الأدب الإسلامي ليس مفتعلاً
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Oct 09, 2018   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

 

 

منذ نشأ الأدب الإسلامي والاتهامات تكال ضده، وتوجه إليه الانتقادات، فمنها ما كان من قومٍ أخيارٍ ناصحين، أرادوا الخير لهذا المنهج ولرابطته، ومنها ما كان من قوم شانئين، تشمئز نفوسهم من كل كلمة ضمَّت مادة (س ل م) في حروفها.


ولستُ هنا معنيًا بالرد على الصنف الثاني، إنما سأتناول مقالة كتبها أديب فاضل، وجه فيها نقدًا لمنهج الأدب الإسلامي كله، وسأبين خلل تصوره وخطأه في الفهم عفا الله عنه، وسأحاول ترتيب ما تفرق من أفكاره المتناثرة، وسأرد على مقالته فكرة بفكرة بإذن الله.


عنون الكاتب الأستاذ إبراهيم أبانمي مقالته بالعنوان: "الأدب الإسلامي.. أدب مفتعل"، وقال فيها: "قضية الأدب الإسلامي والتنظير له قضية مفتعلة!, إذ لا ينشأ الأدب نتيجة تنظيرات فكرية أو عقدية، بل ليس في الأدب محلٌّ للتنظير مطلقًا.., التنظيرُ للنقد، أما الأدب ففيه تيارات تتخلّق وحدها بحسب سيرورة البشرية والنفوس الإنسانية، ثم يأتي النقد ليسمي الأشياء بأسمائها، وأي تنظيرٍ أدبي يراد منه خلق تيار فني.. سيلد نصوصًا شوهاء أو ميتة, إذ الأدب لا يخضع لقواعد مسبقة".

قلت: إن المنظرين للأدب الإسلامي لم يفرضوا على الشعراء قولاً يقولونه في يوم من الأيام، لكنها أوهام البعض هي التي تجعل المرء يفترض أنهم يلزمون الشاعر بأن يقول شيئًا يريدونه، ورابطة الأدب الإسلامي – وهي الممثل لهذا المنهج – لم تفرض على شاعر ما أن يقول شيئًا لها، إنما هم يريدون أدبًا نقيًا خاليًا من اللوثات العصرية والمجون الفاضح، ومن منا – معاشر الأدباء – يدعي أنه لا قيود تمنعه أثناء الكتابة الإبداعية؟! ثمة قيود دينية، وقيود اجتماعية، وقيود شخصية، فلا مناص من القيود ولا مفر، ولذلك جاء الأدب الإسلامي ليكون واقعًا يجسد احترام المقدس فلا يهان، وليكون مساحة رحبة أمام المبدع ليقول ما شاء ما دام في دائرة المباح.


قال صاحب المقالة: رواد الأدب الإسلامي الذين اخترعوه بهذا الاسم وذلك المسمى إنما اخترعوه ردَّ فعلٍ على مضامين أدبية منحرفة, والحظ كلمة (مضامين) وليست أشكالا أدبية منحرفة, لأن الأشكال محايدة تتحمّل حسن المعاني وقبيحها.. والذي يعنيني لأبين خلل التصور ابتداءً عندهم أنهم حين شرعوا في اختراع ذلك الأدب بدؤوا في بيان عوار التيارات الأدبية الأخرى بما فيها التيارات الشكلية! كالرمزية!, بل والقوالب الكتابية كالتفعيلة عند بعضهم!، مع العلم أنه لا يوجد شكل أدبي محرّم حتى ما يسمونه الغموض والإبهام أو السريالية.. كل هذه أشكال, ولا يحرم الإسلام شكلا من أشكال الكلام حتى الهذيان!, إننا وإن سلّمنا بوجود مضامين أدبية سيئة كالدعوة إلى الإباحية أو الشيوعية... إلا أن مقتنا لها لا يجرنا إلى مقت أشكالها الفنية فليست الأشكال إلا قوالب تحتمل الحسن والقبيح, ولكن أرباب الأدب الإسلامي لخلل التصور رأوا حاجةً إلى ابتداع أدبٍ يسمّى إسلامياً, ولكي يقوم لا بد من طمس كل تيار أدبي سابق بأشكاله ومضامينه لأن الإسلام يجبُّ ما قبله! ولكن لم يدروا أن الإسلام جاء ليتمم محاسن الأخلاق ولم يجبها.

قلت: في الفقرة السابقة ثلاث قضايا:


 القضية الأولى: أن الأدب الإسلامي جاء رد فعل لمضامين منحرفة، وهذا الكلام يحتاج إلى تفسير يوضحه، إن العالم لم يشهد تطورًا كاليوم في كل المجالات العلمية والنظرية، فقد أصبح أصحاب التيارات الهدامة يعرضون بضاعتهم بكل وسيلة، ومن المؤسف أنها تأخذ أشكالاً فنية محببة فتفشو في الصف المسلم، ومن أجل هذا الأمر الحادث برزت الحاجة إلى استحداث منهج الأدب الإسلامي ليكون خير مثال على تمثل الأديب بتعاليم الدين الحنيف، وهذ أمر معروف وليس بسر ولا عيب فنخفيه.


القضية الثانية: قضية الأشكال التي يعاديها المنظرون للأدب الإسلامي، وهذه دعوى مضحكة، خصوصًا حين قال: إنهم يعادون – فيما يعادون – شعر التفعيلة! ولو أراد أحدنا أن يتثبت بنفسه فيدخل الملتقى الشهري للرابطة لتهافتت هذه الدعوى أمام عينيه، فجل القصائد التي تلقى هناك من هذا الشعر، ومن الأمثلة الصريحة على ذلك قول د.صابر عبد الدايم وهو من شعراء الرابطة:

مالت إلى الغربِ المآذن..
ودم الأهلّة في المساء يقيمُ أعراسَ الشفق..
وتصدّعت رؤيا النبوءات العقيم..
ويطلّ أحمدُ..
في يديه الآي والذكر الحكيم..


بقي أن أشير إلى أن بعض التيارات الأدبية تعارض الإسلام في أساسها، فالسريالية تعتمد التحرر من كل قيد، بل كان بعضهم يستعمل المسكر حتى يحرر عقله الباطن من المنطقية فيقول ما يشاء، أليست هذه مخالفة في ذاتها لتعاليم ديننا؟!

القضية أو التهمة الثالثة: أن الأدب الإسلامي وضع ليمحو ما قبله، وهذا زعم باطل وفرية غريبة، من قال ذلك؟! وأرجو ملاحظة أسلوب الكاتب في الفقرة السابقة: لكنهم لخلل التصور, لم يدروا أن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، عجيب!

قال صاحب المقالة: بل إنهم ومبالغة منهم في إثبات الحاجة إلى أدب إسلامي ضمُّوا إلى كلِّ التيارات الأدبية المنحرفة ـ بزعمهم ـ المناهجَ النقدية فبينوا خلل البنيوية والتفكيكية جنبا إلى جنب الرومانسية والرمزية، وأيها المنكح الثريا...!, إنه خلل في الفهم ابتداءً فما الذي يصل بين (إنشاء) الأدب ـ إسلاميا وغير إسلامي ـ والبنيوية !. 


قلت: من هو ذو التصور المختل؟! إنه لسؤال جدير بالإجابة، صاحبنا يفترض أمورًا يراها ثم يبني عليها فتكون النتيجة مزيدًا من التخبط في الأحكام، إنما كَتَبَ مَن كَتَبَ في بيان فساد بعض التيارات الأدبية لخلل فيها وفي أدواتها، ولو أزيل هذا الخلل لكنا أول المحتفين بها.

 أما المناهج النقدية فقد كتب في نقدها من الناحية الشرعية باحثون ليس لهم علاقة بمنهج الأدب الإسلامي، إنما تناولها بعضهم لخلل شرعي رآه فيها، أكل من اتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم بإرخاء اللحية وتكلم في أمور الأدب – على فضلهم - صار أديبًا إسلاميًا؟! لماذا يحسب على الأدب الإسلامي قوم ليسوا بأدباء، سيتبرع بالإجابة صاحبنا إذ يقول:


ولعلي أفاجئك حين أقول: إن كثيرا من قواد المذهب الإسلامي ليسوا أدباء بل وبعضهم ليسوا أدباء ولا نقادا!، ولا أدري كيف يكتشف المهندس علاجا للسرطان؟!

قلت: لقد فاجأتني حقًا بهذا، لأني لم أكن أعلم أن نجيب الكيلاني، وعبد الرحمن العشماوي، ووليد قصاب، وحسين علي محمد، وصابر عبد الدايم، وعبد الله العريني.. مهندسون وأطباء! إن كل من ذكرت آنفًا من المعنيين بالأدب الإسلامي، وكلهم -خلا الأول- متخصصون في النقد، ولهم إسهامات وإبداعات فريدة في مجال الشعر والرواية والقصة القصيرة.



قال صاحب المقالة: ولو أردت إيجاز هذا الخلل لقلت: الأدب الإسلامي في مجمله دعوة للمضامين بينما الحكم في الأدبية للكلام تعتمد على الشكل، ثم الشكل، ثم الشكل، ثم المضمون, وقد لمس الأدباء ـ أو النقاد أو سمهم ما شئت ـ الإسلاميون هذا الخلل، فحاولوا أن يحيدوا عنه بإلحاحهم على الثنائية التي يسمونها (الجلال والجمال) لكن ـ وهنا السؤال الكبيرـ ألستم أنتم من هدم الأشكال الفنية وخوّف الناس من الأساليب الحديثة قبلُ؟!



قلت: هذا افتراض من افتراضات صاحبنا المجنحة بالفهم الملتبس والتصور غير الدقيق، الأدب الإسلامي لا يدعو إلى مضامين، ولا يجبر مبدعًا أن يكتب كما يملي هو عليه، إنما هو يحدد ما لا يبيح الإسلام الكتابة فيه فيمنع منه، ويحتفي بالنصوص التي تمثل رؤية المسلم المتدين التي توافق ديننا الحنيف، أليس من حقنا أن نحتفي بما يعجبنا من الشعر والنثر؟!


ثم الحظ  - أيها القارئ الكريم - سؤاله الكبير الذي يكرر كلامًا سابقًا له: ألستم أنتم من هدم الأشكال الفنية وخوَّف الناس من الأساليب الحديثة قبلُ؟ ألم أقل إن صاحبنا يفترض، ثم يقرر، وهذا خلل في المنهجية العلمية. الأدب الإسلامي لا يهدم الأشكال الفنية كما قررنا.


قال صاحب المقالة: أنا هنا لا أقلل من شأن الأدباء الذين يسعون لخدمة دينهم بأدبهم, فذلك شأنهم وربما ـ إذا أحسنوا النوايا ـ يثابون على ذلك العمل!, الذي أقصده ألا توضع للأديب قواعد يسير عليها, و(قل ولا تقل) واحذر وانتبه، وإياك ولا تقرأ لـ... ولا تكتب بـ... إلى آخر ذلك الكلام الذي يخرج الأدب من الأدب.


قلت: هذا يعيدنا إلى فلسفة الخطوط الحمراء في بداية حديثنا، كل أديب لديه ما يمنعه عن الخوض في كل شيء، لا بد من الضوابط، أي لا بد من لا تقل، أليس هناك حدود لحرية الأدب؟!
قال صاحب المقالة: وأخيرا كل أديب مسلم أو كافر له قصائد تتفق مضامينها مع الإسلام لله، وقصائد لا تتفق, والمتلقي يميز الجيد من الرديء، وقد يعجب بقصيدة موافقة لطهر الإسلام وقائلها ماجن أو كافر,

   

    ويا رب إن عظمت ذنوبي كثرة             فلقد علمت بأن عفوك أعظم.

هذا الكلام صحيح، وهو يوافق ما يسمى بالأدب العالمي، فكثير من الأدب العالمي يعد أدبًا موافقًا لأنه لا يخالف الدين ولا يعاديه، وفقنا الله جميعًا لما يحبه ويرضاه من صالح القول والعمل. 

 

منقول

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب