الشاعر الفلسطيني محمود مفلح وتجربة أربعة عقود مع الشعر يضع خلاصتها بين أيدينا (3/3)
كتب   ▪ بتاريخ 14/06/2018 11:40 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 82

 

التحكيمُ والشعر: 

نحن لا نشك في نزاهة أية لجنة لتحكيم الشعر ولا في رغبتها في الاجتهاد والتسديد.. ولكن هذا لا يمنع من وجود الخلل بشكل من الأشكال..!! فأعضاء أية لجنة ينتمون إلى بيئات ثقافية مختلفة، وثقافات متباينة، وقناعات فكرية قد لا تلتقي.. وهم متسلحون بنظريات نقدية تعبوا في دراستها وهضمها، وجاهدوا في تطبيقها وترسيخها في كتبهم ومقالاتهم المنتشرة.. وحتى أكون أكثر صراحة أقول: إن ناقداً لا يمارس الشعائر الدينية -مثلاً – ولا يقيم لها وزناً.. لا يمكن أن يختار نصاً ذا مضمون ديني.. مهما كان حجم الإبداع فيه، وإن ناقداً حداثياً أمضى حياته في الترويج لقصيدة النثر والدفاع عنها.. لا يمكن أن يختار قصيدة يرضى عنها الخليل بن أحمد – مهما كانت ذات وهج إبداعي أيضا..!!

وبالمقابل حتى أكون منصفاً أقول: إن ناقداً تراثياً بكل معنى الكلمة لا يؤمن بالحداثة الشعربة وبمقولاتها، ولا يعترف بنماذجها لا يمكن أن يرشح قصيدة نثر أو قريبة منها.. مهما حاول أن يكون منصفاً؛ لأن صوت النقد في داخله لابد أن يكون له تأثير في القرار الأخير، وإن الذوق الأدبي وحده لا يصلح أن يكون حكماً موثوقاً؛ لأن الأذواق متباينة ومختلفة، وهي تخضع لاعتبارات كثيرة، ما هو الحل إذن.. حتى لا يكون النص ضحية هذه الأمزجة والاتجاهات والقناعات والثقافات..؟! حتى ولو طليت التعليقات الأخيرة بطلاء المجاملات الواضحة غير المقنعة التي لا تعدو أن تكون قشرة وراءها ما وراءها.. ما العمل إذن..؟! كيف نستطيع أن ننصف الشعراء ونقنع الجمهور أننا نملك مفاتيح هذا الإقناع..؟! هذا ما أحببت أن أطرحه على الأعزاء من القراء.. فلعل عندهم الجواب الشافي.

الشعرُ والإمارة: 

قد يغري لقب (الأمير) كثيراً من الشعراء، بل ويطمح كلٌّ منهم أن يفوز به.. وفي رأيي المتواضع أن طبيعة الشعر تأبى هذه التسمية.. فكل شاعر أمير على رعيته وقصائده، ويبدو أن هذا اللقب لا يغري إلا أبناء أمتنا -على عكس الأمم الأخرى-، ومن الصعب أن تقنع أحداً أنك أفضل منه إلا إذا هو رضي بذلك، وكثير من النقاد ما زالوا يتندرون على إمارة شوقي.. حتى سَمَّاهُ بعضهم صنم الألاعيب!!

 وقيل: إن د.طه حسين منح العقاد لقب أمير الشعر لتسلم له إمارة النثر، حتى إنه قال في الإهداء لكتابه دعاء الكروان: ”هذا عش لكروانك..إلخ”، وهذا حديث يطول..

أما ما أريد أن أدخل فيه مباشرة.. فهو أن إحدى الصفحات على الفيس أعلنت عن رغبتها في اختيار أمير لشعرائها بالاقتراع، وبدأ الغليان المحموم والمجاملات التي بلغت حدَّ القرف..!! وإن نظرة سريعة إلى هذا السباق تظهر بجلاء أن العصبية القبلية ما زالت تتحكم في مزاجنا.. وإن كل شاعر راح يرشح ابن قبيلته أو وطنه مع الاستثناء النادر -وأنا على يقين أن بعض الذين يمدون أعناقهم إلى إمارة الشعر ما زالوا يخطئون في الإملاء والنحو، ولا تستقيم لهم الأوزان أحياناً-، فإذا كانت النخبة المثقفة الواعية بهذا المستوى؛ فما قولك للذين لا يقرؤون ولا يكتبون!؟ أنا على يقين أن الحوار بينهم يومئذ سيكون بالخناجر وليس بالحناجر..!! ودائماً أقول: أرجو أن أكون مخطئاً، وأن لا يكون في كلامي هذا شيء من المغالاة.

شاعرٌ منتشر: 

ليس لي أي موقف من أشكال الشعر، وليس عندي عقدة من التسميات (قصيدة النثر، النثيرة، الشعر الحر، الكلاسيكي)، فالذي يهمني هو الشعر -فيما أقرأ- والشعر وحده.. ولقد صبرت على قصائد تعج بالألغاز والطلاسم حتى لا أُتهم بالتخلف والجهل، ولكن هذا لا يمنع من طرح أسئلة موضوعية.. تحتاج إلى إجاباتٍ مقنعة.. لماذا ينتشر بعض الشعراء ويخبو بعضهم..؟! وحتى أكون واضحاً أكثر؛ فإنني أستشهد بشاعر واسع الانتشار.. تتسابق دور النشر على طباعة أعماله..!! وحتى أكون أميناً؛ فإنني أقتبس شيئاً من سيرته الذاتية كما جاءت في أحد دواوينه:

– شارك في عدد من المؤتمرات والندوات الشعرية والثقافية العربية والعالمية.

-كتبت عن تجربته الشعرية عدد من الأُطروحات في الجامعات العربية والأجنبية.

-ترجمت أشعاره إلى عددٍ من اللغات الأجنبية.

– ترجمت مختارات أساسية من أعماله الشعرية من الجامعة الأمريكية.

-حصل على عدة جوائز عربية وعالمية.

وحتى لا أسترسل أكثر؛ أنقل لكم إحدى  قصائده -لا على التعيين- من أحد دواوينه بعنوان (شمس بطيئة):

كنا نحزمُ المدينة بالبحر

بالبريدِ الأزرق في الأفئدة

كلما عبرنا ردهة الدار

انبثقت تنهدات النساء

الوقورات في الليل

كلما طرقنا باباً انفتح الأفق

في قلوب مشغوفة بوداع الفقد

صقلنا الدروب المتربة

بخطوات عجولة

كانت البلدة عريشة

مفتوحة على البحر كله

فتلجأ لأعراس السفن

بشراعها الرشيق وصواريها الحانية

نشارك في تجهيز الخشب للماء

عربة البريد مهصورة في أحضاننا

لئلا يتأخر المسافرون في الغيم

والمدينة باب لشمس بطيئة

أقول: هل هذا هو الشعر الذي نطمح إليه والذي يمثل روح الأمة وثقافتها وهويتها؟! أترك الإجابة للقارئ الكريم وأنا أعلم أن بينهم أكاديميين ونقاداً وشعراء ومتذوقين..! المهم..الإنصاف والإنصاف وحده.

تجربتي مع الفيس ( أ ):

 أحدهم.. كان يدافع عن شاعرٍ دفاعاً مستميتاً، ويعتبره قمة الإبداع في الشعر العربي المعاصر! ولَمَّا بينت له أن وراء هذا الشاعر آلة إعلامية ضخمة -وأنا أعرف ذلك من تلفاز وإذاعة وصحافة ورقية- وحسبه أن أكبر الصحف العربية تفرد لرائعته صفحة كل أسبوع ومع ذلك لم يقنع. وقد عجبت وقد كتب ثلاثة أسطر فقط أنه وقع في أربعة أخطاءٍ نحوية وإملائية..!! فقلت له دون مواربة: ”يا أخي تخطئ في ثلاثة أسطر أربعة أخطاء، وتريد أن تصنف الشعراء وتحكم عليهم..؟!”؛ فتوقف عن الكتابة ولم أعد أراه..!!. بعض الشعراء الشباب يرسلون إِليَّ نصوصهم من باب حسن الظن لإبداء الرأي، ومن عادتي أن أسأل الأخ عن مستواه التعليمي، وكم أُفاجأ عندما يقول لي: إنه تخرج في قسم اللغة العربية في جامعة كذا.. ونصه يعجُّ بالأخطاء الإملائية والنحوية.. وأنا أعرف شعراء حقيقيين -أطباء ومهندسين وصيادلة- تجاوزوا هذه المرحلة من الأخطاء من زمنٍ بعيد، وقد رأيت أن أكثر أخطاء الشباب في الآتي:

– إضافة ألف بعد حرف العلة (الواو) ظناً منهم أنها (واو الجماعة): يصفو.. ينمو.. يغفو.. إلخ.

– لا يحذفون حرف العلة بعد الجزم: ”ولا تمشِ في الأرض مرحا“… ”ولا تقفُ ما ليس لك به علم”.. إلخ.

– لا ينصبون اسم (إن) التي يأتي بعدها ظرف.. بل يرفعونه ظناً منهم أنها خبر (إن): ”إن لدينا أنكالاً وجحيما”… إلخ.

– لا يحذفون (ياء المنقوص) إذا تجرد من (أل) أو (الإضافة): قاض.. ناد.. شاد.. قاضي التحقيق… إلخ.

وهناك قضية هامة مطروحة للنقاش وهي: أن مأساة حلب استحوذت على أقلام الشعراء.. وهذا حقهم.. بل الواجب عليهم، ولكني رأيت أن أكثر ما يكتب تحت هذا العنوان.. واقع تحت ضغط الفعل ورد الفعل، وأنه أقرب إلى التسطيح والصراخ والتقريرية والإنشاء بعيداً عن جوهر الفن، وقد سميت هذا رغوة شعرية سوف تزول بمرور الهدف؛ لأنها لا تحمل من مقومات الإبداع ما يكفل لها التأثير والخلود، وهنا  أسأل: هل القضية المقدسة تشفع لقصيدة متهافتة فنياً وتمنحها تأشيرة دخول إلى عالم الشعر..؟! ولو قرأنا محمود درويش -وهو ابن القضية وقدِ انغمس فيها انغماساً- ما وجدنا في كل ما كتب ذكراً لفلسطين أو القدس، أو أي عنوان صارخ من عناوين القضية.. إِلا لِمامَاً؛ لأنه ذوب القضية في ماء الفن والإبداع وليس العكس، وهذا شأن أكثر الشعراء الكبار الذين قرأتهم… سامي مهدي، على جعفر العلاق، محمد علي شمس الدين، عصام ترشحاني، عبد العزيز المقالح، وغيرهم.. وغيرهم.

تجربتي مع الفيس(ب):

نشرت على صفحتي قبل فترة قصيدة رثاء لأخي الشاعر أحمد مفلح.. قلت في بعض أبياتها:

أرثيكَ…أم أنتَ  الذي  ترثيني       أم فاضَ من عينيكَ دمعُ عيوني

أرثيكَ -أحمدُ- والكلامُ مُبَعثَرٌ        ماذا أقولُ ودمعتي تكويني؟!

ما كان أشهى أن يكون فطورنا      زيتاً  وحباتٍ  من  الزيتونِ..!

وتقولُ أمي والحنانُ بوجهها          صبراً.. فإن الخبز في الطابونِ

إلى أن قلت:

لو أنصفوكَ لكنتَ في أحداقِهِم       ولأَبحروا في  دُرِّكَ  المكنونِ

 

والقصيدة طويلة… وكان تجاوب الأصدقاء ساراً.. إِلا أن معظم تعليقاتهم اقتصر على عبارة ”رحمه الله”، وهذا طيب وأشكرهم على ذلك، ولكن الأولى أن يتعرض القراء للجانب الفني من النص.. ما الذي أعجبهم فيه..؟! الطريقة التي لجأ إليها الشاعر في معالجة موضوعه..! وما سر تأثرهم فيها مثلاً..؟! إِلى آخر هذه الملحوظات النقدية الضرورية التي تفيد الشاعر والقارئ معاً.

 وعلى ذكر الرثاء فقد توقفت عند قصائد الشاعر/ محمد البياسي.. في رثاء زوجه- بشرى- رحمها الله، وللشاعر محبون ومتابعون بالمئات، وهو أهل لذلك، ولكن معظم التعليقات كانت تنصب أيضاً على عبارة ”رحمها الله”، نعم… رحمها الله رحمة واسعة، ولكن المسؤولية الأدبية تتطلب غير هذا؛ لأن الشاعر يكتب النص، وهو بحاجة الى إِضاءته، والتعرف على أسرار جماله، واستبطان كلماته، والكشف عن أسرار الدهشة فيه، وقراءة النص الحقيقي الذي يختفي وراء الكلمات الظاهرة.. فالشعر ليس في الكلمات، وإنما في ظلالها وامتداداتها في النفس، وليس في المعنى وإنما في كيفية إنتاج المعنى. ولو تعرض عشرة بالمائة فقط من القراء إلى نقد موضوعي هادف ومستنير-وبعضهم قادر على ذلك- لأفاد الشاعر والقارئ كثيراً.

 هل خرج -محمد البياسي-عن النسق الشعري الجاهز في الرثاء العربي..؟!

 والذي يقوم على التوجع والتفجع والمغالاة في ذكر محاسن المتوفى..؟!

 هل كتب بحبر الدهشة والاحتراق.؟!

 هل ابتعد عن الغنائية الشائعة في الشعر العربي وانحاز إلى التكثيف والتوتر..؟!

 لماذا كانت قصائده في رثاء زوجه مؤثرة حتى الدمعة وعميقة حتى اللوعة..؟!

 ما هي الآلية التي اعتمدها لتوليد المعنى المطلوب.؟!

 قاموسه الشعري بسيط ولكنه عميق.. سهل ولكنه مُشِع..!! لم يعد مطلوباً من الشعر أن يقدم معنى، بلِ الأهم أن يثير انفعالاً، وأن يفجر طاقات كامنة، هل نجح الشاعر محمد البياسي في ذلك..؟!

أروع الجرار ما يصنع من الطين العادي، وأروع الأشعار ما كان من الكلمات البسيطة، ودون مجاملة أقول: إن قصائد الرثاء عند محمد البياسي تستحق دراسة نقدية مستفيضة من ناقدٍ متخصص وموضوعي.. يملك مصطلحاً نقدياً واضحاً لأنها -وبكل صدق- إضافة نوعية الى فن الرثاء في الشعر العربي، ولو بذلنا قليلاً من الجهد في هذا الاتجاه، وتخلينا عن عبارات الإطراء والثناء والمبالغة التي عَمَّت حتى خَمَّت، ودارت حتى بارت؛ لكان لنا أجران.. أجر الصدق وأجر الاجتهاد.. آمل أن تترك هذه الكلمات أثراً في التعامل مع النصوص مستقبلاً.

تجربتي مع الفيس(ج ):

في أول عهدي بهذا الجهاز قبل عامين تقريباً وكنت قادماً من مقولات آمنت بها مثل: ” الصراحة في مرارتها خير من النفاق في حلاوته”

وقول عمر أبي ريشة:

شهدَ اللهُ  ما انتقدتُكَ إلا             طمعاً أن أراكَ فوق انتقادي

وقع بصري على نص لإحدى الفتيات تُصَدِّرُ  اسمها بكلمة “شاعرة”، وعندما قرأت النص لم أجد فيه أثراً للشعر بكل المعايير الفنية وكتبت في التعليق: ”هذا نص نثري جميل ولكنه ليس شعراً”، عندها ثارت ثائرتها وأمطرتني بوابلٍ من الانتقادات لم  أسمع بمثلها من قبل مثل: ”من أنت حتى تنتقدني..!؟ ما مؤهلاتك الأدبية؟! من يسمع بك أصلاً، أنت أقل من أن تنتقد نصوصي”..إلخ. ولَمَّا حاولت بكل برودة أعصاب أن أشرح موقفي وأُفصِّلَ في القول.. أبت إلا عناداً وإصراراً، والغريب أنني رأيت جيشاً من المصفقين والمؤيدين لها، وكلهم يجمعون على أن ما تكتبه هو قمة الإبداع، ومنتهى الجمال، وهو من عيون الشعر.. يتخندقون خلفها بشكل عجيب..!!، ومن يومها لم أعد أقرأ لها شيئاً؛ لأنها شطبت اسمي من قائمة الأصدقاء.

       والموقف الثاني مع شاعر واسع الانتشار، غزير الإنتاج، قمت بلفت نظره بكل أدب إلى بعض الأخطاء في الوزن والنحو؛ فرد عليَّ: ”يا أستاذ محمود يبدو أنك لا تعرف أصول الحوار والنقد على الفيس، والأولى أن تنبهني على الخاص”، وأنا يومها كنت لا أفرق بين العام والخاص..!! وبعدها بيومين كتب إِليَّ على الخاص أنني على خطأ وهو على صواب.. ثم بعد ثلاثة أيام أعاد الكتابة إليَّ معتذراً، وأنني أنا الذي كنت مصيباً.. رغم كل ذلك فإنني لم أعد أقرأ له شيئاً لأنه ببساطة شطب اسمي أيضاً من قائمة الأصدقاء.

 أما الموقف الثالث فقد كان مع شاعر يبحث عن أدواته الفنية، ويكتب كثيراً، ولما نبهته على الخاص -هذه المرة- إلى بعض الأخطاء عجبت من رحابة صدره ولطفه وترحيبه بهذه الملاحظات، وما زال يلحُّ عليَّ في تسجيل ملاحظاتي حول شعره كلما وجدت إلى ذلك سبيلا.

 أما الموقف الرابع فقد كان معي شخصياً عندما استخدمت كلمة ”ثعبان” مؤنثة في أحد أبياتي -وأنا أعلم أنها مذكرة - ولكنه إغراء الصورة الشعرية، وضغط الوزن والعناد أحياناً.. فنبهني إلى ذلك أحد الشعراء الفضلاء المرموقين بأسلوبٍ لا أرقى ولا ألطف..!! ولكن الحق أحق أن يُتَّبَع؛ فقمت على الفور بالتصويب رغم أنني خسرت الصورة الفنية، ولكنني ربحت الصواب.

 أما موضوع اللغة المتداولة على الفيس.. ما حدود الصراحة فيها دونما نسبة المجاملات؟! فإنني حتى الآن لا أعرف -صدقوني- هذه الحدود..! ولا أتقن هذه اللغة..! لأن وابل المجاملات والملاطفات قد أغرق الفيس وأهله.. خاصة إذا كان النص لشاعرة!! وأكثر خصوصية إن كان لديها مسحة من الجمال، أو كما يقول أهل الشام: ”في وجهها ضوء..!!” والله المستعان.

تجربتي مع الفيس(د):

حين يكون الشعار أعلى من الشعر؛ ليس من المعقول أن يرى الشاعر كل هذه الانفجارات والانهيارات على امتداد الوطن الكبير، ولا ينبض له عرق، أو يرف له جفن، والشاعر ضمير الأمة ولسانها المعبر.. أو على الأقل هكذا ينبغي أن يكون ما دام اختار أن يكون شاعراً.. فلا بد له من تناول هذه الجراحات شعرياً..لا خطابياً، وأن لا يتخلى عن طبيعة الشعر التي تقوم على الصورة الجديدة، والعبارة الموحية والرمز الشفيف…إلخ، وإلا لما كان هناك فرق بين الشاعر والخطيب إلا في الوزن والقافية، وهما عنصران لا يعتد بهما كثيراً في منظور النقد الحديث، ومن خلال ما أتابع من قصائد في هذا الجهاز -وأكثرها يتناول الأحداث الجسام- أرى أن الجهارة والمباشرة والعمومية هي سيدة القصيدة، وقد تخلى أكثر الشعراء عن جمالية الشعر، وغابت عنه الطاقة الإبداعية التصويرية التي تعطي القصيدة قيمتها لتحل محلها الخطابية والمباشرة والوضوح الساذج والصخب الذي يقرع الأذن ولا ينفذ إلى القلب، هل هي غواية الموضوع..؟! وسخونة الأحداث..؟! حتى يكون الشعار أعلى من الشعر..!؟

 كما لاحظت في كثير من القصائد طاقة مخيفة من القنوط واليأس والتفجع وجلد الذات غير المسوغ، وهناك تجاوز لحدود الشعر ومنطقه حين يخوض الشاعر في الإدانات الصريحة الفجة والشتائم السوقية التي تثقل كاهل النص، وتخرجه من دائرة الشعر، والتخفيف دائماً من غلو القافية وضجيجها أمر يحفظ للقصيدة نصاعتها وحيوتها، ولا أجمل من الدخول إلى القلب من الخبرة الإنسانية والانفتاح على ذرات الوجود الإنساني.

 صحيح.. أن الأحداث الكبيرة هي وقود القصيدة.. ولكن تذويب هذه الأحداث في ماء الشعر وعطره هي الأولى، والاهتمام بجماليات النص يأتي دائماً في المقام الأول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • صحيفة منارة الشرق للثقافة والإعلام:

http://www.manarahalshark.com/?p=13308

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب