلفة, ويتوجه بها إلى الضمير المسلم في كل مكان, مثيراً فيه نوازعه الإِيمانية العميقة, وشاحذاً همته لنصر الدين, ودفع مسيرة رسالة الإِسلام, وأمجاد المسلمين, ويستفز المسلم من رقدته ليحرك مشاعره, ومن ورائها سلوكياته وانتماءاته, ويحسم له في مشاعره العميقة الولاء للإِسلام.

وهذا القسم من أدب الإِسلام, يرتبط ظهوره بالتحديات التاريخية التي تجابه الأمة, وتهدد وجودها, لكنه يختفي فى الحقب المستقرة والمطمئنة, ونستطيع أن نتمثل له بعطاءات: حسان بن ثابت, وكعب بن مالك, وعبد الله بن رواحة, وكعب بن زهير, من الرعيل الأول, وقد يجوز إضافة أدب المذهبيات العقائدية والسياسية, كأشعار الكميت, وقطري بن الفجاءة, ودعبل الخزاعي, وأضرابهم, ثم يضاف إلى ذلك الأدب المصري فى العصر الأيوبي والذي سجل لنا ملاحم النصر الكبير للإِسلام على الصليبية, وفي مقدمته أشعار «الصماء الأصفهاني» و«أبي الحسن الساعاتي» و«التعاويذي» و«ابن سناء الملك» و«الجوائرون» و«هبة الله بن محاسن», و«البهاء زهير», و «كمال الدين ابن النبيه», و«شرف الدين بن عنين».

كما يقف في هذا الصف أيضاً, أشعار «الأندلسيين» عند مغيب دولـة الإِسلام, وما نظموه من أشعار تنعى الإِسلام وتاريخ الإِسلام وأهل الإِسلام في الأندلس, وتستحث المسلمين في كل الأرض أن يهبوا لإِنقاذه, ودفع الهلكة عنه, ومن أجمل ما نظم فى ذلك قصيدة «أبي البقاء الرندي» الشهيرة :

لكل شيء إذا ماتم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول

من سره زمن ساءته أزمان

فإذا ما أتينا إلى العصر الحديث, فسوف تبرز أمامنا إبداعات الشاعر الهندى المسلم «محمد إقبال», والمصريين: محمد عبد المطلب وأحمد محرم, وروايات «محمد فريد أبو حديد» و«على أحمد باكثير» والدكتور «نجيب الكيلاني», ومن بعدهم عامة شعراء الجيل الجديد أمثال محمد الحسناوي, ومحمود مفلح, وغيرهم.

وهذا القسم من أدب الإِسلام ـــ أدب الرسالة ـــ يحمل من صفات العالمية, إمكانيته الطبيعية لاختراق حاجز اللغة, لينتقل إلى الوجدان الإِنساني عبر اللغات المتباينة والألسن المختلفة, فتهز أوتار المسلم الهندي, ما تهزه من أوتار المسلم المصري, ويطرب لها المسلم التركي, كما يطرب لها المسم النيجيري.

ولقد رأينا كيف أن أشعار «محمد إقبال» تترجم إلى معظم لغات الشعوب الإِسلامية, فتجد من القبول والتجاوب ما يماثل ذلك الذي قابلته في موطنها الأصلي ولغتها الأصلية, فمن هذا المعنى نستطيع أن نصف أدب الرسالة بأنه أدب عالمي, بحكم قدرته على التواصل مع الإِنسان فى أي بقعة من الأرض, وبأي لغة من لغاتها, إلا أن وصف العالمية ينحسر عنه إذا نظرنا إلى محدودية القدرة على اختراق البنية الحضارية الإِنسانية, المخالفة له في المعتقد وشمولية الرؤية الكونية بالإِضافة إلى تأثر ذلك القسم من أدب الإِسلام, بضيق المجال الحياتي والنفسي والزمني, الذي يتعاطى معه.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب