يعطي الفقراء لا الشعراء مسرحية شعرية من فصل واحد وثلاثة مشاهد
كتب  د.غازي مختار طليمات ▪ بتاريخ 11/10/2018 14:25 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد84

زمانها: بداية خلافة عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ.

 

مكانها: مدينة دمشق.

 

موضوعها: زهد عمر في المديح وحرمان الشعراء من الجوائز على المدح الكاذب.

 

أشخاصها:

 

خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، وعدي بن أرطأة، وأبو حزرة جرير بن الخطفى، وجميل بثينة، والأخطل غياث بن غوث، وعمر بن أبي ربيعة، وحاجب.

 

***

يعطي الفقراء لا الشعراء

مسرحية شعرية من فصل واحد وثلاثة مشاهد

 

[يكشف الستار عن حي قديم في دمشق يتصدره باب مغلق، أمامه حاجب وبضعة رجال في أزياء الأعراب، يمرُّ بهم رجل متجه إلى الباب]

 

أحد الرجال للقادم: ما لابن حَيْوَةَ أغضى السمع والبصرا ؟!

 

رجل آخر: ولم يسلِّم علينا حينما عَبَرا؟

 

ثالث: ونحن أشعرُ من في الأرض

 

رابع: سَلْه، فهل كنا أسأنا له؟

 

حتى جفا وجَرَى؟

 

الأول: رجاءُ أنت شفيعُ الواقفين هنا

 

عند الخليفةِ، فلْتشفعْ لمن حضرا

 

الثاني: "يا أيُّها الرجلُ المرخي عمامتَهُ

 

هذا زمانك، فاستأذنْ لنا عمرا"

 

رجاء: ما لابن عبد العزيز البَرِّ من كلَفٍ بالمدحِ

 

مهما سرى في الناسِ واشتهرا

 

وكلُّكم جاءَ مدَّاحاً ومُكتسباً

 

وبالقريض الذي يُزْجيهِ مُتَّجِرا

 

والمالُ مالُ الرعايا

 

لا يُبذُّره لكي يقالَ: غَدا سَمْحاً، فيفتخرا

 

وكيف يرضى أميرُ المؤمنين إذا عصى الإلهَ؟

 

كيما يُرضيَ البشرا؟

 

الحاجب: أهلاً رجاءُ

 

أميرُ المؤمنينَ يرى في الشعر رأيَكَ

 

لكنْ لم يزلْ حذِرا

 

مِن المديحِ الذي يصبو مُلفِّقُه إلى الجوائز

 

مهما ذَلَّ وانكسرا

 

وحَسْبُهم أن شيخ الشعر نابغةٌ

 

قد هان بالمدحِ للنعمانِ واعتذرا

 

هَمُّ الخليفة أن يزدارَهُ رجلٌ

 

إنْ قال شعراً فعن شيطانه ازْدَجَرا

 

[ثم يفتح الحاجب الباب ويدخل رجاءُ ابن حيوة]

 

الحاجب: أهلاً فأنت بلا إذْنٍ تزورُ

 

متى حدا بكَ الشوقُ كيما تنشرَ العِبَرا

 

الثالث للأول: جريرُ، إن رجاءً ذاك لم يكُنِ

 

أهلَ الشفاعة والإحسانِ والمنَنِ

 

الثاني: وأنت أسْرَعُنا نظماً وأبرعُنا

 

الرابع: وأنت أشعرُنا في المدحِ واللَّسَنِ

 

فَلْتلتمِسْ شافعاً تُجدي شفاعتُه للسائلين

 

بلا شرطٍ ولا ثمنِ

 

[يظهر رجل يركب دابة يربطها قرب الباب بعدما ترجل]

 

جرير: "يا أيُّها الراكبُ المرخي مطيتهُ

 

هذا زمانُكَ

 

إني قد مضَى زمني"

 

"أبلِغْ خليفتَنا إن كنت لاقِيَهُ

 

أني لَدَى البابِ كالمصْفودِ في قَرَنِ"

 

"لا تنسَ حاجتَنا لاقيْتَ مغفرةً

 

قد طال مكثيَ عن أهلي وعن وطني"

 

القادم: مَنْ هَهنا؟ أجريرٌ؟

 

جرير: يا عديُّ نعَمْ إني جريرٌ

 

فكُنْ عوني على المِحَنِ

 

عدي: أبشِرْ، أحاولُ

 

لكنَّ الخليفةَ لا يُصغي إلى شاعر

 

بالهَجْوِ مُمْتَحَنِ

 

وأنت أرْوَعُ مَن يهجو

 

جرير: وأورعُهم

 

فلم ألَغ في وحول الفُحشِ والعَفَنِ

 

ولا صَبوْتُ إلى الصهباء قبلُ

 

ولا اصطبحْتُ يوماً بغير الماءِ واللبنِ

 

فإنْ تشفَّعْتَ لم تشفعْ لِمُتَّهمٍ بالموبقاتِ

 

ولا زانٍ، ولا نَتِنِ

 

عدي: جريرُ أبشِرْ

 

الرابع: هل البُشْرَى لهُ

 

عدي: ولكم لوِ اسْتطعتُ ولم أجبُنْ ولم أهنِ

 

***

[تنقل الإضاءة إلى جانب آخر فيظهر رجاء، ورجل مت

واضع المجلس والثياب]

 

الرجل: مرحباً يا عديُّ

 

عدي: إن سلامي حين يُزْجَى يُزْجيه كُلُّ الأنامِ

 

لابنِ عبد العزيزِ حامي الرعايا

 

مَن أذاةِ الرُّعاةِ والحكّام

 

عمر: يا ابنَ أرطأةَ حاذرِ المدْحَ

 

واكشفْ عن عيوبي جهْراً وعن آثامي

 

أولا يشتكي العبادُ؟

 

عدي: بلى، يشكون ممّا تُبْديه من إحْجامِ

 

عمر: أجميعُ العبادِ يشكون؟

 

عدي: لا، بل شعراءُ المديحِ

 

عمر: يا للِّئامِ!!

 

أنا ما لي وللمديحِ؟

 

وربّي بخطايايَ عالمٌ وبذامي

 

مدحُهم يقلبُ الرذيلةَ فضلاً

 

ويساوي أهل التقى بالطَّغامِ

 

دعْكَ منهم

 

فشِعرهم لا يُساوي بشكاةٍ تأتيكَ من أيتامِ

 

رجاء: قد أرى ما تراهُ

 

لكن حجْبَ الناس لا يرتضيه طبْعُ الكرام

 

عدي: لو تراهم وراءَ بابك قلت القوم جوْعى

 

يرجون بعضَ الطعامِ

 

رجاء: فاصْطَنِعْهم ولو بفضلة زادٍ

 

وبماءٍ يرويهمُ من أُوامِ

 

عمر: مَنْ ببابي؟

 

عدي: بالباب شاعرُ مخزومٍ ربيبُ الجمال والإلهام

 

عمر: قُلْ ربيبُ الخنى ومُغوي العذارى

 

بحرام يصوغُه من غرام

 

عُمَرُ الشاعرُ الذي تصْطفيهِ

 

عاشقٌ فاسقٌ بغيرِ ذمامِ

 

قال – والقولُ قد يقود العذارى

 

حين يُرْوى إلى اجتراحِ الحرام -:

 

"ثم نَبَّهْتُها، فهبَّتْ كَعاباً طفلةً

 

ما تبينُ رجْعَ الكلامِ"

 

"أعلى غيرِ موعدٍ جئتَ تسري

 

تتخطى على رؤوسِ النيامِ؟"

 

لا وربّي لا يُستضافُ

 

ولو ظلَّ على الباب واقفاً ألفَ عامِ

 

عدي: دعِ ابن أبي ربيعةَ للملاحِ

 

وقرِّب من يتوقُ إلى السماح

 

ففي الشعراءِ من ركبَ المطايا إليك

 

ولم يهَبْ هوجَ الرياح

 

فَقَرِّبْهُ تَنَلْ أجراً وذكراً

 

بلا إثمٍ تخافُ ولا اجتراحِ

 

عمر: ومَنْ بالبابِ منهم؟

 

عدي: قد تراءى "غياثٌ"

 

وهو مقصوصُ الجناحِ...

 

لِنَصْرانيةٍ فيه

 

عمر: ادّعاءٌ، فتغلبُ كالقبائل في امتياحي

 

وإن يكُ لابن مخزومٍ مُجونٌ

 

فهذا شِلْوُ أقداح وراحِ

 

أما قال "الأُخَيْطلُ" وهو يحسو صَبوحَ الخمر

 

بالشعر الوَقاحِ:

 

"ولَسْتُ بصائمٍ رمضانَ يوماً

 

ولَسْتُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي"

 

"ولَسْتُ بصائحٍ كالعيرِ يوماً

 

قبيلَ الصبح: حيَّ على الفلاحِ"

 

"ولكنْ سوف أشربُها مداماً

 

وأسجدُ عند مُنْبَلَجِ الصباحِ"

 

عدي: بلى! قد قالَ

 

عمر: فَلْيغربْ، لأني أصون السمعَ عن وقْعِ النباحِ

 

فنصرانيّةُ السكيرِ كانت دريئته

 

من الجَلْدِ المُتاحِ

 

فَدَعْهُ يعبُّها، ولْيَنْأَ عنَّا

 

كأجْرَبَ صُدَّ عن إبلٍ صِحاحِ

 

وأبعِدْ كلَّ ذي عُهْرٍ وخمرٍ

 

وجِئْ بمغرِّدٍ يا صاحِ صاحي

 

شُغِلتُ عن العذارى والسكارى

 

بأمِّ بنيَّ والماءِ القراحِ

 

رجاء: دعِ الخمر لا يزكمْكَ بالنتنِ ريحُها

 

ونجوى العذارى للذي يستبيحُها

 

عدي: وقرِّب عفيفاً

 

لم تساوِره شهوةٌ حرامٌ

 

ولم يؤخَذْ عليه قبيحُها

 

شريفٌ عفيفُ النفس

 

من عُذرةَ التي إذا جُرحتْ بالجبِّ

 

فاضتْ جروحُها

 

عمر: أتعني "جميلاً" أمْ "كثيّر عزَّةٍ"؟

 

عدي: عنيت جميلاً، فهو دوماً جريحُها

 

أحَبَّ، ولم يرفُثْ

 

عمر: ولكنَّ نفسَه صبتْ صبوةً

 

لا يُسْتباحُ جنوحُها

 

وغالى غلوَّاً يثلمُ الدينَ ثلْمَةً

 

يشقُّ على نفس التقيِّ صريحُها

 

أليس الذي قد باحَ في الشعر بوْحةً

 

فقال – ويعفو اللهُ – حين أبوحُها:

 

"ألا ليتنا نحيا جميعاً

 

وإن نَمُتْ يوافقْ لدى الموتى

 

ضريحي ضريحُها"

 

"فما أنا في طول الحياةِ براغب

 

إذا قيل: قد سُوِّي عليها صفيحها"

 

رجاء: فَلَسْتُ أرى فيما تمناه مأثماً

 

ولو حقَّ للنفس الطموح طموحُها

 

عدي: وكم من ضريحٍ ضَمَّ إِلْفَينِ

 

إنْ هَوَت على الناس

 

بالزلزالِ يوماً صُروحُها

 

عمر: ولكنْ تمنّى الموتَ

 

والروحُ أمرُها لبارئها

 

إقبالُها ونزوحُها

 

فلو قال: يا ليت الزواجَ يضمُّنا

 

ليرحلَ عن نفس الشجيِّ جموحُها

 

إذن لَشَفى النفسَ اللجوجَ من الهوى

 

وراحَ بإرضاءِ الإلهِ يريحُها

 

فلا يدخلَنْ داري

 

وفي نفسه مُنى

 

يخالفُ شرعَ الله مَنْ يستبيحُها

 

عدي: إن كان فيما قال طيْفُ غرامِ

 

فجميلُ بثينةَ لم يلَغْ بأثامِ

 

ولِكلِّ مَنْ قرضَ القريضَ لسانُهُ زللٌ

 

ولو ألجمْتَهُ بلجامِ

 

عمر: إلا الذين تَقَبَّلوا وتمثلوا

 

قوْلاً وفِعلاً شِرْعةَ الإسلامِ

 

رجاء: أترى "جريراً" منهمُ؟

 

عمر: هو منهمُ في طرده من أقبلَتْ لحرامِ

 

إذْ قال قولةَ زاهدٍ متعفِّفٍ

 

متطهِّرٍ من لوثةِ الإجرامِ:

 

"طرَقَتْكَ صائدةُ القلوبِ

 

وليس ذا حينُ الزيارةِ

 

فارجعي بسلامِ"

 

"إن أواصلْ من أردتُ وصالها

 

بحبالٍ لا صلِفٍ ولا لوَّامِ"

 

عدي: هو خلفَ بابِكَ

 

عمر: فادْعُهُ فلعلَّه

 

يروي بفيض الشعرِ حَرَّ أُوامي

 

[يفتح عدي الباب فتحاً موارباً ويقول للحاجب]

 

عدي: يا حاجبُ استقدمْ جريراً

 

الحاجب: وحدَه؟

 

ويظلُّ من صحبوه كالأيتامِ؟

 

عدي: أدْخِله ولْيبقَ الجميعُ كما أتَوْا

 

من غير إزراءٍ ولا إكرامِ

 

[يدخل جرير مسرعاً وهو يصرخ من الباب]

 

جرير: "إن الذي بعثَ النبي محمداً

 

جعلَ الخلافةَ للإمامِ العادلِ"

 

"وسعَ الخلائق فعلُه ووفاؤهُ

 

حتى ارْعَوَوْا، وأقامَ مَيْلَ المائلِ"

 

"إني لأرجو منك خيراً عاجلاً

 

والنفسُ مولعةٌ بحبِّ العاجلِ"

 

عمر: لا درَّ درُّك يا جرير

 

فليس لي من عاجلٍ يُعْطى

 

ولا من آجلِ

 

المالُ مالُ اللهِ لا مالي

 

ولا مالُ ابنِ أرطأةَ المشيرِ العاقلِ

 

هل يُستشارُ؟

 

جرير: أجلْ وأرضى حكمَهُ

 

ليس المشيرُ على الفقيرِ بباخلِ

 

عدي: لا حقَّ للإنسان في مالٍ

 

سوى مالٍ يُساق لمعسرٍ أو عائلِ

 

وإلى يتيمٍ ما لَهُ مَوْلى

 

ولا إرثٌ يُجنِّبهُ هوان السائلِ

 

عمر: هل أنت منهم يا جريرُ؟

 

جرير: نعمْ، ولا!!

 

عمر: حَيَّرتني، فأجِبْ بغير تحايُلِ

 

جرير: منهم إذا جافيْتَني ومنَعْتني

 

فإذا أنلْتَ غدوتُ أغنى نائلِ

 

ورجعتُ بالخير الوفير

 

أسوقه للجائعين بغبطةٍ وتفاؤلِ

 

عمر: أعطيك مالي كلَّه لا بعضَه

 

جرير: أبشرْ جريرُ. فقد رجعتَ بطائل

 

عدي [معترضاً]: يا أميرَ المؤمنينْ

 

كيف تعطي كلّ ما تملكه مَنْ يستعينْ ...

 

بك، فَلْتُعطِ الذي يُعطيه كلُّ الأَكرمينْ

 

جرير: أشفيعٌ أنت أم خصم؟

 

عدي: شفيعٌ، وعلى المال أمينْ

 

عمر: أو تدري كم سأعْطي؟

 

عدي: لا

 

عمر: إذنْ لا تُفْتِ حتى تستبينْ

 

كان مالي يا ابنَ أرطأةَ ثلاثاً من مئينْ

 

فاقتَسمْنا أنا والزوجة والنجل اقتسامَ المنصفينْ

 

جاء حظي مائةً

 

[ثم يقذِف عمر إلى جرير كيساً صغيراً فيه مائة درهم]

 

خُذْها عسى تُغنيك عن أن تستدينْ

 

[يخرج جرير وتنقل الإضاءة ويتلقاه الشعراء]

 

***

جميل: بشِّرْ بالخير أبا حزرَهْ


 

ابن أبي ربيعة: أرجعت بألفٍ أم عشرة؟

 

جرير [وهو يلوح بالكيس الصغير] هذا ما عدتُ به

 

كيسٌ، لا ألفٌ فيه ولا بَدْرَةْ(1)

 

المائةُ دُفِنتْ في هذا الجحْرِ

 

كبنتٍ توأدُ في حفرةْ

 

لم أبْصرْ ملِكاً بل مَلَكاً

 

في التقوى قد أفنى عمرَهْ

 

يُعطي الفقراء ولا يُعطي الشعراءَ

 

ولو قدموا زُمْرَةْ

 

الأخطل: أولم تغضَبْ لمّا أُخْرجتَ؟

 

كثور في فمهِ جزرةْ؟

 

جرير: أُخْرِجْتُ وفي قلبي حبي

للطائع ربي، لا حسرَةْ

 

أقدمتُ ونفسي طامعةٌ

 

ورجعتُ وفي نفسي عِبرةْ

 

وحقرت المالَ وجامعَه

 

وسأفخرُ إن أصْبرْ صَبْرَهْ

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 (1) البدرة: عشرة آلاف درهم.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب