ثنائية الحياة والموت في الأدب
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 10/10/2018 15:41 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 84

 

الحياة والموت ثنائية كانت، ومازالت، وستبقى سراً مغلقاً في كنهه عن الإنسان، يكد ويجتهد في البحث عنها، ولكنه لا يصل إلا إلى بعض دلالات مظاهرهما، ويذهب شرقاً وغرباً في تفسيرها، وكلما جاء بتفسير عقلاني خطأه تفسير عقلاني آخر.

 فالحياة التي تبدأ بدبيب الروح في الجسد، استغلق على الفلاسفة والمفكرين معرفة أمر الروح التي لا تكون الحياة إلا بها، والتي أخبرنا الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه أنه استأثر بأمرها: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (سورة الإسراء: 85)، والموت الذي تنطوي به الحياة وتنطلق فيه الروح من إسار الجسد عجزت عقول الفلاسفة والمفكرين والأدباء عن إيجاد تفسير عقلاني بعيد عن تفسير الأديان السماوية له، وتاهت بهم الافتراضات والنظريات، وسقط معظمهم في حمأة القلق والجزع مما يخبئه من أسرار، وما يكون حال المخلوق بعد أن يطويه الموت في غياهبه.

 ومن يستعرض تاريخ الأمم، وما صنعته في هذا الميدان، وما تركته من مقولات وصنائع ومنجزات كبيرة وصغيرة يملؤه العجب من تخبط الإنسان عندما يركن إلى عقله وحده، ويصم أذنيه عن صوت السماء، فقد تعدد السلوك البشري من هذه القضية، قضية الحياة والموت، وبذلت بعض الأمم جهوداً هائلة بدوافع من معتقدات خاطئة، منهم من عجز عن تفسير الثنائية، فألفوا شطرها الثاني، وقالوا: إنما هي حياتنا الدنيا وما يهلكنا إلا الدهر، ومنهم من بالغ في رسم صورة مفترضة لما بعد الموت، فأقاموا طقوساً عجيبة، وأنشؤوا مباني هائلة بذلت فيها الأموال الطائلة، وأضنيت الأجساد، وأزهقت أرواح بالعمل المضني والسخرة، فبنيت المقابر الضخمة، وشيدت الأهرامات الهائلة لتصنع السعادة والخلود بعد الموت ولو لنفس واحدة، بل ومن تلك الأمم من استحل التعجيل بالموت أو إحراق الأجساد البشرية بعد موتها، وقبل موتها أحياناً لتتوافق مع مقولات تصادم الفطرة والعقل السوي.

وجاءت الشرائع السماوية لتصحح تلك الانحرافات، وتصحح مسار العقل البشري، وتعطيه من التفسيرات والمفهومات ما يناسبه، ويريح النفس القلقة التي تحمله، فقصت قصة الحياة الدنيا وصلتها بالحياة الآخرة عبر معبر الموت، ووضحت أمر البعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار.

 وجاء الإسلام الدين الخاتم بأوسع التفصيلات عنها، وأكثرها مناسبة للعقل البشري، وطمأنة للنفس السوية، وعرضت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة هذا الأمر بأوفى عرض وأحسنه، وبيَّنت أن الموت هو الجزء الأخير من الحياة الدنيا، والجسر الذي يصلها بالحياة الآخرة، بدءاً ببرزخ القبر؛ ووصولاً إلى برزخ البعث والنشور، فكل نفس ذائقة الموت لا يستثنى منها نبي ولا رسول ولا ملك، وكل يبعث للحساب والجزاء، والموت في حد ذاته طيٌّ لحياة أحد الأحياء في الدنيا، وموعظة لمن لم يحن أجله بعد فيها.

 والقبور التي أمر الله أن تكرم الأجساد فيها موعظة دائمة، وشاهد قائم، وموعد سيحل وفاؤه لمن لم يُحملوا إليها بعد، لذا تكرم وتصان تبعاً لتكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان، ولما تبعثه في النفس من تذكير بالآخرة يمسح كل ما يشعر به المرء من صمتها ووحشتها والخوف منها؛ لذلك حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على زيارتها، والترحم على من سبق إلى الرقود فيها، والاعتبار بالمصير إليها، وحسن العمل على التزود بالصالحات لرقدتها حيث لا ينفع شيء فيها إلا تلك الصالحات.

وثمة مقبرة تنفرد عن سائر المقابر في الدنيا بميزات خصها الله سبحانه وتعالى بها، ضمت أجساد المسلمين الأوائل الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضمت أبناءه وبناته ومعظم زوجاته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، ويستغفر لمن دفنوا فيها، وسارت أجيال المسلمين من بعده على سنته، هذه المقبرة هي مقبرة البقيع في المدينة المنورة، وقد أصبحت واحدة من المزارات الشرعية التي يحرص من يشد الرحال إلى المسجد النبوي على زيارتها.

وخلافاً لكل ما تثيره القبور في كثير من النفوس من رهبة وقلق وخوف تثير زيارة هذا المعلم مشاعر إيمانية عجيبة في نفوس المؤمنين، وتقديراً عظيماً لمن دفنوا فيه، ودعوات وابتهالات بالرحمة والغفران لهم.

والأعجب من ذلك أنها تثير رغبة عارمة عند الكثيرين منهم أن يجعل الله سبحانه وتعالى مرقدهم فيه أملاً بأن ينسحب عليهم دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن دفن فيه، وتطلعاً حميماً إلى شفاعته بهم عند الله سبحانه وتعالى.

 وقد عبر بعض الأدباء الإسلاميين عن هذه المشاعر التي تختلج في قلوب أولئك المؤمنين عندما وقفوا في ذلك المعلم، ومنهم الشاعر السعودي حيدر عبد الكريم الغدير الذي وقف وقفة تأمل فيه، وتدفقت في نفسه مشاعر يمتزج فيها الإيمان بالمحبة والشوق والرغبة في أن يضمه ثراه، ويتوسد بعض ترابه يقول:

 


سألت ثرى البقيع وقد أتينا                   حماه وهش في صمت إلينا

نسير إليه خاشعة خطانا                      كأنا للمساجد قد أوينا

وقد طابت مراميه اللواتي                    هي الأم التي تحنو علينا

نحدثها فتفهمنا ونصغي                       لها فتبوح إيماءً وعَيْنا

وما فاهت وما فهنا بشيء                    ولكنا فهمنا وارتوينا

ورب بلاغة في القول تعلو                  وأخرى صمتها أحظى لدينا

وبين الناس والأرضين ودٌّ                   وكره إن دنون وإن نأينا


وبعد هذه المسامرة الوجدانية الصامتة التي يولدها التصور الإيماني لهذه المقبرة، بعيداً عن القلق والخوف والاضطراب يستنطق الشاعر البقيع، ويتحدث بلسانه عمن ضمه من أفاضل، وما خصه الله به من فضائل، يقول عن البقيع:


فقال وقوله صمت بليغ                         بأن الضيف إن جاء احتفينا

به فأقام في النعمى توالى                      حقائق لا ترى فيهن مَيْنا

لقد سكنت كرام الخلق عندي                  ومَنْ مثلُ الصحابة قلْ وأينا

تبارت في مودتهم رحابي                     وقد أبصرت منها شرفاً ودَيْنا

ترابي المسك بل أعلى وأغلى                 يقول الساكنون به اكتفينا

ترابي فاتحٌ عفٌّ وتالٍ                          ومن أنجبن سعداً والحسينا

أنا الأرض الطهور فكن حفياً                 إذا ما جئتها وامش الهوينا

لقد أهدى المكارم لي نبي                     سحائب ما ونين وما انتهينا


وهنا تتدفق مشاعر الشاعر حباً وتعلقاً بالبقيع، فيبوح بأمله راجياً أن يظفر ببقعة في رحابه، ويتصور أن البقيع يرحب به إن استجاب الله سبحانه وتعالى لأمله وحقق أمنيته يقول:


فقلت له وعمري في انقضاء                    وقد أبصرت بي وهناً وأينا

غداً آتيك، هب لي فيك ركناً                     فإن لنا وإن لم نرض حَيْنا

فقال: بلغت سؤلك ياصديقي                     تخير ما تشاء إذا التقينا(1)


وبعد: فما أحسب أن غير الأدب الإسلامي وأدبائه يعيش تلك العواطف والمشاعر إزاء القبور والمقابر بخاصة، وإزاء ثنائية الموت والحياة بعامة، مشاعر إيمانية عامرة بالطمأنينة واليقين والرضا والمحبة.

-----------------------

(1) القصيدة في ديوانه: من يطفئ الشمس، بعنوان: وساد، ص 245.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب