رثاء الأبناء
كتب  د.عبدالقدوس أبو صالح ▪ بتاريخ 14/06/2018 11:22 ▪ تعليقات (2) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

     ما ينازع أحد في أن الرثاء من أهم الأغراض الشعرية، وأشدها وقعاً في النفس حتى قال فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى: "إنه أهم مناطق الشعر". وقال فيه المبرد: "وهو أكثر ما تكلم به الناس، لأنه لم يَعْدُ أحد من مصيبته بحميم، وذلك قضاء الله على خلقه. إما متعزياً، وإما معزياً، وإما متصبراً محتسباً.


وقال أبو الحسن المدائني: "كانت بنو أمية لا تقبل الراوية إلا أن يكون راوية للمراثي. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأنها تدل على مكارم الأخلاق!".


     وقد سئل أعرابي: "ما أجودُ الشعرِ عندكم؟ قال: ما رثينا به آباءنا وأولادنا، ذلك أنا نقولها وأكبادنا تحترق".


     والحق أننا لا نكاد نجد في الشعر أصدق عاطفة وأعمق أثراً من بكاء الشعراء على أنفسهم حين يحسون دبيب الموت في أوصالهم، أو من بكائهم على أولادهم وهم فلذات أكبادهم ومهوى أفئدتهم ومصدر جاههم.


     ولعل من أروع ما حفل به الشعر العربي من رثاء الأبناء ما أورده المبرد في كتاب التعازي مقدماً له بقوله: "كان بشر بن أرطاة قد قتل خلقاً باليمن.. حتى أخاض الخيل في الدماء، وكان [فيمن] قُتِل طفلان لعبد الله بن العباس رضي الله عنه أخذهما من الكُتاّب، فَرُوي أنه قتلهما وهما يقولان: يا عم لا نعود [إلى ما تكره]. وأما الرواية الفاشية التي كأنها إجماع، فإنه أخذهما من تحت ذيل أمهما، وهي امرأة من بني كعب، ففي ذلك تقول:

 

يا من أحسَّ بُنَيَّيَّ اللذين هما         كالدُّرَّتين تَشَظّى عنهما الصَّدَفُ(1)

 

يا من أحسَّ بُنَيَّيَّ اللذين هما         قلبي وطرفي، فقلبي اليوم مختلف

 

يا من أحس بُنَيَّيَّ اللذين هما         مُخُّ العظام، فمخي اليوم مزدهف(2)

 

نُبِّئْتُ بُسْراً، وما صدَّقتُ ما ذكروا     من قولهم، ومن الإفك الذي اقترفوا

 

أنحى على وَدَجَيْ شِبليَّ مُرَهَفَةً      بغياً، كذا وعظيمُ البغي يُقَتَرَفُ(3)


     وإذا كان الناس قد فتنوا بدالية ابن الرومي في ولده الأوسط؛ فأين هم من مقطعته في رثاء ولده الأصغر حيث يقول:

 

 

أَبنيَّ إنك والعزاءَ معاً                بالأمس لُفَّ عليكما كفنُ

 

يا حسرتا فارقْتني فنناً               غضاً ولم يُثْمِرْ لي الفَنَن

 

تالله ما تنفكُّ لي شَجَناً              يمضي الزمان وأنت لي شجن

 

ما أصبحَتْ دنياي لي وطناً          بل حيث دارك عنديَ الوطن

 

ما في النهار وقد فقدتُكَ من         أُنْسٍ ولا في الليل لي سَكَن

 

ولقد تُسلّي القلبَ ذكرتُه              أني بأن ألقاك مُرْتهَن

 

أولادَنا أنتم لنا فَتَنٌ                  وتفارقون فأنتم مِحَن

 

 

      ومن عيون المراثي ما رثى به إبراهيم بن المهدي ولداً له، وكان فيما يؤثر عنه يستحق أن يُرثى وأن يوصف، وشعره فيه -كما قال المبرد- يستحق أن يبكي القلوب، ويستدر الدموع لحسن لفظه، وصحة معناه، وشرف قائله، ومن قوله فيه:

 

 

نأى آخرَ الأيام عنك حبيبُ                   فللعين سَحٌّ دائم وغروبُ(4)

 

يؤوب إلى أوطانه كل غائب                 وأحمدُ في الغيّاب ليس يؤوب

 

تولَّى وأبقى بيننا طيبَ ذكره                 كباقي ضياء الشمس حين تغيب

 

كأن لم يكن كالغصن في مَيْعة الضحى     سقاه الندى فاهتزَّ وهو رطيب(5)

 

وريحانَ قلبي كان حين أشُمُّه               ومؤنسَ قصري كان حين أغيب

 

قليلاً من الأيام لم يَرْوَ ناظري              بها منه حتى أُعْلِقتْهُ شَعوب(6)

 

كظل سحاب لم يَغِمْ غير ساعة             إلى أن أطاحته فطاح جَنوب

 

وكان نصيبَ العين من كل لذة             فأضحى وما للعين منه نصيب

 

جمعتُ أطبّاء العراق فلم يُصِبْ           دواءَك منهم في البلاد طبيب

 

ولم يملك الآسون دفعاً لمهجة             عليها لأشْراك المنون رقيب(7)

 

سأبكيك ما أبقت دموعي والبُكا            بعيني ماءً يا بنيَّ يُجيب

 

وما لاح نجم أو تغَّنت حمامة              أو اخضرَّ في فرع الأَراك قضيب(8)

 

فما لي إلا الموتُ بعدك راحةٌ             وليس لنا في العيش بعدك طيب

 

ولا رُزْءَ إلا دونَ رزئِك رزؤُه             ولو فُتنت حزناً عليك قلوب

 

وإني وإن قُدِّمْتَ قلبي لعالِمٌ              بأني وإن أبطأتُ عنك قريب

 

وإنَّ صباحاً نلتقي في مسائه             صباحٌ إلى قلبي الغداةَ حبيب


 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1-    تشظّى: انفلق

2-   مزدهف: ذاهب.

3-   الودجان: وريدان في العنق.

4-   السح: الغزير المتتابع. الغروب: جريان الدمع.

5-   ميعة الضحى: أوله.

6-   الشعوب: المنية.

7-   الأشراك: جمعَ شرك وهو حبالة الصائد.

8-   الأراك: شجر تتخذ من أغصانه المساويك.

 

تعليقات القراء
د.خضر موسى محمد حمود Jun 30, 2018
فن الرثاء لا شك من الفنون الشعرية التي تؤثر في الاحاسيس من خلال ما يعتصر القلب من الم وتفجع على فقد عزيز او حبيب ،ويرسم صورة صادقة ناطقة ومعبرة عمّا يكابده الراثي من أحزان سواء أكانت بسبب فقد أو خراب مدن .
د.خضر موسى محمد حمود Jun 29, 2018
لا شكّ أن الرثاء فن من فنون الشعر التي ينفطر لها القلب ويتفجع،ويتعاظم لأنّع يصدر من صميم القلب وفي مشاعر صادقة لا نفاق ولا خبث فيها ،فأي ألم أشدّ من فقد عزيز أو فلذة كبد.

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب