الرحلة المتدثرة بالألم
كتب  شعبان جادو ▪ بتاريخ 06/11/2018 17:24 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 85

 

سأشرع اليوم في عمل جديد، المؤجل دائما يثقل فكري ويعطل مسيرة حياتي، ترددت كثيرا في اتخاذ هذا القرار؛ أن أنتقل من هذا البيت، لقد رحلوا جميعا، لم يبق إلا أنا. الآخرون امتطوا قطار الليل، لم أشاهدهم، تحت ستار ظلمته تدثروا بها، تخفوا حتى لا تخبو عزيمتهم، حملوا أشياءهم، العيون بكت، النفوس أصابها الوجع، الرحلة مجهدة ولكن لا بد منها، هكذا أخبرت أولادي، لم تعد تصلح تلك البلدة لنا وطنا، الغربان تحوم حولنا، الأبواب صارت لنا بوابة قبور لا نافذة حياة!.
لم أحدد وجهة للسفر، كل ما في ذهني ما هو إلا بعض لهفة للتغيير، حب الحياة ما يدفعني لهذا، صوت في داخلي: بيت الأجداد، عبق الماضي، الجذور!..

 يجيب الصدى: حجة واهية، وما نفع تلك الظلال الباهتة!؟ هل ستعطيك الخبز؟
هل يوما تمنحك الأحلام المغتالة في وضح النهار!؟
ماذا أحمل معي؟ لن أترك شيئا أندم على تركه، حتى قصاصات الأوراق سأحتفظ بها، الخيالات الحالمة ستصحبني، أغاني أمي سترافقني، آيات الله بصوت شيخي ستكون وِرْدي، هي لن تتركني، وهل فعلت هذا إلا لأجلها؟
البيوت المتلاصقة تذرف دموع الوداع، ثمة حنين إلينا، إنها ذات شوق لهؤلاء الذين عطروها بأنفاسهم، في السابق كنت لا أقوى على البعد، تعود إليّ رئتي حين أتنفس هواء الطرقات المتربة، أحببت منظر الدواب تسرح في جنباتها، أما اليوم صارت مثل علب الليل التي تزحف وتموج داخلها الخطيئة، يا لبشاعة الحاضر!
ربما الحزن هو ما يسكن داخلي، أنا المصاب بالقَرْح، الأبنية كتل صماء، نحن من يعطيها دفق المشاعر، الأشجار لا تطرب رقصا لي، بل تلك عادتها، الظنون تستبد بي، لم كل هذا الألم؟
ليتني ما ارتحلت !.. الأبواب تصدر صريرا كأنما هو نشيج باك آلمه الفقد، وآيسته أوبة من أحب، كلما أتى ليل استبد به الحنين وجدا لطلعة وجه المحبين، هيهات يأنس لتلك الأصوات التي تختلط بمكر الخيانة، صارت المَواطنُ منافيَ، والصدورُ من وقع الحقد مرتعَ الخائنين، ما عادت بي حاجة للبقاء، حين يأتى القطار محملا بتلك الأجساد التى تكدست مثل أجولة القمح في مخزن أبوراس، سألحق بهم، لن أمتاز عنهم بشيء.

 سأتخلص من لغتي، لا حاجة بي لتلك الكومة من الأوراق التي سعيت عمري لأنالها، اللصوص في القرية احتازوا النهر، لقد بدلوا المياه والجزيرة إلى علب إسمنتية لا نفع لها إلا أن تكون مدعاة لوجاهة مختلقة، تحاول أن تغطي عمالتها لذلك الشيطان !
اليوم وجهتي للغد، حتى يأتي ذلك الحلم منتشيا بثوبه الأرجواني، لن أبقى لأتجرع مرارة الحرمان، هناك عالم يسعى جاهداً ليدرك القمر في تمامه، سأمد يدي لأقبس بعض ضوئه، ولعلي أجد عنده هدى !
الساعات تمضي في رتابة وتوجس، لم أتعود على هذا، كنت مثل جواد امرئ القيس يسابق الريح، ما الذي دهاني؟
اعتلال جسد، وكلل بصر، ووهن عزيمة، الشوق برح بي، لم يدع لي مخرجا، هل سأغادر تلك الأماكن وقد نصبت للحب ألف راية!؟ تحت هذا الركام من الحقد تكمن عاطفة موارة!
شيء واحد سأحرص على أن يكون معي؛ أول سطر خطته يدي ما يزال بتلك الورقة، رغم أنها صفراء، لكن بعض ذكرى هو ما يجعلها ذات قيمة.
لا لن أكسر قلمي !كتبت في حالة يأس وغضب عن كسر الأقلام، لكنني عدت إلى صوابي، وجدت أن القلم تعلة رجل مثلي؛ يتواصل به مع أحبائه؛ يكتب بعض همه، يتفاعل مع عالمه الافتراضي، يصاحب الفضلاء، ربما كان عليه أن يصمت كثيراً، يتناسى أن بنفسه جراحات تنزف كلما عاود الكتابة، يتداوى من جراح بجراح، نضب معين كان يستقي منه، الرعاة كثر؛ يتزاحمون النهل يطلبون مزيداً، يسائل أنداده أن يهبوه بعض خلب من أمل، طرق كل الأبواب، سار يحمل عساه بين الحارات، طاف بالوطن شرقا وغربا، يريد أن يجد موضعا لجسد منهك، يبصر مرآه فيجد رجلاً قد انحنى ظهره، تغضن جلده، خارت قواه، بل حتى رغائب جسده صارت باهتة، كان يظن نفسه المتنبي في عنفوانه ؛ لكنه عاد لا مال ولا أهل ولا وطن !
تعلات ماضر لو نفر منها، يتدلل البؤس في وطنه، يختال مزهوا بباطله، يعتصره الهمُّ ألا يكون البهاء والجمال موضع العين.
أما حكاية القلم معي فقد بدأت من عمر مديد، حاولت جاهدا أن أمسك به، كان في بدايته عصياً، ينفر من يد صبي غر ما يجد له في عالم الشباب غير تله به، وكان لداته يأتون من اللعب صنوفا يعجز أن يجاريهم فيها، ينزوي بركنه ويخرج قصاصة من جريدة، ويمعن فيها قراءة، يستجيد بعض كلمات من هذا، ويطالع بعض سرد من ذاك، يذهبون لملاعب القرية، أما هو فكانت ضالته مكتبة فقيرة بمركز الشباب !
عرف نتفا من كتب، له ذاكرة عجيبة، عرف الأدب والفلسفة والفكر، حتى رائحة الكتب في خزانتها؛ كانت عطره الذي يستشفه ويملأ خياشيمه منه .
مرت سنِيُّه سراعًا وكان القلم خدنه، تغاضبه المفردات، وتداعبه المعاني، له ولع بوطنه، يحب كل ما كتب عنه، ينظر أهله في طيبة ووداعة، لكنه يعتب عليهم ذلة وانكسارا،  يخطب فيهم بقلمه، ولكنهم لا يدرون غير سكون قاتل، المرض والجهل يغلبان شعباً، والبطش والقهر يسكتانه، ترى هل يجد القلم ضالته في وعي؟!

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب