تطور الأدب والحياة
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 14/06/2018 10:13 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 82

 

للأدب ـ كما لأي إبداع إنساني آخرـ عناصر أساسية، لا تكتمل بنيته وعطاؤه دونها، منها البنية الشكلية الخاصة بكل قالب من قوالبه، ومنها السيال الوجداني الذي ينتج عن تفاعل وجدان الأديب مع حدث أو قضية أو خاطرة تبرق في مخيلته أو شخص يستقطب نوعاً من أنواع المشاعر الإيجابية أو السلبية، بالإعجاب والحب والشفقة والنفور والكره والغضب وغير ذلك من المشاعر المتفاوتة، ومنها الرسالة التي يحملها العمل الأدبي إلى المتلقين.


 وطبيعي أن جملة الصفات اللغوية والإيقاعية والتخيلية موجودة في مصطلح العناصر الشكلية التي أشرنا إليها، وفي رحلة الأدب عبر العصور ظهرت في نصوصه تطورات عدة في عدد كبير من عناصره وصفاته الشكلية والمضمونية، وكثرت وتسارعت في العصر الحديث، وخاصة العناصر اللغوية الإيقاعية، وقامت بناء على هذه التطورات مذاهب ومدارس وتيارات كثيرة مختلفة، كل منها يتبنى أنواعاً معينة من الصفات يسعى ليتميز بها عن غيره، ويجعل هذا التميز خصائص أصيلة في مذهبه ومدرسته وتياره، وتسارعت هذه التطورات وتداخل بعضها في بعض في القرن الماضي حتى ليجتمع في وقت واحد عدد من المذاهب والتيارات والمدارس في بيئة أدبية واحدة، ويتدخل النقاد بحماسة ليثيروا خصومات ومعارك نقدية تُعلي مذهباً وتسقط آخر، وتنتصر لتيار وتهاجم غيره، وتتبنى مدرسة وتعادي مدرسة أخرى.


 ويشتد الحراك النقدي، وقد يتجاوز الحراك الأدبي، ويفوق تطورات النصوص الأدبية ذاتها، وكأنه يريد أن يوجهها الوجهة التي يريدها الناقد لا الوجهة التي توجه إليها الأديب.. وأياً ما تنجلي عنه غبار المعارك النقدية والمساجلات الأدبية فإن ساحة الإبداع الأدبي تبقى في مساربها الأساسية يحكمها طبع الأديب وموهبته وميوله، كما وأياً ما كانت التطورات والتغيرات التي يحدثها الأديب في إبداعه الأدبي فإن عنصرين أساسيين من عناصر الأدب ثابتة غالباً لا تتغير صفاتها إلا تغيراً محدوداً،


قد لا يتجاوز الاسم والمصطلح، ويبقى الأصل على حاله، هذان العنصران هما السيال الوجداني والرسالة، فقد يسمى السيال الوجداني في فترة من الفترات أو مذهب من المذاهب العاطفة، وقد يسمى الذاتية أو الأنا، أو غير ذلك من الأسماء، لكن المضمون واحد وهو المشاعر المنبثقة عن وجدان الأديب، فلا أدب بلا مشاعر.


 ومنذ القديم سمى النقاد الشعر الذي يصدر عن كد ذهني نظماً ولم يسموه شعراً، كالألفيات النحوية، والنظم في القراءات القرآنية، والمصطلحات الحديثية،  والمصطلحات العلمية كالمنظومات الطبية والفلكية.. ووصفوا شعر أمهر الشعراء في عصورهم إذا خالطه كد ذهني بالتصنع، فقالوا عن شعر أبي تمام، وهو من هو في الجودة والتأثير، إنه متصنع، وبلغ الأمر بأحد النقاد الانطباعيين أن يقول عنه: إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل.


 ولعل أكثر من يركز على هذين العنصرين: الوجدانية والرسالة: هو الأدب الإسلامي، بأدبائه ونقاده، فالعنصر الوجداني عنصر أساسي فيه، وإن لم يصدر العمل الأدبي عن وجدان الأديب المسلم ويحمل مشاعره الإيمانية فلا شيء يؤهله لحمل هوية الأدب الإسلامي.. بل ربما اتهم بالنفاق أو التصنع، وإن لم تكن له رسالة يبثها للمتلقين، فأي شيء يرجى منه، ولم يتلقاه المتلقون!؟ حتى لو كانت رسالة ذوقية أو جمالية نظيفة،


ولا تقتصر هذه المقولة على الشعر، بل تمتد لتشمل أنواع الأدب كلها شعراً ونثراً، حتى ما يظن أنه أكثر أنواعه موضوعية المقالة لا بد له من عنصري السيال الوجداني والرسالة، فالمقالة إن لم تصدر عن وجدان الأديب ولم تحمل رسالة للمتلقين فهي كلام مصفوف لا يدخل في مصطلح الأدب الإسلامي، وطبيعي أن السيال الوجداني لا يعني الخروج عن الموضوعية والانزلاق إلى الإنشائية، فلكل مقام مقال، ولكنه يعني أن نحس بذاتية كاتب المقالة بين سطورها أو خلفها، ولعل أفضل ما يتجلى به هذا التوازن، ويتحقق فيه وجود الأديب وموضوعية العمل الأدبي هو أدب الرحلات، فهو يجمع بتوازن دقيق ما يحرص عليه الأديب الناجح بين الوصف وبين المشاعر الوجدانية المحيطة بما يصفه، كما لا تغيب الرسالة عن جملة العمل كله، تتراءى بشكل مباشر أو غير مباشر، فيه، وقد نجده أولاً نجده في مباشرة صريحة، ولكننا لا نخرج عن قراءة النص الرحلي إلا وفي أنفسنا أثر لوجدان الأديب وللرسالة التي يوجهها من مجموع رحلته.


 وأدب الرحلة عريق في تراثنا العربي والإسلامي من رحلة ابن بطال، إلى رحلات ابن جبير، وابن بطوطة، بل وإلى رحلات العياشي والنابلسي ومن هم على أعتاب العصر الحديث، وبين يدي رحلة كتبها العياشي في القرن الحادي عشر الهجري، لعلها من أطول ما كتب من أدب الرحلات في لغتنا العربية عنوانها: ماء الوائد للأديب الفقيه العلامة عبدالله بن محمد العياشي المتوفى سنة 95هـ.


 صدرت في ألف ومئة صفحة تقريباً وهي من أغنى الرحلات بالوصف والبحث والمناقشات والقضايا العلمية والنقد العقدي والاجتماعي والسياسي والملاحظات الاقتصادية، كان لصاحبها بصيرة نافذة، وحس نقدي عال، وذهنية علمية قوية، وهو أحد العلماء المتميزين في المغرب، قام برحلة طويلة لأداء مناسك الحج والعمرة، وأقام في مكة والمدينة فترات طويلة وكتب رحلته بأناة وتدقيق كبيرين وضمنها مشاهداته وملاحظاته ومشاعره وقدراً وافراً من علمه ومناظراته.


 وكان حسه النقدي حاضراً وقوياً خاصة في الأمور العقدية والاجتماعية، وكان لا يتوانى عن نقد العادات والمفهومات الشائعة في البلد التي يزورها إن وجد فيها خطأ أو جهلاً أو انحرافاً، لذلك نجدها ظاهرة قوية في كتاباته، فمثلاً عندما يصف مزارع المدينة المنورة يرى أنها قليلة بالنسبة لخصوبة الأرض، ووفرة مياهها، ويستشهد بما كتبه المؤرخون عن كثرتها من قبل ويفسر ذلك بالخلل السائد في أبناء الجيل بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، فلا تعارض في اقتناعه بينهما، بل هما متكاملان وكل يتطلب الجد في الآخر، وهذا جزء من الرسالة التي يحملها في كتابه عن رحلته يقول: كانت بالمدينة على زمن معاوية صوافٍ [أي مزارع] كثيرة، وكان يجد [أي يحصد] بالمدينة وأعراضها مئة ألف وسق وخمسين ألف ألف وسق.


ويحصد مائة ألف وسق حنطة، فهذا الذي كان يجد معاوية وحده، فما بالك بما كان لغيره ووجوه الناس، فقد كان للصحابة رضي الله عنهم وأبنائهم في ذلك الزمان ضياع وقرى ومزارع كثيرة بالمدينة وما حولها، وما أظن هذا العدد الذي كان يستغل معاوية بالمدينة يستغل في زماننا هذا من أرض الحجاز كلها، مع سعة أقطارها وبهذا تعلم نسبة زماننا هذا إلى الأزمنة الماضية في سعة الأرزاق وكثرة الخلق، مع أن اهتمامهم في ذلك الوقت بالدين كان أكثر من اهتمامهم بالدنيا، فأنت ترى كيف انبساطها عليهم، وأما الآن؛ فالاهتمام كله بالدنيا، ولم يبق من الاهتمام بالدين إلا ما نسبته إلى الاهتمام بالدنيا نسبة الفلك الأعظم إلى الجزء الذي لا يتجزأ، وهذا أعظم دليل على قرب انقراض الدنيا، واستبدال عمرانها بالخراب، وأنهارها بالسراب، فإنما عمرانها هو بأسباب الدنيا والدين، وأنت ترى ما آل إليه أمرهما معاً، فنسأل الله تعالى الخروج من الدنيا بلا محنة ولا بدعة.. آمين


وبعد: فبعيداً عن التشاؤم الكلي، ونذر الخراب العام تبقى رؤية الكاتب صحيحة ناصعة، وهي تشخيص صادق للحالة وأسبابها ونتائجها إن استمرت لا سمح الله وهي نسبة أيضاً رآها الكاتب كبيرة بسبب نقاء تصوراته وتطلعه إلى الأمثل، وهي في الوقت نفسه تصدر عن مشاعر وجدانية إيمانية صادقة، وتحمل رسالة لأبناء جيله، وفي يقيني إلى كل جيل تال، بضرورة إمساك التوازن الدقيق الذي يريده الاسلام للعلاقة بين أمور الدين وأمور الدنيا، وهذا واحد من الموضوعات التي يحرص عليها الأدب الإسلامي وأدباؤه.


 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب