رحلة الشيطان مسرحية من أحد عشر مشهداً (2/2)
كتب  شاكر صبري ▪ بتاريخ 06/11/2018 15:57 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 85

 

المشهد الرابع

يدخل شاب عليه من علامات الفتوة والقوة الكثير، عمره في العشرين، يجلس في ناحية.

 الشيطان يسأله: من أنت؟

 فيقول: ليس المهم من أكون    فأنا الهمام وأنا العقار

وأنا الرفيق وأنا الطريق         وأنا الدليل للفخار

يقول للفتى:        أنا حارس في هذه الحديقة.

 يسأل الفتى:             ما جاء بك حزينا إلى هنا؟

يرد قائلا:           لعب الظلام بأضلعي           ولبست أطوار الضجر

وقعدت أهجو ذلتي             أنساق صوب المنحدر

وقعدت فوق مخاوفي            والقلب يطويه الخطر

الشيطان:           قد أرى فيك بريقا               للضلالة والضرر

فيك طاقات لغدر              أنت خليلي المنتظر

كل ما أخشاه فيك              أن جنسك من بشر

الفتى:              يا خليلي يا صديقي            أنا أشتاق السفر

وهواي هو الزعيم               وسميري هو الغدر

الشيطان يقول:     يا صديقي كل هوى                 يوما يطير مع الغبار

إني رأيتك مطلبي              ورأيت فيك الافتخار

ومعي ستلقى بسمة             تلقى الحياة بلا مرار

يعطيه زجاجة مليئة بسائل، يسأله الفتى:    ما هذا؟

فيقول:             خذها هنيئا حلوة               فيها خمور لا تضار

من ذاق منها رشفة             ما ذاق طعما للدمار

ما أعذب الخمر العتيقة!        فهي المنار وهي الشعار

يشرب الفتى ثم يتراقص ويتمايل منها ويقول:

ما أعذب الخمر العتيقة               فهي المنى وهي الشعار

ويقول للشيخ:      سأتيك بعد أسبوع في الموعد نفسه.

ينصرف الفتى، يقول الشيطان:

آه علي سحري وحسن بياني          وعذوبتي وطلاوة بلساني

واللات من يشرب رحيقي مرة         يزدان بعد بخصلة الشيطان

ينصرفان ويعودان بعد أسبوع إلى المكان نفسه.

يسأله الشيطان:          ماذا فعلت في الأسبوع الماضي؟ 

فيجيبه:                   قد زنيت وقد قتلت              وصرت للغدر وعاء

صرت ينبوع الخيانة            لا رجاء ولا شفاء

الشيطان يقول له متبرئا منه وهو يزدري تصرفاته:

ليس لي فيك سبيل                   بعد ما ضاع الحياء

إنني أخشى إلهي              أنت من طين وماء

الفتى:            أنت شيطان رجيم              أنت رمز للعداء

ينادي الفتى الشيطان، ولكنه ينصرف ولا يرد عليه.

ـــــــــــــــــــــ يغلق الستار ــــــــــــــــــــــ

***

المشهد الخامس

الشيطان يجلس في مكان قدسي بين مناسك الحج لا يستطيع التحرك، حوله الحجاج يلبسون ملابس الإحرام.

ويقول:       من للرجيم بدوحة الرضوان            ولخائن الإيمان بالإيمان

أدى الأنام مناسكا قدسية               وتبرؤوا من لذة الأبدان

قد نظفوا القلب العليل من الهوى         وتنعموا بضيافة الرحمن

وتحوطهم عند الشعائر رحمة            والنفس تائقة لكل جنان

حلقوا وأدوا للمناسك حقها               وتعلقوا بحبائل الغفران

وسرى الغبار على وجوه أبصرت        وتوضأت من زمزم بأمان

وأرى الملائك في السماء تألقت          وتحوطهم بسحائب الإحسان

بيض النفوس وللسرائر فرحة            وقلوبهم معقودة بجمان

ثم يبكي الشيطان متحسرا على ما هو فيه ويقول:

ولقد رمتني الشهب حتى انزوي        في الركن مكفوءا على الكفران

من لي بأحفاد الخنا وجموحهم         فأنا وحيد خاسر خلاني

أين الذين إلى الشرور دعوتهم        وزرعتهم للحقد والشنآن

حصواتهم تدمي جوانب عزتي         فأموت منتحبا على الحرمان

في كل عام تستفيق نفوسكم           وتسوقكم لمذلتي وهواني

تدخل عليه مجموعة من الشياطين الصغار يقولون:

لبيك جند حائرون وحولهم             وقع السياط وثورة القرآن

وعلى وجوههم خيوط للبكا             وتحرق الاحشاء بالنيران

والبقعة الغراء صارت منبتاً            للنور لا لمواقد البهتان

نبكي لقيدك أم ذهاب زعامة           فالكل مضطجع على الأحزان

وهم يبكون.

ـــــــــــــــــــ يغلق الستار ــــــــــــــــــــ

***

المشهد السادس

يدخل مجموعة من الشباب المهذب الوقور، ينادون للصلاة، يدخل الشيطان معهم كأنه واحد منهم، يصلي، يقول الشيطان:

نداء الحق بالإنسان يعلو             ونور الله بالخيرات ساري

فذاك النور للأكوان يهدي       مشعا بالجمال وبالعمار

يطوف حول الأصحاب، ويقول لكل واحد بصوت هادئ:

ربما سرق بيتك احذر! فهناك لصوص.

 يقول للثاني:             إن الإمام جاهل لا يعرف أركان الصلاة، فصلاتنا باطلة.

 ثم ينصرف ولا يصلي.

يدخل بعد ذلك المسجد يجد مجموعة من الشباب يجلسون للقراءة والعلم، يقول لهم:

الله أولى بالعبادة من     ذلك الورق المهين

لو كنت حقا مسلما       صليت مثل التائبين

إن الصلاة لرحمة        وحماية للطائعين

يترك الشباب الكتب ولا يقرؤون.

يدخل فتى ويقول لهم:

الله يأمر بالعبادة دائما في كل حين

لكنه أيضا دعانا للجهاد باليمين

يترك الشيطان، وينصرف ويتجه للقراءة والاطلاع، بينما الآخر يترك القراءة والكتب ويتجه للعبادة فقط، ويقول:

سأزيد من فعل الفرائض للكريم وللمعين

لا شيء أحظى بالسعادة من رضا رب عليم

أما القراءة والعلوم فإنها أمر مهين

يخرج الجميع، ويعودون.

 يقول الطالب الذي ذاكر:   الحمد لله نجحت.

 ويقول الآخر:                  لم أوفق.

يقول الناجح:

أديت لله كل فرائضي           وبالجهاد خالقي أوصاني

من كان يرقبه في أعماله       ما ذاق شرا ما عاد بالخسران

الذين كانوا يصلون فقط:

إنا نسينا جهدنا وجهادنا        من جد نال الخير والإحسانا

الناجح:

هذا وربي في الكتاب مقدر            ان فائزا ابدا وان خسرانا

ان نحتسب في الله كل امورنا         فزنا بدنيانا مع اخرانا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ يغلق الستار ــــــــــــــــــــــــــــ

***

المشهد السابع

يدخل شاب يقف ويقول:

وواعدتها والدجى قد نزل              ونامت طيور طواها الوجل

فما زلت أرقب طيف الدجى           ومنيت نفسيَ خوف الملل

وفي البدر حسن وفي حسنها          وفي الليل تدنو شموع الأمل

وقلت لبدر السما ما ترى              فقال أراها وذاك الثمل

تدخل عليه فتاة جميلة فيقول:

تعالي حبيبي إليَّ تعالي        فقد كنت رمز الهوى والخجل

تعالي لنلقي ليالي الجفاء             ونسقي رضاب الهوى والعسل

الفتاة:              أراك فأزداد شوقا فشوقا               فليس هواي الذي يحتمل

ففي الوصل حب وهمس وشعر        وفي الوصل نلقى جنون القبل

يدخل الشيطان:

أفي الحب طهر وشوق وبعد          فليس دواء الصباب المثل

فرب اندماجا يداوي اللهيب            ورب لقاء يذيب الملل

فماذا ألاقي غير الجراح              وغير العذاب وجرحا قتل

يقتربان معا حتى كادا يتعانقان، ولكن الفتى يرجع ويشعر بالخوف ويقول: لالالا...

 وينصرف.

الشيطان يقول لها:

دعيه فقد صار يبغي سواك           ويطلب غيرك سهل المنال

ولو ما تنازلت يوما له                لأصبح منك قريب الوصال

أراك فتاة تضجين سحرا              وفي الحسن فقت دلال الغزال

تلين لكلامه، ثم تتامل برهة، وتقول له:

فأنت اللعين وأنت الطريد             وأنت الخبيث وأنت الضلال

فدعني فما كنت أقبل قولك            ففيه الهوان وفيه الخبال

فلولا العفاف لما كان حسني           وفي العيش يحلو جمال النضال

ثم تنصرف.

يقول الشيطان في غيظ:

فتاة ترد علي ضلالي           أيوجد فيهن تلك العقول

فهن حبالي أجرجر فيها        فطورا أصول وطورا أجول

وإن النساء طريق البغاء        وهن إليّ طريق الوصول

ولكن إذا كان أصل طهور      فلا أحد يستطيع الدخول

ثم يقع الشيطان على الأرض.

ـــــــــــــــــــــــ يغلق الستار ـــــــــــــــــــــــ

***

المشهد الثامن

يفتح الستار على مجموعة من الرجال، يتوسطهم الشيطان، يلتفون حوله باعتبار أنه إمامهم.

 يقول أحدهم:       لك الأمجاد من كل العبيد       فأنت حقيق لرمز الخلود

لقد عشت حيا منذ الأُلى        إلى اليوم دمت حيّ الوجود

فأغويت إنساً أرادوا الهدى       وسرت بهم لنار الخلود

الشيطان يرد متواضعا:

أيا ابني كفاني حبكم           وكفي بينكم ألقي سعودي

يقف شيطان آخر:

يا مليكي ضاق عيشي         مع قومي في الرشاد

عيشهم زيف وظلم             قد تعبت من كساد

الشيطان:           تأنَّ بني وكن صابرا            ففي الصبر حقا نجاة العباد

ويوم سيأتي لنا بالهدى         وفيه الصلاح وفيه السداد

يجلس ثم يقف الساحر، ويقول:

حبيبي والجميع بذاك يعلم       بأنك سيد والكون أدهم

فأنت بريق أيامي وشمسي      وأنت المالك الأعلى المكرم

يسجد الساحر لإبليس ويقبله ثم يجلس:

شكرا يا سفيري فأنت رمزي     وأذني لما تقول طربت وتنسم

يقوم بإلباس الساحر تاجا:

يقوم المبذر، يسأله إبليس:                 من أنت؟

 المبذر:            أنا الذي يبذر            ومسرف مستهتر

أخوه إبليس لعين         ليس له أخ معين

حبيبه شيطانه           طريقه كفرانه

الشيطان:           شكرا يا حبيبي فأنت بحق أقرب المقربين إلي.

يقف الجميع يقبلون الشيطان وهو يقبلهم.

ــــــــــــــــــــــــــ يغلق الستار ـــــــــــــــــــــــــ

***

المشهد التاسع

الشيطان وقد كبرت سنه، ولانت أعظمه يقف ويقول:

دق اللهيب بأضلعي وحياتي          وأذاقني كاسا من الحسرات

قد صار همسي للأنام مقيدا           وأنا أعاني لوعة السكرات

ما لي أبيت مكبلا ومقيدا              والنفس قد جبلت بكل شتات

أزف الصعود إلى الجحيم ولم أزل     أحثو التراب بمجمل اللعنات

أقبل عليه بعض الشياطين الصغار:

يا سيدي لا ترن نحو الجراح    والق الحياة بأروع الأفراح

أنت المدير لأمرنا وزعيمنا      إن مت متنا من كثير جراح

هيا فما زالت حياتك خصبة     بالكره والأحقاد والأتراح

الشيطان يجلس ويترنح وهو يقول:

هيا فزوروني بأكواب الغوي           وادعو إلي عرائس الأفراح

وادعو النديم فللنديم حلاوة             زرعت شغاف القلب بالإصلاح

وادعوني ما بين العشية والضحى      للهو بالأوتار والأقداح

الشياطين:

إنّا سجود للذي ملأ الدنا              نارا وعشنا حياتنا بكفاح

وأعادنا ندعو لكل قبيحة              ويرد عن حسن وكل صلاح

إبليس:

لا غرو إن كان المشيب معانقي      فالآن صرت متوجا بسفاح

يوما ستنتهي الخلائق كلها            وتعلق الأعمال بالألواح

ويقال اقرأ للكتاب فقد مضى           آجالكم بهلاككم وفلاح

ــــــــــــــــــــــــــــــ يغلق الستار ـــــــــــــــــــــــــــــــ

***

المشهد العاشر

مجموعة من الشباب عليهم علامات عبدة الشياطين من الملبس الأسود، والجسم النحيل، والوجه الملطخ بالأشكال الغريبة، والجسم المليء بالوشم.

إبليس:             الله عظيم الإحسان            والفتنة دوما أعطاني

قد أعطى آدم إكراما                  ولسجدته ناداني

أأكون عظيما ذا ملك           وأذل لطين أو جان

أحدهم يقول له:

تأبى أن تخضع سيدنا          فلأنت عظيم السلطان

الشيطان يخرج تمثالا من حجر ويقول:

هذا معبودي يسعدني           ويخفف عني أحزاني

فبه أغوي كل غرير            وبه أقضي ما أعياني

يصمت فترة، ثم يسجد للصنم. فيسجدون جميعاً معه للصنم.

يظل هكذاً، ثم يقول لهم:

عجبا أأكون أمامكم             ولغيري كان الإذعان

فأنا المعبود سوى حجر         صلصال يا للبهتان

يقول بعضهم:

إنا نأسف يا سيدنا                   لغباء عات الأركان

فالجهل الأحمق غيرنا          والطين عظيم النسيان

ولوجهك نسجد إعظاما          لكبير بلاد الطغيان

يسجدون جميعا له وهو يمتلئ بالغرور والفخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ يغلق الستار ــــــــــــــــــــــــــــــــ

***

المشهد الأخير

الشيطان يحتضر ويبدو وهو يحتضر في شكل رث غير قادر على حمل نفسه يقول:

آه لأكتاف علي تحيط بي                   والسام يسري ناخرا بعظاميا

آه وذاك العيش أصبح علقما          لون الحياة قد تحول قانيا

سكين عذرا قطعت شفراتها            جسمي وحسبي قطعها أحشائيا

كالنار تسلخ في الشياه حية           فكفى بي ذلاً وطول شقائيا

خذني إليك يا إلهي إنني              قد صرت مشتاقاً لنيل جزائيا

إن كان أمري للسعير فطالما          جرجرت دوماً للسعير الأعاديا

يسمع صوت من بعيد:

تبا لعنت أفي الممات تجبر           ستموت ملعونا بهونك راضيا

لو كنت تسمع للنداء فربما            قد نلت من أمر السماء معاليا

هذا العصي قد صار يلعن نفسه       لما مررت عليه يوما ساريا

والأرض تلعن كل يوم قدرها           ما كنت زائرها وكنت مداجيا

يقول:

ما ذقتها يوما ولا نلت النوى           ثمت ألاقي الذل حين وفاتيا

مس اللظى قلبي فصرت مزلزلا        وملائك الرحمن تضرب ظهريا

يسقط ويسمع صوت من بعيد:

اسلم فإن الله باسط عفوه              ان كان قلب العبد أبيض صافيا

يقول الشيطان:           لا والذي سوى وأحكم خلقه

الصوت يقول:            كنت اللعين على نجاتك قاضيا

يبدأ الشيطان في النزع الأخير ويقترب من الأرض وهو يقول:

الآن اسجد والتراب ردائيا                   قبل الردى كنت العزيز الغاليا

أبت الضلوع نداء ربي فاكتوت        لأجر مسحوبا لشر قضائيا

لا مرحبا بالنار فهي مليكتي          ما زلت أدعوها لجمع صحابيا

هم كسوتي لما تجرد أضلعي          ورحيق إن كان الغلاظ حماتيا

يلقى الشيطان مطروحا علي الأرض ويقع صريعا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ يغلق الستار ــــــــــــــــــــــــــــــ

*****            ***** 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب