المجاهدون الصغار مسرحية شعرية في مشهد واحد
كتب  د.غازي مختار طليمات ▪ بتاريخ 14/06/2018 10:57 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

 

زمانها: السنة الثالثة الهجرية قبيل غزوة أُحُد.

 

مكانها: المدينة المنورة.

 

موضوعها: إعفاء الصبيان من الجهاد، وتكليفُهم حراسة النساء والأطفال.

 

أشخاصها:

 

عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعَرَابةُ بن أوس وأبوه، والنعمان بن بشير وأبوه.

ورافع بن خديج، وسمرة بن جندب.

***

[يكشف الستار عن ساحة رملية وراءها لوح كبير رسم عليه جيش عربي قديم بأسلحته وخيوله، وفي الساحة مراهقان. يخرج من خلف اللوح مراهقٌ ثالثٌ مطأطئ الرأس]

 

أحد الواقفيْنِ: أقدَمْتَ كمُهْرٍ في البطَرِ

 

ورجعتَ كهِرٍّ مُندحرِ

 

الثاني: بل كنتَ كسيفٍ مُنْصَلِتٍ

 

وغدوت كطرفٍ منكسرِ

 

الأول: ودخلتَ وخطْوُك يتنزَّى

 

الثاني: وخرجتَ تجرُّ خُطا الخَوَرِ

 

الأول: ما خطبُكَ عبدَ اللهِ؟!

 

عبد الله: رسولُ الله اسْتوثقَ من عُمُري

 

وأبَى أن أغزوَ

 

لا طرْداً لي

 

بل للرفق وللحذرِ

 

وأُمِرْتُ بأن أرعى النسوان

 

مع الوِلدان من الخَطَرِ

 

الثاني: هل ساءَكَ هذا؟

 

عبد الله: أَيْأسني يا رافعُ من نَيْلِ الوَطرِ

 

رافع: استبشِر خيْراً

 

إن رسولَ اللهِ حماكَ من الضررِ

 

عبد الله: أنا عبدُ الله بنُ الفاروق

 

نشأتُ على الخُلُق العُمَري

 

بالخوفِ من اللهِ القهَّار القادرِ

 

لا خوفِ البشرِ

 

بالسعيِ إلى مَرْضاةِ اللهِ

 

بالاستشهادِ أو الظفرِ

 

الأول: لا تَيْأَسْ

 

إن رسولَ الله حباكَ بحبٍّ فانتظرِ!

 

حتى تترعرعَ

 

حينئذٍ إنْ تَلْقَ عدوّاً تنتصرِ

 

عبد الله: هل تضمنُ أن أحيا لِغدٍ

 

والموتُ يُهرولُ في أثري؟

 

وأَبَرُّ البِرِّ العاجلُ

 

لا المسْتودَعُ في كنَفِ القدرِ

 

أسُمَيْرةُ هلّا تنصحُ لي!

 

سمرة: الآجلُ آتٍ فاصْطبرِ

 

لن تخزَى أبداً

 

فتخطَّرْ بثيابِ العزَّةِ وافْتخرِ

 

رافع: هل وحدَكَ عُدْتَ من الصبيان؟

 

بهذا الوجه المنكدِرِ؟

 

عبد الله: خلَّفْتُ عَرَابةَ والنعمانَ

 

وراءَ الجيش المنتشرِ

 

وأظنُّهما خيْراً مني حَظّاً

 

في الوِرد وفي الصَّدَرِ

 

قَصُرا وانْدسَّا بين القومِ

 

فليتي أنعمُ بالقِصَرِ!

 

لو كنتُ قصيراً أو قَزَماً

 

لم يعلقْ بي فَخُّ النظرِ

 

سمرة: لن تعيا عينُ رسولِ اللهِ

 

برؤية شخصٍ مستترِ

 

إنْ لم يُبْصِرْهُ بمقلتِه

 

يُدركْه بقلبٍ ذي بصرِ

 

وستعلمُ أنهما مهما قصرا

 

أو غاصا في الحُفَرِ

 

فبصيرةُ من حفظَ القرآنَ

 

تُوافي المهجةَ بالخبرِ

 

يا رافعُ فَلْنذهبْ

 

رافع: قلبي يغلي بحنينٍ مُستعرِ

 

للعيش بظلِّ رسول الله

 

حنينَ الطيْرِ إلى الشجر

 

للموتِ دفاعاً عنه

 

بلا حَذَرٍ يعروني أو ذَعَرِ

 

فوداعاً عبدَ اللهِ

 

غداً ستفوزُ بأجرٍ مدَّخرِ

 

[ثم يمضي سمرة ورافع ويبقى عبد الله بن عمر يناجي نفسه]

 

عبد الله [وهو يتجول]:

 

هل ثواب الدفاع عن نسوانِ

 

كثوابِ الشهيدِ في الميدانِ؟

 

مَهْ! ولا تعترضْ

 

سؤالُكَ إثمٌ

 

لفَّقتهُ وساوِسُ الشيطانِ

 

من أطاع النبيَّ

 

أغراه إبليسُ برفضِ الخضوعِ والعِصيانِ

 

ليس هذا من كيْدِ إبليس

 

بل من رفضِ نفسي لذلِّها والهوانِ

 

فَلْأشاورْ أبي

 

عساه يُداوي ما أعاني من علَّةِ الخذلانِ

 

أو لعلَّ الفاروقَ يرجو رسولَ الله ردّي

 

إلى الوغى والطِّعانِ

 

لا تشاورْ ولا تعارضْ

 

وأذعِنْ لنبيٍّ يحنو على الوِلدانِ

 

[يدخل المسرح من جانبه رجلان مسلحان]

 

أحدهما: أعبدَ الله ويْحكَ مَن تُنادي؟

 

الثاني: ألستَ هنا تجولُ على انفرادِ؟

 

الأول: أتهذي أم ترى حُلُماً؟

عبد الله: لساني يبوحُ بما تخلَّج في فؤادي

 

الأول: دعِ الهذيانَ للنسوانِ

 

وانفِرْ إلى سوحِ الجهادِ بلا اتِّئادِ

 

عبد الله: نفرتُ وما كبا مُهْري

 

ولكنْ أبى عُمْري

 

فَأُبْتُ بلا طِرادِ

 

وأمْهلَني رسولُ الله

 

حتى أقاربَ في غدٍ سِنَّ الرشادِ

 

الأول: أتسمعُ يا بشيرُ؟

 

بشير: نعمْ، ونجْلي مضى للغزْوِ

 

يرفلُ بالعتادِ

 

الأول: وهل ولدي عَرابةُ سارَ أيضاً

 

بشير: أجلْ، فهما معاً في كل نادِ

 

غدا النعمانُ فحلاً وهْو طفلٌ

 

الأول: لأنك رُضْته مُنذُ الوِلادِ

 

بشير: فيا أوْسُ ادْعُ للولديْنِ

 

حتى يظلّا في الحياةِ على ودادِ

 

ويصطحبا على سلمٍ وحربٍ

 

ويجتنبا معاً طرقَ الفسادِ

 

أوس: أعبدَ اللهِ

 

هل أبدَيْتَ ضعْفاً وخوفاً؟

 

حين ناداك المنادي؟

 

عبد الله: معاذَ اللهِ!

 

بل ألهبتُ صدري بتصميمٍ

 

على العينينِ بادِي

 

وسرتُ إلى الشهادةِ أو لنصرٍ

 

بلا ذعرٍ يُلمُّ ولا ارْتدادِ

 

ولكنّ النبيَّ أراد ما لم أُرِدْ

 

فانصاعَ قلبي للمُرادِ

 

بشير: وما هذا المرادُ؟

 

عبد الله: أراد تركي لأحرسَ من تخلَّف من عبادِ

 

من النسوانِ والولدانِ

 

حتى يؤوبَ الجيشُ من غزوِ الأعادي

 

رسولُ الله أرجعني بلطْفٍ وعطفٍ

 

لا بِعُنفٍ وانتقادِ

 

وكلّفني الحراسةَ

 

أوس: تلكَ غزوٌ

 

عبد الله: ولكنْ صرتُ مَكْلومَ الفؤادِ

 

بشير: أأنت أسَدُّ رأياً من نبيٍّ

 

أتانا بالرشادِ وبالسَّدادِ؟

 

عبد الله: معاذَ الله، بالإيمانِ أرضى

 

وبالشيطانِ يركبني عنادي

 

يُوَسْوِسُ لي

 

فأحسَبُني طريداً بلا أهلٍ

 

شريداً في البوادي

 

[يأتي من جانب المسرح صبيّان قصيران هزيلان]

 

أوس: ويلتا!

 

هل صرْتَ رعديداً طريداً يا عرابَةْ؟

 

لِمْ تركتَ الجيش؟

 

هل عانيتَ خوفاً وغرابَةْ؟

 

أوس: ولماذا عُدْتَ يا نعمانُ؟

 

هل خفتَ من الحربِ إصابَةْ؟

 

عرابة: حسْبُنا ما نحن فيه

 

من صَغارٍ وكآبَةْ

 

فلماذا يشتمُ السائلْ؟

 

والمسؤولُ لم يمضُغْ جَوابَهْ!

 

بشير: قد سألنا

 

وعلى المستورِ أن يكشفَ للناس حجابَهْ

 

النعمان: قد مضَيْنا

 

نطلبُ الأجْرَ احتساباً وإنابَهْ

 

ورجعْنا

 

وعلينا من ظلالِ الذلِّ والحزنِ سحابَةْ

 

عرابة [بعد لحظات من الصمت والتذكر]:

 

رآنا رسولُ الله وهو يجولُ بطرفٍ به ظِلُّ الحنانِ ظليلُ

 

فشَعَّتْ لنا عيناه رفقاً ورحمةً

 

كما شعَّ في فصل الربيعِ أصيلُ

 

وشقَّ عليه أن نكابدَ غزوةً

 

تشقُّ على الأبطالِ حين تطولُ

 

وأرْجعَنا نحمي النساءَ من العدى

 

لكيلا يَرُوعَ الآمناتِ دخيلُ

 

أوس: ألم تُظهرا حزماً وعزماً وقوَّةً؟

 

بلى، عَزْمُنا يا أوسُ ليس يحولُ

 

ولكنْ إذا شاء الرسولُ مشيئةً

 

فإنا لما يقْضي الرسولُ مثولُ

 

أوس: صدقتَ، فلا تجزَعْ

 

فأنت مجاهدٌ

 

ولو لم تكنْ بين الغُزاة تصولُ

 

عبد الله: وهل مَضَى إلى النبيِّ رافعٌ وسَمُرَةْ؟

 

عرابة: أجلْ، ولكنْ مَضيا في أَخَرَهْ

 

النعمان: وأظهرا من خبرةٍ في الحرب

 

ما لم نستطعْ أنْ نُظْهِرَهْ

 

فربحا مفخرةَ الدنيا

 

وفي الأخرى الرِّضى والمغفرَةْ

 

عبد الله: وكيف كان ذاك يا نعمانُ؟

 

أنتم لِداتٌ(1)

 

واللِداتُ في الوغى أقرانُ

 

النعمان: في البدء رُدّا مثلَنا

 

عرابة: أو قُلْ: كما يُسْتَبْعَدُ الصبيانُ

 

النعمان: ثم أُجيزا

 

حينما أظهرَ ما مازَهما امْتحانُ

 

بشير: وما الذي مازَهما؟

 

عرابة: فرافعٌ من أمْهَرِ الرماةِ

 

أجيزَ كي يرميَ

 

والرميُ هو القوةُ في الغَزاةِ

 

فقال قِرْنُهُ: لديَّ عزمةٌ

 

ما حازها لِداتي

 

أصرعُه أمامكمْ

 

كالصقر إن حَطَّ على قطاةِ

 

عبد الله: وهل تصارعا؟

 

النعمان: أجلْ تصارعا، وصَرَعَهْ

 

حينئذٍ سُرَّ به النبيُّ

 

ثم للقتال أرْجَعَهْ

 

عبد الله: يا ليتني امْتُحِنْتُ!

 

كي أثبتَ أني نابلٌ وصُرَعَهْ

 

ولم أعد خزيانَ أسيانَ

 

كأني فَقْعةٌ أو إمَّعَة

 

بشير: أنت لم تَخْزَ فلا تيأسْ

 

ألم تُرضِ النبيّْ؟

 

حينما انْصَعْتَ؟

 

عبد الله: بلى!

 

أوس: أنت إذنْ برٌّ تقيّْ

 

عبد الله: غيرَ أن القلب بالخوفِ من السخر شقيّْ

 

وبِهَمْزِ الناس واللمزِ

 

إذا ما زعموا أني عصيّْ

 

بشير: أبداً لن يهمِزوا أو يلمزوا

 

فالأمرُ معروفٌ جليّْ

 

ورسولُ الله لم يطردْكَ

 

بل صانك بالقلب الرضيّْ

 

مثلَما صانَ بكمْ يا جندَه

 

كلَّ فتاة وصبيّْ

 

وبه صرتم رجالاً

 

مُذ سلكتم خلفه الدربَ السَّوِيّْ

 

أوس: إنه بالحبِّ حبِّ الناس طُرّاً لسَخِيّْ

 

ولهذا الحبِّ قبلَ الحربِ

 

ينصاعُ له أعتى عَتِيّْ

 

فإذا مُجترح الإثمِ حيِيٌّ

 

وإذا الخصمُ وَليّْ

 

*****

 

(1) اللِّداتُ: مَنْ ولدوا في عام واحد، فتساوت أعمارهم.

 

(2) الفقعةُ والإمَّعة: من لا شأنَ له بين الناس.

 

*     *     *

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب