وجه القمر.
كتب  ابتسام اسماعيل شاكوش ▪ بتاريخ 14/06/2018 12:10 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

 

 

 الضباب يلف الكون بغلالة ثقيلة تحجب الرؤية, خرجت أم عبد الله من خيمتها, مع أولادها, بعد صلاة العشاء بقليل, تقصد الحمامات العامة في المخيم, تركت ابنتها أمينة تحمل المصباح اليدوي, امتدت حزمة الضوء عبر الضباب مشكلة خطاً نورانياً يصل بين يدها وباب الحمامات, مشهد طريف أضحك الصغار. رفعت أمينة المصباح للأعلى, باتجاه السماء, عمود النور امتد إلى حيث لا يدرك نهايته الأبصار, توقفت أمينة تحدق مبهورة بالمنظر, وقد انفصلت عن الخيام والمخيم والحمامات.


-       هاتي المصباح يا أمينة.. الدرب مظلم يا ابنتي.


-       أمي! هل صعدت روح أبي الشهيد إلى الجنة مثل هذا الضوء؟


-       الله أعلم يا ابنتي, الروح لا يمكن لأحد رؤيتها, الله وحده العالم بها


-       لكن أبي في الجنة, ضوء المصباح يخترق الضباب ويصل إلى السماء, لعله يصل إلى الجنة, أريد رؤية أبي.


-       سترينه في أحلامك يا صغيرتي, هيا أسرعي, البرد شديد يؤذيني ويؤذي إخوتك الصغار, أجسادهم ضعيفة لا يتحملون.


 أدخلت أم عبد الله أولادها واحداً إثر واحد إلى الحمام, أوصتهم بالنظافة, سارعت أمينة بالخروج، ووقفت تعيد إرسال عمود النور باتجاه السماء.


-       تعالي يا أمينة, لنعد إلى خيمتنا.


***

-       تعالي يا أمينة لأريك ثوبي الجديد, اشتراه لي أبي.


-       لا أريد.. سأعود إلى أمي في الخيمة.


-       أنت تغارين مني.. تحسدينني, أنا عندي أب يشتري لي الثياب الجديدة, وأنت ماعندك أب ولا ثياب جديدة.


-       أبوك أنت نازح يعيش في خيمة, وأبي الشهيد يعيش في الجنة عند الله.


 دخلت أمينة الخيمة باكية تشكو لأمها ما قالته ابنة الجيران, قالت الأم:


-       حين يسوق لنا الله رزقنا سأشتري لك أجمل الثياب, ولكن إذا بكيت, سيحزن أبوك في الجنة, هل تريدين إيلامه؟


***

 القمر عالق بين الأسلاك الشائكة المسيجة للمخيم, يخبئ عار الأسر خلف مزق من السحاب المقطع, والبرد يخترق الثياب والأجساد ليصل إلى العظام فيزلزلها ارتجافا, الأرض الطينية تحولت إلى سطح مجعد شديد الصلابة, الجليد على سطح البرك الصغيرة التي شكلها وقع الخُطا يتكسر تحت قدمي الأستاذ نوري مصدراً صوتاً رقيقاً كصوت تحطم قلب كليم في ليل هذا المكان المرمي في أقصى هذا السهل الصحراوي, والمنسي من كل الجمعيات والمنظمات الإنسانية.


 أسبوع مضى, في كل ليلة يخرج الأستاذ نوري من خيمته يهده القهر, يعد مئة وعشرين خطوة, هي المسافة الفاصلة بين خيمته والحمامات العامة, يمشيها ببطء محاولاً إطالة الزمن, لا مكان آخر يهرب إليه سوى هذا الدرب, الحي مقفر، والمسجد أقفله المؤذن بعد صلاة العشاء, الليل تجاوز منتصفه بقليل, كل الناس نيام, أو ساهرون ملتحفون بالبطانيات يحاولون بها درء البرد العنيد, وأين منهم الدفء وقد تجاوزت درجة الحرارة نقطة الصفر بكثير!؟ بكاء أمينة المرّ يجرح سكون الليل, يخترق ستار خيمتها ويؤرقه في خيمته, في هذا الاسبوع بدأت تتراجع في درسها, وتهمل وظائفها, تُمضي الحصة الدراسية صامتة شاردة, لا يثير انتباهها أي شيء.


***

-       أنا أستاذك يا أمينة احكي لي .. لن أخبر أحداً, ما الذي يبكيك في الليل؟


 أطرقت أمينة بنظرها وانحدرت دمعتان ساخنتان من عينيها, سالتا بهدوء على الخدين الجافين المشققين من أثر ملوحة الدمع, ضمها إلى صدره, مسح شعرها بيده، ثم عاد لينظر في وجهها..


- أنا أحبك يا أمينة مثلما أحب ابنتي آية, بل أحبك أكثر منها, أنت مجتهدة في الدرس وهي مقصرة.


 ارتخى طرفا فمها, وضربت وجهها موجة من التقلصات, ثم راحت تنتحب, جفف دموعها بمنديله, وقدم لها بعض السكاكر, شبكت كفيها خلف ظهرها رافضة هديته, واستمرت في نحيبها, دخل المدير ليستفسر عن سبب بكائها فاستغلت الفرصة وجرت راكضة إلى باحة المدرسة, لتجلس وحيدة في العراء, مواصلة بكاءها.


***

 جاءته زوجته بالخبر اليقين, أمينة ترى أباها في المنام, لكنها لا ترى وجهه, تخاله غاضباً منها, ولا تدري السبب الذي أغضبه, تراجع نفسها, تراجع أقوالها وأعمالها, ولا تجد لنفسها ملجأ سوى البكاء, أخبرتني أمها أنها تعتزل إخوتها, وتدخل بين ستارتي الخيمة, لتجلس صامتة ذاهلة, لا ترد على نداء, ولا تشارك في حديث أو ألعاب.


 وقالت زوجته, لو حسبنا بالأرقام, الطفلة عمرها ثماني سنوات, ثلاث منها عاشتها هنا في المخيم, وسنة قبلها كان والدها مشغولاً بالثورة, لا بد أنها نسيت ملامحه لطول العهد, لكنها لا تعي ذلك, حملت نفسها عذاب الضمير عقاباً على النسيان, مسكينة! كم من الأطفال يعانون مثل ما تعاني!؟


 لقد هربت الأم بأطفالها من الموت الراكض في كل شوارع البلد وأزقتها, النابع من الأرض، والمتدحرج من الفضاء معبأً بالبراميل, جاءت بما ترتديه من ملابس, لم تحمل متاعاً ولا صوراً, هاتفها الجوال ضاع منها, لا تذكر متى، ولا أين، ولا كيف ضاع!؟


 هجع جميع من في المخيم وظل الأستاذ نوري مؤرقاً يمزق سكونه بكاء أمينة من الخيمة المجاورة, يفكر بطريقة يساعدها بها ولا يهتدي, والدها كان صديقاً له, ومعلماً زميلاً في المدرسة ذاتها, استشهد الرجل في المعركة الأخيرة, بينما حمل الأستاذ نوري جراحه, ولحق بأسرته إلى المخيم, ليجاهد مع زملاء آخرين, من أجل إنقاذ جيل من الأطفال, من براثن الجهل والأمية, ابتدعوا مدارس داخل الخيام, وراحوا يدرسون التلاميذ ما تحفظه ذاكرتهم من العلوم, بلا كتب ولا دفاتر ولا أقلام.


 فكر, لو أن لديه صورة لصديقه الشهيد يقدمها لأمينة, يعيد إليها ملامح وجه أبيها, وينقذها مما يؤرقها ويؤرقه كل ليلة, لكنه نقل من ساحة المعركة إلى المستشفى, فاقد الوعي, لايملك سوى ملابسه المبللة بدمه, ونقل, حين بلغ طور النقاهة, إلى المخيم, ولا يعلم شيئاً عن أجهزة الحاسوب والهواتف النقالة التي كان يملكها، والتي خزن بها كل ما لديه من صور ووثائق.


***

 في اللحظة الفاصلة بين نومه وصحوه, تذكر بأن والد أمينة كان صديقاً له على برنامج (فيسبوك), إدارة المخيم خصصت قاعة للإنترنت, وهنا يكمن الحل, نام نوماً قلقاً, وفي الصباح, استعار حافظة إلكترونية صغيرة (فلاشة) من أحد زملائه، وقصد تلك القاعة. فتح موقعه فطالعته صور ومنشورات مخزنة من شهور طويلة, راح يستعرضها على مهل, نسخ صورة منها على الحافظة، وقصد مستوصف المخيم, صعد الباص مع الذاهبين إلى المشفى, وانفصل عن الركاب ليقصد أقرب مكان للتصوير, طلب صنع صورة كبيرة في إطار لصديقه الشهيد, تأمل العينين الحازمتين وبكى, ثم سارع ليلحق بحافلة المشفى عائداً إلى المخيم, ليهدي تلك الصورة لتلميذته أمينة.


***

 القمر يتوسط قبة السماء, ينشر ضياء ساطعاً يكاد يكون نهاراً, أو شبه نهار, النجوم تومض بقوة في الفضاء الذي غسله المطر, تنظر بصمت إلى آلاف الخيام, آلاف الأسر, يضمها هذا المخيم المرمي في هذا البلقع من الأرض بعيداً عن كل المدن والقرى, ريح جليدية قارسة البرودة تسفع وجه الأستاذ نوري في مشواره اليومي إلى الحمامات, لكنه يغفل عنها غارقاً في سعادة منحتها له هذه الليلة الهادئة الخالية من بكاء أمينة.


***

 صخب الطفلة وإخوتها في أثناء فرحهم باستقبال صورة أبيهم وصله كاملاً إلى داخل خيمته, لقد همد احتفالهم الآن واستسلموا لسلطان النوم, لم يسمع هذه الليلة بكاء أمينة, لكن أسرة جديدة سكنت في خيمة مقابل خيمته, لديهم طفلة عمرها خمس سنوات لم تدخل المدرسة بعد, اسمها لطفية, هذه الطفلة تدخل بلا سبب في نوبات هيستيرية من البكاء, تقلب الأواني، تسكب الطعام على الأرض, تضرب رأسها ووجهها بيديها حتى يوصلها التعب إلى الإعياء, ويقف والدها وزوجته عاجزين عن فعل أي شيء يقطعان به هذا البكاء.


 لطفية شاهدت ثلاثة رجال من أعمامها, كما شاهدت أمها, أشلاء متناثرة تغطيها الدماء إثر سقوط برميل متفجر على منزل كانوا يسكنونه, فما السبيل إلى إنقاذها مما تعانيه؟ الأمر يحتاج من الأستاذ نوري مزيداً من التفكير والتدبير..

 توقف في منتصف الطريق وراح يتأمل وجه القمر!.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب